الإسلام السياسي يشعل الفتنة الطائفية في مصر - من معركة الحجاب إلى معركة ديروط-

إسماعيل حسني قرأها 1,151
 

الإسلام السياسي يشعل الفتنة الطائفية في مصر

من معركة الحجاب إلى معركة ديروط

بقلم إسماعيل حسني

    من يصدق أن مصر التي أقامت أعظم حضارة إنسانية في التاريخ، والتي قادت حركة الإحياء في المنطقة العربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، والتي عرفت الدولة المدنية والحياة النيابية والأوبرا قبل العديد من دول أوروبا، والتي تحتضن الأزهر الشريف قلعة الإسلام الصحيح، يمكن أن تسقط في براثن التخلف الحضاري على يد حفنة من مشايخ السلف والإخوان.

    من يصدق أن مثقفي مصر من أحفاد رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وقاسم أمين وسلامة موسى وهدى شعراوي وطه حسين ولويس عوض وزكي نجيب محمود يخوضون اليوم من جديد معارك الحجاب والسفور، والوحدة الوطنية، والمرجعية المدنية والدستورية للدولة، وهي المعارك التي حسمها أجدادهم العظام بدمائهم منذ أكثر من مائة عام.

    من يصدق أن مصر في مشارف القرن الواحد والعشرين تبحث لنفسها عن حركة إحياء جديدة، بعد أن أعادها تحالف الاستبداد السياسي والإسلام البدوي قروناً إلى الوراء.

    من يصدق أن مصر التي قهرت مستعمريها بسيف وحدتها الوطنية، ونقل عنها العالم شعارها الحضاري العظيم "الدين لله والوطن للجميع"، يتمزق اليوم نسيجها الوطني، بفعل التحريض الطائفي، الذي يقوم به هؤلاء.

    إن نشر الحجاب الذي لم ينزل الله به من سلطان ومن بعده النقاب، وإشعال الفتنة الطائفية هما الركيزتان الأساسيتان في استراتيجية هذه الجماعات لتقويض أسس الدولة المدنية، وزعزعة الأمن والإستقرار في المجتمع، والنيل من هيبة الدولة وتحدي مؤسساتها السياسية والدينية والقانونية والأمنية، من أجل توفير المناخ المناسب للخروج عليها وإسقاطها.

    فبعد أن أصبح الحجاب بقدرة قادر الركن السادس في الإسلام، أصبح التربص بالمسيحيين المصريين واجباً دينياً مقدساً أيضا. فالخطاب السلفي لا ينظر إليهم كمواطنين يتمتعون بنفس الحقوق والواجبات وإنما كأغيار أو موالي أو أهل ذمة يجب مواجهتهم وحصرهم والحد من طموحاتهم، كما صرح بذلك مرشد الإخوان الأسبق مصطفى مشهور.

    لقد نجح مشايخ السلف والإخوان بتغاض وبتشجيع من الدولة في إشاعة مناخ هستيري من كراهية المسيحيين في مصر تجلى منذ أحداث الزاوية الحمراء الشهيرة في مسلسل مخزي لم ينته بعد من الإعتداءات المنظمة أو العفوية على أرواح وممتلكات المسيحيين المصريين.

    فإلى جانب الحوادث الصغيرة التي تحدث نتيجة للتعاملات والاحتكاكات اليومية والتي كثيراً ما تأخذ منحىً طائفياً بفضل التعبئة الطائفية المستمرة، تعرض إخواننا المسيحيين لعدد من الاعتداءات الكبرى كان أهمها إمبابة 1991 وأسيوط 1994 والكشح 1998 والكشح 2000 ومحرم بك 2005 والعديسات 2006 وبمها 2007 وأبوفانا 2008 وأخيرا ديروط 2009.

    وغالبا ما يتكرر نفس السيناريو لإشعال الحريق الطائفي، حيث يتلقف المتطرفون خبراً عن إقامة كنيسة أو صومعة في مكان ما، أو تجديد مكانٍ قائمٍ للعبادة، أو إقامة صلاة أو احتفال ديني بمنزل أحد المسيحيين لكي تقوم القيامة ولا تقعد، وكأن المسيحيين ليسوا بمواطنين وليس من حقهم وفقا للدستور أداء صلواتهم أو تشييد دور العبادة الخاصة بهم.

    كذلك يتم استغلال التفاعلات الاجتماعية العادية في التحريض الطائفي، كما حدث في أزمة ديروط الأخيرة. حيث تم استغلال خبر عن قيام شاب مسيحي بتسريب شريط به أوضاع مخلة بالآداب لفتاة مسلمة كان على علاقة غير لائقة بها ليتم تحويل الأمر من قضية جنائية يفترض أن تنظر فيها النيابة العامة إلى قضية طائفية، استنفر لها المجاهدون من كل حدب وصوب، للزود عن حمى الإسلام والمسلمين، وقطع شأفة النصارى أعداء الله والدين، وقام أقارب الفتاة بقتل والد الشاب وعمه المسنين رغم عدم ضلوعهما في الجريمة الأصلية، لتمتد ردود الفعل بعد ذلك من قرية "أمشول" حيث وقعت الواقعة الى مدينة "ديروط" التى تتبعها، حيث قام عشرات من المسلمين بالاعتداء على منازل ومتاجر وممتلكات المسيحيين في المدينة وحرقها ونهبها مطالبين بإطلاق سراح أقارب الفتاة المتهمين بقتل والد الشاب وعمه، مما كاد أن يؤدي لإحراق المدينة بأسرها لولا التدخل الأمني المكثف.

   الجدير بالذكر هنا أن وتيرة هذه الإعتداءات تتصاعد يوماً بعد يوم على الرغم من اختفاء الجماعة الإسلامية التي كان ينسب إلى عناصرها المسؤولية عن هذه الأعمال، مما يدل على أن جذور الفتنة قد تم زرعها بنجاح في نفوس العوام، وأن هذه الاعتداءات أصبحت تحدث بشكل تلقائي وعفوي وتلقى استجابة ومشاركة جماهيرية وكأنها من صالح الأعمال الوطنية أو التعبدية.

    ونحن هنا لا نحاول إثبات أن العنف مكون أساسي في الدين الإسلامي دون بقية الديانات، ولكننا نقول أن العنف يصبح مفهوماً بل وقدراً محتوماً متى أصبحت المرجعية في المجتمع مرجعية دينية وليست مدنية وإنسانية، ويروي لنا التاريخ كيف أن المسيحيين أنفسهم قد مارسوا هذا النوع من العنف كثيراً ضد أصحاب الديانات الأخرى  سواء في مصر أو في أوروبا وأميركا.

    إلا أن الذي يستعصي على الفهم حقاً هو لماذا يفعل المصريون المسلمون هذا بإخوانهم المصريين المسيحيين؟ لماذا يذبحون وطنهم بأيديهم من الوريد؟ ذلك أن هذا السلوك العدائي تجاه شركاء الوطن لا يصب بأي حال في صالح الأغلبية المسلمة المطحونة التي تمارسه، فماذا يستفيد المواطن المسلم الغلبان من حرق كنيسة أو قتل مواطن مسيحي غلبان مثله؟ إن المستفيد الحقيقي من الفتنة الطائفية إلى جانب جماعات الإسلام السياسي، هما الدولة والكنيسة، وليس المواطن العادي، فالدولة يريحها أن تتناحر الجماهير المطحونة فيما بينها ولا تتوحد في مواجهة سياساتها الفاشلة، والكنيسة تزيد الفتنة من نفوذها باعتبارها حامي حمى المسيحيين، مما يزيد من انطواء هؤلاء على أنفسهم، ويمنع انخراطهم في العمل الوطني، ويعرقل كافة جهود الإصلاح السياسي والإقتصادي.   

    كذلك لا نستطيع أن نفهم سلبية الدولة تجاه تصاعد وتيرة العنف الطائفي. فإذا كنا مع التحفظ الشديد قد تفهمنا منطق النظام عندما تحالف مع التيار الديني في بداية السبعينيات لاستخدامه في تجريف الشارع السياسي، وإقصاء المعارضة اليسارية والليبرالية، من أجل تمرير مخططاته في تحويل المجتمع المصري من مجتمع اشتراكي إلى مجتمع رأسمالي، وإطلاق سياسات الانفتاح الإقتصادي والخصخصة والتقارب مع السعودية والصلح مع إسرائيل وغيرها، فقد كانت خطة الرئيس السابق أنور السادات تقضي باستئجار هذا التيار لأداء هذه المهمة المحددة ثم صرفه فور انتهاء مرحلة الهدم، لأنه لا يصلح حليفاً في مرحلة البناء. فما هي دوافع النظام الآن في استمرار تحالفه مع هؤلاء، بل وتواطؤه معهم في تفتيت وحدتنا الوطنية، إذا كانت توجهاته صادقة نحو الإصلاح والتنمية؟    

    إن تساهل أجهزة الدولة في مواجهة التحريض الطائفي، وعدم تفعيل القوانين المجرمة له، وعدم إنزال العقاب القانوني الرادع بالجناة والإكتفاء بجلسات التصالح العرفية التي تعيد إنتاج حوادث العنف من جديد، فضلاً عن عدم استكمال المنظومة التشريعية اللازمة لتفعيل مادة المواطنة والقوانين الخاصة بمناهضة التمييز الديني، كل هذا يطرح أسئلة في غاية الخطورة حول دور الدولة ودور أجهزة الأمن التابعة لها في زيادة الاحتقان والصراع الطائفي في البلاد.    

    إنه ليؤسفنا أن نرى الأنظمة ذات الثقافة البدوية من حولنا والتي قامت بتصدير هذه البضاعة الفاسدة إلينا، تفيق اليوم من سباتها، وتنضو ثوب البدواة عن كاهل شعوبها، وتبدأ في الضرب بيد من حديد على أيدي المتطرفين من سلف ووهابية وإخوان، بل وتقوم بعزلهم عن منابر المساجد ودور العلم ووسائل الإعلام، كما حدث مؤخراً في السعودية والإمارات وبقية بلاد الخليج، بينما نحن لازلنا نمنحهم المنابر والمواقع اللازمة لينفثوا من خلالها سموم العداء للعقل والمدنية والسلام الإجتماعي.

    لم يعد السكوت ممكناً أو جائزاً تجاه هذه الهمجية السلفية التي تمزق نسيجنا الوطني، وتعبث بأمننا القومي، وتخرج لنا أجيالاً من القتلة والمجرمين، بل إننا نستطيع أن نعلن، وبأعلى صوت، أن كل من يتوانى عن مواجهة هؤلاء، ولا يضع التصدي لمخططاتهم السوداء على رأس برنامجه السياسي، وقائمة أولوياته، ومن اليوم قبل الغد، لا خير فيه، ولا يستحق أن يتطلع لقيادة هذه الأمة.