الالتزام الوحيد: المواطن - ن ع ح - الحلقة 857

هنري زغيب قرأها 7
 

الالتزام الوحيد: المواطن

الحلقة 857 - (الأحد 15 تشرين الثاني 2009)

هنري زغيب                                     

فرِحَ الشعب اللبناني لرؤية أعضاء الحكومة واقفين حول الرؤساء الثلاثة للصورة التذكارية.

وكان الناس فرحوا لِمُجرد صدور التشكيلة الحكومية وإعلانِها، فتنفَّسوا وتأمَّلوا خيراً بكسر الجمود الحاصل منذ أشهر مطّاطة.

وزاد من تفاؤلهم ما سمعوه من أنّ البيان الوزاري هذه المرة لن يكون فضفاضاً، بل مقتضَباً مُحدَّداً، ومكتوباً بِـلغة جديدة، ليس فيه الإنشاءُ الطنّان، ولا الإطنابُ الاسترسالي، ولا الوُعودُ التي تبقى حبراً على ورق.

والناس ينتظرون ما سيكون عليه البيان الوزاري.

ينتظرون بأملٍ وقلق: الأمل أن يتحقّق هذا الجديد الموعود، والقلق ألاَّ يتحقّق الجديد الموعود.

الناسُ يتمنّون بياناً وزارياً مستداماً، يُثبِتُ ميدانياً ما اعتادوا عليه من تنميةٍ مستدامة في المناطق الريفية، والسياحة المستدامة سياحةً لجميع الفصول وجميع المناطق، والتربية المستدامة في حقّ التعليم للجميع، وهذه جميعُها تحتاج الى أسسٍ واضحة لاستدامتها.

الناس قلقون من أن تكون الوعود برّاقةً عَجْلى كبريق عدسات المصورين عند التقاط الصورة التذكارية، أو فضفاضةً كالتصاريح الأولى عند التشكيل: كلُّها حماسة واندفاع، ثم تروح تخبو مع ارتطامها بواقع عائق.

الناس يريدون أن يتذكَّرهم الوزراء وهم يصوغون البيان الوزاري فيخيطُوه على قياس الناس لا على قياس الوزراء ووعودهم وحساباتهم وانتماءاتهم والتزاماتهم.

الالتزامُ الوحيد: المواطن. الانتماءُ الوحيد: الى المواطن. الحسابُ الوحيد: حساب المواطن. الوعدُ الوحيد ألاّ ينسى الوزراء المواطنَ في التطبيق فينغمسوا في حساباتهم وكيدياتهم وارتباطاتهم ومشاكلهم وينسوا الناس الذي من أجلهم جاؤوا ولأجلهم يُفترَض أن يعملوا.

الناس يريدون حقوقهم في المياه والكهرباء والطرقات والصحة والضمانات والبيئة والخدمات العامة، ولا يريدون أن يتكرّر المشهد الذي انكسروا عليه (تعطيل مجلس النواب، تعطيل مجلس الوزراء، تعطيل مسيرة الدولة، تعطيل المؤسسات،...) كلما تخاصم زعيمان أو قائدان، أو اختلفت جهتان على موضوع أو قرار، أو عند أول إشكال بين المسؤولين.

حقوق الناس أولاً، وبعدها فليختلفوا داخل طاولات الحوار ومجلس الوزراء ما شاؤوا.

المهم الناس: عدم تعطيل شؤون الناس، ومستقبل أولاد الناس، كي تعود الثقة الى الدولة ومؤسساتها وأركانها، وعندها فقط يعود مَن هاجَر، ويرجِع مَن تَرَك، ويتفاءل مَن كان يئس، ويتجرّأُ مَن يستثمر، ويتشجّع من يُوَظِّف.

عندها فقط تكون الحكومة فعلاً "حكومة كل لبنان"، لا كلاماً استهلاكياً للإعلام بل التزاماً مسؤولاً في بيان وزاري مستدام يُخطط للُبنان الآتي وطناً مستداماً لا تقوى عليه عاصفة، ولا تَهُزّه أزمة، ولا يعود يخاف من "أيار" هنا و"تَمّوز" هناك، بل يأمل في مواسم خيرٍ وحصادٍ وجنى في لبنانٍ هانئ وسَعِيد.

فالعالِم الأميركي تِد غاردِنِر (مدير مركز معلومات المناخ في آشڤيل- نورث كارولاينا)، المغامر في سبيل العلْم والاكتشافات العلمية، غامرَ تحت الخطر الشديد في الغوص على نهر الكونغو لاستبيان أجناس بحرية ونهرية جديدة غيرِ معروفة بعد. والخطورة في عمله أن نهر الكونغو هو أعمقُ نَهرٍ في العالم، إذ يبلغ عمقه في أسفل نقطة منه 640 قدماً ( نحو 220 متراً)، ويبلغ طوله نحو 3000 ميل انطلاقاً من أفريقيا الاستوائية، وصَبّاً في ضفاف المحيط الأطلسي، وهو يتدفَّق بحجم مليون وربع مليون قدَم مكعب في الثانية (ما يملأ في الثانية الواحدة ثلاث عشرة بركة سباحة أولمبية ضخمة).

هذا النهرُ العريقُ القِدَم، الغنيُّ الدفق والكنوز في باطنه وعمقه، الزاخرُ بأجناسٍ كثيرة من عائلات الأسماك النهرية والبحرية، المكتنِزُ في قلبه تراثاً مائياً سحيقَ القدم وبعضُه غيرُ مكتشَفٍ بعد، تَمَكَّن فريقُ تِد غاردِنِر من الغوصِ فيه واكتشافِ أجناسٍ جديدةٍ من الأسماك، كشَفَت منها ستةً قبل فترةٍ العالِمة ميلاني ستياسْني (المسؤولة في المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي) وتوصَّل غاردِنِر الى اكتشاف مزيدٍ منها في مغامرته الأخيرة قبل أيام، عملاً بِمقولة داروِن، في كتابه "أصل الأجناس"، من أن "جينات الأجناس تنتقل من بقعة الى أُخرى بحسب البيئة التي فيها تعيش".

الى أين من هنا؟ وما علاقة الحكومة الجديدة بنهر الكونغو الأعمق في العالم؟

إنها حكومةٌ جديدةٌ بنتُ لبنان العريقِ في القدم، الوطنِ الذي لا يزال يكتشف العلماء في تاريخه وجغرافياه جديداً من الأجناس الحضارية والتاريخية النادرة، ما يفترض بالحكومة الجديدة أن تُضيءَ عليه بإنجازاتِها الحاضرة والمقبلة كي تكون على مستوى عراقةِ لبنان وفرادتِه وتغايُرِه وتَمايزِه.

وإذا كانت الأجناسُ السمكية في نهر الكونغو العميقِ القرار منقسمةً الى فئاتٍ وعائلات ومناطق مائية مختلفة، لكنها تشكّل معاً أسرة واحدة يَغْنى بها نهر الكونغو، فالأحرى بأعضاء حكومتنا الجديدة، الآتين من فئاتٍ وعائلات ومناطق مختلفة، أن يشكّلوا معاً أُسرةً مواطنية واحدة تعمل لِهدف واحد، كي يظلّ لبنان، العميقُ القرار في التاريخ والجغرافيا، نَهراً حضارياً دائماً يتدفَّق من عمقه الغَني ويَجري من ضفاف المغايرة الى ضفاف الابتكار، فتكونُ حكومته الجديدة على صورته ومثاله، تواصل اكتشافَ كلّ جديدٍ فيه ومفيد، وتنقذُ لبنان: من بُحيرة كبيرة آسنة، الى نَهرٍ متجدِّدٍ دوماً بكل عميقٍ جديد.

email@henrizoghaib.com

يصدر هذا المقال في موقع "جماليا" بالتزامن مع بثه صباح يوم الأربعاء11/11/2009

في إذاعة "صوت لبنان" - برنامج "نقطة على الحرف"