إنها أكثر من قرية جميلة
إنها أكثر من قرية جميلة
عطية مسّوح
هي مرمريتا. على سفح جبل جميل من جبالنا هو جبل السايح. تحيط بهذا الجبل إضافة إلى مرمريتا كل من حبنمرة وعين الباردة والناصرة وكفرا، وهي من قرى ما يعرف بوادي النضارة. وكلها قرى موهوبة، وهبتها الطبيعة تميزاً في الموقع وروعة في التضاريس، وغير قليل من أحراج السنديان وجعلتها من خلال جهد أجدادنا، منذ قرون وقرون، مهداً من مهاد الزيتون والتين والعنب، وهي منذ عشرات السنين متميزة بالعلم والثقافة.
لمرمرميتا، بين قرى وادي النضارة، أهمية خاصة، وتميز لا ينكره أي موضوعي منصف، عشناه نحن الذين درسنا في مدارسها، يوم كانت قرانا تفتقر إلى المدارس الإعدادية والثانوية.
كنا، ونحن في الثانية عشرة، حتى الثامنة عشرة، نتجه من تلك القرى المحيطة بمرمريتا، ومن قرى أبعد قليلاً، إلى (ثانوية دير القديس بطرس) ننهل من علم أساتذة لا يُنسَوْن، أكثرهم من مرمريتا، وبعضهم من قرى قريبة، أو من أماكن بعيدة، استقدمتهم إدارة المدرسة لسدّ حاجة تعليمية فازددنا منهم علماً وتنوّرا.
وحين يلتقي بعضنا بعضاً بعد مرور عشرات السنين، يفيض خزان الذاكرة، ونتحدث، بالخير طبعاً، عن أساتذتنا المثقفين الظرفاء، الذين جمعوا بين الكفاءة العلمية والوجدان النقي والخلق الكريم. وخزان الذاكرة لا ينضب، ومرمريتا لها من الذكريات في قلب كل منا وعقله ما يعيش ويوحي، ولها محبة كل من لا يتنكر للفضل ولا يبيع الماضي الجميل بسفاسف بخسة.
مرمريتا أكثر من قرية جميلة، وإذا كان زائرها اليوم، وخاصة في الصيف، يعجب ويستمتع بمقاهيها ومطاعمها المرتبة بذوق رفيع، والملبية لما يحتاجه المصطافون، فإن أهلها وجيرانها، وزائروها كذلك، يلمسون أنها حافظت على جمال القرية وهدوئها وعفويتها، فأضافت معطيات الحضارة والحداثة والرفه، إلى سمات الريف، ضاربة المثل بما يمكن أن نسميه (مدنيَّة القرية). وإذا كانت لفظة (المدنية) منسوبة إلى المدينة، فإن القرى التي يعرف أبناؤها كيف يعيشون، وكيف يوظفون طاقاتهم المادية والعقلية، تستطيع أن تأخذ كل مريح وممتع من مظاهر المدنية، دون أن تتخلّى عما هو جميل وصادق وأنيس وعفوي مما وهبته الطبيعة للقرى الجبلية، ومن علاقات ريفية جوهرها المحبة والتعاون والتواصل الاجتماعي.
أقول: مرمريتا أكثر من قرية جميلة، والزائر العابر قد يراها قرية متمدِّنة كما ذكرنا، لكننا، نحن الذين عرفناها في الطفولة والشباب المبكر، نرى فيها أشياء أخرى، هي الأهم والأبقى أثراً، نراها على حقيقتها، مركز إشعاع وتنوير، في زمن كانت مراكز الإشعاع والتنوير قليلة في وطننا.
هذا ما لا يجوز أن ينساه أحد، ففي مرمريتا تعلمت أجيال من أبناء وادي النضارة، تحول الكثير منهم إلى منوّرين أيضاً، نشروا العلم في قراهم وفي غيرها من قرى وطننا، في محافظة حمص والمحافظات النائية التي كانت تشكو ضعف مستوى التعليم، واستمر ذلك الدور التنويري عقوداً، والباحث المنصف يرى آثاره الكبيرة في أيامنا هذه.
لكن هذا الدور التنويري لم يأتِ مصادفة، ولم يقتصر على فتح المدارس وتعليم الأجيال، فنحن نذكر أن أوائل الأطباء والمحامين والأساتذة الجامعيين والكتاب والفنانين في منطقة الوادي كانوا من مرمريتا أيضاً، وحققوا لقريتهم سمعة طيبة، ورفعوا اسمها عالياً في أرجاء سورية، وتبادل السبب والنتيجة التأثير، فصارت علاقات هؤلاء في الوطن وخارجه مصدر تنور أيضاً، كما كان التنوُّر أساساً في قوة هذه العلاقات وامتدادها. ولعل من الضروري أن نشير إلى الدور التنويري التثقيفي الذي لعبته الأحزاب والحركات السياسية، في قرى الوادي، من الحزب الشيوعي إلى الحزب السوري القومي إلى حزب البعث، وهي أحزاب انتشرت بوضوح في تلك القرى منذ الثلاثينيات.
انتشر العلم انتشاراً واسعاً، في مرمريتا، وقرى وادي النضارة، ومن خلال مدارس مرمريتا الخاصة بالدرجة الأولى صرنا نرى العشرات من حاملي شهادات الدراسات العليا في كل قرية، لكن دور مرمريتا لا يُنسى، فهي التي كانت سباقة في التنور والتنوير، وهي، كما كتب أحد أبنائها الأدباء في أوائل السبعينيات (قرية المئة دكتوراه). إنها حقاً أكثر من قرية جميلة في ذلك الوادي المتميز.