قراءة فى طالع الوطن: الاعتراف بالتخلف.. أول طريق المستقبل

إسماعيل حسني قرأها 1,081
  

قراءة فى طالع الوطن:

الاعتراف بالتخلف.. أول طريق المستقبل

بقلم: إسماعيل حسني

الكل يتحدث في مصر عن المستقبل، ونبدو جميعاً مهمومين به، ولكن لا يخرج حديثنا في معظمه عن نطاق العموميات والأماني والأحلام، ولا يكلف أحد نفسه عناء النظر في الأسس المعرفية التي نريد أن نقيم عليها صرح هذا المستقبل الذي نتحدث عنه.

ومن خلال السحابة السوداء الناتجة عن الأبخرة والملوثات المنبعثة من حالة التردي الثقافي التي نعيشها منذ ثلاثة عقود، وفي ظل غياب المشروع القومي، واختفاء معالم الحلم المصري، نستطيع أن نرى أن الحديث عن مستقبل بلادنا يتنازعه اتجاهان رئيسيان كل منهما ينافس الآخر في الابتعاد بنا عن ساحة العقل، والإسراف في الخطاب الديماجوجي الموجه لابتزاز أحلام الناس ودغدغة عواطفها.

 الاتجاه الأول يمثله الحزب الوطني الحاكم الذي يطرح في كل مؤتمراته شعارات وإستراتيجيات تأخذ سريعاً طريقها إلى زوايا النسيان، ولا تتحول أبداً على يد حكومة الحزب إلى خطط وسياسات وبرامج ملزمة، وذلك نتيجة لافتقار الحزب إلى أيديولوجية واضحة تمثل الشريحة الأوسع من جماهير الشعب، مما جعل منه في أفضل تقدير حزباً للنخبة الاقتصادية والسياسية، فضلاً عن أن احتكار الحزب للسلطة طيلة العقود السابقة قد حال دون وجود تعددية سياسية حقيقية يمكن أن يتمخض عنها حوار وطني يقوم ببلورة رؤية مستقبلية يلتف حولها الجميع للخروج من نفق التخلف المظلم.

أما الاتجاه الثاني فتمثله جماعات الإسلام السياسي من سلف وإخوان، والتي تعِدُ الناس بتدخل العناية الإلهية لحل مشكلاتهم شرط وصول هذه الجماعات للحكم. إذ نجح الحزب الحاكم في تجريف الشارع السياسي من فصائل الحركة الوطنية والأحزاب السياسية وتمكين هؤلاء من السيطرة على عقول الناس وإلهائهم بقضايا غيبية عن قضاياهم الحياتية التي تعكر مناقشتها صفو من بيدهم الأمر. وتقوم هذه الجماعات بتسويق نظرة مستقبلية غائمة تقوم على مبدأ الخلاص الفردي بديلاً عن الخلاص الجماعي، وذلك عن طريق إغراق الناس في العبادات والطقوس، والمسائل الشكلية من لحية وحجاب ونقاب وغيرها.

 ومن ثم فالحديث الجاد عن المستقبل في ظل هذه الأوضاع يبدو أمراً متعذراً، ومرتقى يصعب ارتقاؤه، إلا أننا نستطيع أن نطرح خمسة أسس نرى من الضروري أن ينطلق منها أي حوار يستهدف وضع تصور علمي لمستقبل هذا الشعب. هذه الأسس هي:

أولا: الاعتراف بالتخلف

 أن نعترف بحالة التخلف التي يرفل فيها مجتمعنا، وأن نتحمل وطأة هذا الاعتراف على ذواتنا النرجسية المتشبثة بإنكار المرض، والتي تصور لنا أننا لازلنا نتبوأ كرسي الأستاذية في هذا العالم بحكم الماضي التليد، بل وتدفع بعضنا في غير حياء لإلقاء دروس ومحاضرات على العالم المتقدم، الذي أصبحنا نعيش عالة عليه. فالاعتراف بالمرض هو المقدمة الضرورية لطلب العلاج وتحمّل تكاليفه وآلامه.

ثانيا: نبذ وساوس المستشرقين

أن نتوقف عن ترديد الأفكار التي زرعها الاستعمار في رؤوسنا بهدف ترسيخ التخلف في نفوسنا، وتأكيد تفوقه، وتبرير نزعاته الاستعمارية. وأهم هذه الأفكار التي قام المستشرقون أمثال برنارد لويس وماسينيون وماكدونالد وهارولد جيب ورينان وغيرهم بترويجها بيننا هي فكرة "الطبائع الثابتة والمتمايزة"، والتي مؤداها أن طبيعة الشرق تختلف عن طبيعة الغرب، وأن كلا الطبيعتين ثابتتان منذ الأزل وغير قابلتين للتغير. فخصائص الطبيعة الشرقية هي البدائية والتأليهية والروحانية والمثالية والرومانسية، والتي شبهها ماسينيون بطبيعة أهل الكهف والأدعية الابراهيمية، أو كما يقول ماكدونالد بأن الغيب عند المسلم الشرقي أكثر حضوراً من الواقع، فالمسلم يعجز عن بناء نظام للأشياء المشهودة، وهو ما يؤكده جيب في قوله عن غياب إحساس الشرقي بوجود نظام طبيعي صلب وراسخ تحكمه قوانين صارمة، وأن أي شيء ممكن بالنسبة للشرقي بحكم التصاق القوى الغيبية به دائماً. أما الواقعية والقدرة على التمييز بين عالم الغيب وعالم الشهادة، والمنهج العلمي في التفكير والتحليل، والاستقلال الفكري وغيرها فتعتبر من خصائص النظام المعرفي الملائم للطبيعة الغربية والتي يستحيل على الشرق الإسلامي استيعابها فضلاً عن تبنيها.

وعلى الرغم من قيام مفكري حركة التنوير العربية أمثال رفاعة الطهطاوي وطه حسين ولويس عوض وصادق العظم وغيرهم بالتصدي لهذه القسمة غير العادلة وغير العلمية، وبيان فسادها وأهدافها السياسية والإستعمارية، إلا أن الظلاميين من مفكري وقادة حركات الإسلام السياسي وجدوا أن هذه القسمة تستقيم تماماً مع أهدافهم، لأنها تثبت أن الشرق لا يمكن حكمه إلا بالدين، ومن خلال الآليات والمفاهيم المتوارثة، والتي هم سدنتها وأمناؤها، فأعلنوا أن الشرق شرق، وأن الغرب غرب، وأن أفكاراً مثل الحرية والديموقراطية والليبرالية والعلمانية وغيرها لا تصلح إلا للعقلية الغربية التي تختلف حتى في الخصائص الإنسانية والفردية عن العقلية الشرقية، لتتوقف عجلة الزمن في بلادنا بقيادة هؤلاء بينما تشق شعوب العالم طريقها نحو المستقبل.

ثالثا: تعميق ثقافة المدينة

إن الحضارات يمكنها أن تنطلق فقط من المدن، وليس من القرى أو البوادي. فمن أثينا انبثقت الحضارة الإغريقية، ومن مدينة روما انطلقت الحضارة الرومانية، ومن حاضرتي مكة والمدينة وليس من بوادي نجد والحجاز انطلقت الحضارة الإسلامية، لتتأسس في مدينة دمشق، ثم لتزدهر بعد ذلك في مدينة بغداد، كذلك من المدن الإيطالية بزغ عصر النهضة الذي يعيش العالم كله اليوم في ظلاله.

ذلك أن مجتمع المدينة إذ يضم أعداداً كبيرة من الناس، مختلفي المشارب والأعراق والأجناس والديانات والمصالح، فإنه يقوم على علاقة تعاقدية بين أفراده، وليس على علاقة جبرية بحكم الميلاد والقرابة كما في القرية أو القبيلة، مما يسمح بتأسيس ثقافة إنسانية خالصة، تستمد من الواقع المعاش، وتتجدد دائماً حسب التغيرات الموضوعية التي تحدث في هذا الواقع.

وتقوم ثقافة المدينة على النظر إلى جميع أفراد المجتمع نظرة متساوية في الحقوق والواجبات والمكانة، وحيث أنهم متساوون فهم جميعاً أحرار وذوو فرص متكافئة في العمل والثروة، ويكون التسامح وقبول الآخر هو الإسلوب الوحيد لتعايشهم وفق آليات محددة لتداول السلطة وتوزيع الثروة.

أي أن ثقافة المدينة تتجاوز التكوينات الدنيا القائمة على الجبرية والعصبية القبلية والعرقية والدينية والمذهبية، وتقوم بتفكيك البنى الاجتماعية والفكرية والدينية والاقتصادية القديمة لحساب الإنسان الفرد الحر المستقل، مما يؤكد علاقته التعاقدية مع المجتمع، ويسمح بإنشاء الدول القومية القوية القادرة على فرض سلطة القانون والاضطلاع بأعباء التحديث والتقدم، وهو ما تفتقده كافة المجتمعات المتخلفة، مثل مجتمعنا.

فنحن رغم ازدياد معدل إنشاء المدن في بلادنا لازلنا نعيش في المدن بثقافة وأخلاق القرية والقبيلة والعشيرة، حيث رفض تداول السلطة، وتركيز الثروة في أيدٍ بعينها وفق آليات لا تخضع للكفاءة وتكافؤ الفرص، وما يتبع ذلك من انغلاق ثقافي، وتعصب فكري وعرقي وديني، وسيادة ثقافة القطيع التي لا تتفاعل مع المتغيرات، حيث تذوب شخصية الفرد في المجموع، ولا يسمح له بالاستقلال الفكري أو العقائدي، مما يضعف ملكات الأفراد، ويقتل فيهم القدرة على الخلق والإبداع، ويؤدي إلى العنف في مواجهة الأخر الذي يعتبر دائماً دخيلاً ومناوئاً ينبغي التصدي له وتحجيم نشاطه.

رابعاً: تدعيم المجتمع المدني

 وإذا كانت المدينة هي منبع الحضارة، فالمجتمع المدني هو مصنعها، فهو الكيان الذي تتجمع فيه إفرازات عناصر الأمة المختلفة لتشكل تكوينها الحضاري، وهو الإطار الذي يمارس فيه المواطنون حياتهم الاجتماعية والاقتصادية باستقلال عن سلطة الدولة وسلطة المؤسسة الدينية وسلطة القبيلة أو الطائفة.

ويتميز هذا المجتمع عن غيره من المجتمعات داخل الدولة (الأهلي والدبلوماسي والسياسي والعسكري والديني) بخاصية أساسية تحفظ استقلاليته وحيويته وقدرته على احتواء التفاعل بين تلك المجتمعات وتحويلها إلى إنجاز حضاري، هذه الخاصية هي حريته من كل قيد وعدم خضوعه لأية سلطة كانت، فهو قائم بذاته، وتحكم حركته المبادرات الحرة لأعضاءه. وبسبب هذه الخاصية فإن مصنع الحضارة هذا لا يمكن أن يتواجد إلا في الأنظمة ذات التوجهات الليبرالية والديموقراطية، فهي وحدها القادرة على منح هذا المجتمع حريته الكاملة، وحمايته من تدخل أجهزة السلطة السياسية أو الدينية في شئونه. ويشكل إنشاء وتفعيل مجتمع مدني في بلادنا أكبر التحديات التي تواجهنا إن أردنا النهوض والإصلاح.

خامساً: احترام الإنسان

التأكيد على أن الإنسان هو نقطة الارتكاز في المجتمع، وأنه مصدر السلطة وغايتها، والنظر إليه باعتباره فرد، حر، مستقل، له حقوق وواجبات متساوية مع سائر أفراد المجتمع، وأنه مسئول فقط أمام ضميره في أحواله الخاصة، وأمام القانون فيما يتعلق بالغير، وتحريره من كافة الأغلال التي تعوق تنمية قدراته وانطلاقه، من خلال احترام حقوقه الأساسية التي نصت عليها المواثيق والأعراف الدولية.

 في غيبة هذه الأسس يستحيل أن توصف أية محاولة للتحديث والإصلاح بالجدية، وتصبح مبادئ العدالة والحرية والمساواة والديموقراطية وحقوق الإنسان محض شعارات تطلق للاستهلاك المحلي.