مسرحية "غجر منتصف الليل" لمحمد زيطان - بين ميلودرامية الحدث وجماليات المكان

عبد السلام دخان قرأها 1,158
  

مسرحية "غجر منتصف الليل" لمحمد زيطان

بين ميلودرامية الحدث وجماليات المكان

عبد السلام دخان

قليلة هي النصوص المسرحية التي تصدر عن دور النشر في المغرب مقارنة مع نصوص أخرى تنتمي إلى أجناس أدبية مثل الرواية والشعر والقصة القصيرة، فقلما يصادفنا نص مسرحي يمكن اعتباره إضافة نوعية للخزانة المسرحية المغربية. وفي هذا السياق، صدر للمؤلف المسرحي محمد زيطان نصّ "غجر منتصف الليل" عن دار النشر مرايا بطنجة.

 MohZitan01.JPG

 MohZeetanBook01.JPG

نص يمكن اعتباره قصيدة درامية ثائرة، يحتفي باللغة وبالأمكنة وبالشخصيات ويكرس بجلاء الاختيارات الجمالية والفنية والدرامية التي رأى زيطان أن يجعلها عنواناً لتجربته الهادئة حيث يحضر التاريخ سلساً ومندمجاً في صلب حركية الدراما التصادمية. وتحضر الرموز الأسطورية والفلكلورية مؤثثة الصورة النصية في شموليتها، عن طريق توظيف حبكة تنمحي فيها أو تكاد الحدود الفاصلة بين الحقيقة والخيال، الماضي والحاضر. ذلك أن نص "غجر منتصف الليل" يقوم على موضوع الاستعمار الإسباني لشمال المغرب –لمدينة شفشاون على وجه الخصوص– مستحضراً المقاومة الشرسة التي عرفتها المنطقة بلمسات تمجيدية وأيضاً متوقفاً عند خصوصية وظروف الحرب الأهلية التي عرفتها إسبانيا. مما جعل مشاهد المسرحية تتخذ منحى ملحمياً أخّاذاً، تزيده الشخصيات الفاعلة والمنتقاة بعناية فائقة قوة وتنويعاً على مستوى الفعل والمرجعية "الخيفي. خيرة. بيدرو. عساس القصبة. حنة مسعودة".

هذا ويتطرق النص إلى موضوعة مهمة عالجها محمد زيطان، تتجسد في التراجع الخطير للنزعة الإنسانية عن العالم وما يصاحبها من تدني مهول في إمكانية التعايش والتحاور وتخطي عتبة الصراعات والأطماع والمصالح . وحدهم الضعفاء والمضطهدون لازالت تؤلف بين قلوبهم خفقات قلب إنساني بإمكانه أن يحب ويشفق –تتجسد هذه الفكرة في علاقة الغجريين المطاردين من طرف جنود فرانكو بأهالي المدينة المستعمرة– كما يمجد من جهة أخرى بطولة المرأة الجبلية ووقوفها المستميت في وجه الأسبان، حيث ينفض الغبار عن شخصية حنة مسعودة ذات البعد الأسطوري ويعيد تشكيلها في ذهن المتلقي ليجعلها رمزاً للمقاومة وللحرية.

ويتسم هذا العمل المسرحي بحضور قوي لمكون المكان لا بوصفه لبنة أساسية من أجل تشكل المعنى النصي المسرحي، ولكن باعتباره محفزاً تأويلياً لفضاء المكان ف: "وطاء الحمام" بحمولته التاريخية والرمزية يساهم في تجاوز مفهوم المكان بأبعاده الجغرافية المحدودة ليرتبط بمتخيل خصب يتساوق مع التاريخ -هنا والآن-.

انه فضاء لحركية الحدث المسرحي، وهو برحابته وشساعته يسمح بامتداده نحو فضاءات أخرى مثل القصبة، أو مكتب الخيفي غارسيا. وإذا كانت المسرحية تتطور وفق متواليات تبحث عن توازن درامي في وقت تقدم فيه كل شخصية رؤيتها الخاصة لواقعها حسب السياق الميلودرامي للنص المسرحي، فإن هذه الفضاءات لم تكن إلا فضاءات للعبور نحو المكون الأهم الذي يسعى محمد زيطان إلى تشكيله باعتماده إضاءة مشاهده المسرحية بحركة الإضاءة وطبيعة حركات شخوصه في الفضاء المكاني والنصي.

ولعل رهانه على الإدراك الحسي نابع من رغبته في تأكيد السمات النفسية لشخوصه المتعددة، ودعوته لتجاوز أثر الحدث الميلودرامي واستشراف المحبة والسلم والجمال كقيم إنسانية رفيعة تتجاوز التقاطب الناتج عن الهيمنة والصراع.

ان حضور المرأة الزاهية المرتبطة بذاكرة القصبة وشفشاون لم يكن فقط من أجل استحضار البعد التاريخي لذاكرة المكان، وإنما محفزاً للحديث عن قضايا تشغل بال المؤلف، واختار هذه الوسيلة التعبيرية ليساهم بإمكانياتها البلاغية وطاقاتها التعبيرية في تشكيل أفق مغاير لصورة السيدة الحرة لدى المتلقي الذي لم يألف أعمالاً مسرحية بهذا الزخم التاريخي والدلالي.

"لم نر أحدا غريباً.. وها أنت ترى ياسيدي حتى هذه الساحة التي من المفترض أن يقصدها كل غريب عن المدينة.. هاهي ذي فارغة". ص 25 من المسرحية.

وإذا كان محمد زيطان من خلال نص "غجر منتصف الليل" قد استطاع أن يلم الذاكرة وأن يطرح التاريخ للمساءلة من خلال سلطة الدراما التحاورية والتفاعلية، واستطاع من جهة أخرى أن يعكس الكثير من القضايا الكبرى الراهنة ويعبر عنها بمواربة ذكية تفتح النص لقراءات متعددة ومتنوعة، فإنه في النص الثاني والموسوم بـ"الغرباء" راهن على متخيل تاريخي مفتوح رغم أن هذا النص يطرح أسئلة مرتبطة بالوسيلة التعبيرية التي قدم بها زيطان عمله (الدارجة أو العامية المغربية) والغرض من هذا التنويع التعبيري.

وإذا كان الكتابة المسرحية باللغة العربية مألوفة لدى المتلقي المغربي، فإن الكتابة بـ"الدارجة" أو "العامية المغربية" ليست مألوفة بشكل كبير في الأعمال المسرحية المغربية، ذلك أن عدداً من العروض المسرحية تراهن على الارتجال وعلى دراما المواقف.

محمد زيطان يرغب في تأكيد رسالة مفادها أن أي عمل إبداعي مسرحي يجب أن يخضع لمشرحة الكتابة ولمتطلباتها البلاغية والدلالية، وهو الأمر الذي يجعنا ندرك الجهد الإبداعي الذي بدّله زيطان من أجل كتابة نص على درجة كبيرة من الإبداعية لا تقل عن إبداعية النص الأول وإن كان لكل نص متخيله الخاص وسياقاته المخصوصة.

وسواء تعلق الأمر بنص غجر منتصف الليل أو بنص الغرباء فان المؤلِف، وهو يجعل من ثنائية الذات/الآخر المكون الأساس لعمله المسرحي، كان يراهن على تشكل صورة المرأة في متخيل المتلقي عبر استخدام أساليب متعددة. فقصة زواج زهرة ابنة حليمة في نص الغرباء لم تكن إلا حيلة بلاغية الهدف منها الخروج من المواصفات الدرامية المألوفة والانتقال التراتبي من الفضاء المغلق نحو الفضاء المفتوح من أجل كشف المشاعر الإنسانية: الحقد، الكراهية، الخيانة والانتصار العلني لقيم الحب كقيمة إنسانية رفيعة.

ولعل اهتمام المؤلف بحوارية تركز تارة على الوسط النسائي، وتارة أخرى على حاورية على الوسط الرجولي، مرده الرغبة في كشف الاختلالات الاجتماعية والنفسية، وطموح محمد زيطان من أجل خلق تجاوب جمالي مرده الرغبة في تنشيط فاعلية الحدث المسرحي الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بإعادة تشكيل معمارية المكان ليس كأيقونة بل كـ"سيمولاكر" قادر على الإنفتاح على متخيل خصب من أجل خلق واقع جديد هو واقع النص المسرحي.

وبذلك يكون الكاتب المسرحي من خلال هذا المؤلف المسرحي الذي اختار له اسم "غجر منتصف الليل" قد حقق مزية الإبداع والمغايرة مما جعله ينال أكثر من جائزة في مجال الإبداع المسرحي نذكر على سبيل الذكر لا الحصر حصوله رفقة الكاتب المغربي هشام حراك على الجائزة المغاربية الثالثة للكتابات المسرحية التي دأبت على تنظيمها النقابة الحرة للموسيقيين المغاربة بتنسيق مع اتحاد الفنانين المغاربيين. وفي الوقت نفسه استطاع صاحب "حدائق لوركا" أن يحقق مزية التواصل على نحو متميز وهو الأمر الذي يمكن تلمسه في العرض المسرحي لهذا العمل الذي أخرجه باقتدار ياسين أحجام سينوغرافيا وملابس: ياسين الزاوي، المحافظة العامة: حسن الشبلي العلمي، الإنارة: صلاح الدين الخمليشي، تنفيذ الملابس: سكينة الحضري، فوتوغرافيا: حاتم بن الأمين العلمي. في حين يقـوم بتشخيص فصول هذه المسرحيـة كل من: أنس العاقـل، حنان بنموسى، دلال البرنوصي، هشام شبتيت، محمد بوغلاد، عقبة ريان ومحمد الوراكلي. ضمن فرقة مسرح أبينوم التي قدمت أعمالاً متميزة من بينها مسرحية «مذكرات شيطانية» التي فازت بالجائزة الكبرى للمهرجان الوطني للمسرح الإحترافي بمكناس، و بثلاث جوائز في المهرجان الثاني عشر للمسرح بالأردن (الدورة العربية الرابعة).

إن التساؤل عن مستقبل الكتابة المسرحية في ظل ندرة العروض المسرحية والخطر الذي تشكله إمبراطورية الصورة لا يمكن أن تجيب عنه إلا أعمال تتسم بالمغايرة تشبه "غجر منتصف الليل" لمحمد زيطان خريج أكاديمية حسن المنيعي الرفيعة.

doukhane@gmail.com