فصل الخطاب في بدعة الحجاب والنقاب
فصل الخطاب في بدعة الحجاب والنقاب
بقلم: إسماعيل حسني
يصر البعض على اتهام كل من ينتقد بدعة الحجاب والنقاب بأنه يهاجم الدين الإسلامي ذاته، ذلك بعد أن تم اختزال ديننا الحنيف في العقود الثلاثة الماضية في قطعة بالية من القماش، أصبحت بقدرة قادر رمزاً للدين، بل وعموده وذروة سنامه.
ويتساءل هؤلاء: كيف تهاجمون الحجاب والنقاب وهما فريضة دينية، وفضيلة أخلاقية؟ أليس الأولى بكم أن تهاجموا السفور والتبرج؟
والحقيقة أن مجرد طرح السؤال بهذا الشكل يعكس جهلاً شديداً بجوهر الدين الإسلامي الذي جرى إستبداله مؤخراً بنصوص صمّاء يمكن تسليطها على الناس، والتسلط بها عليهم، إضافة إلى الجهل التام بمفهوم الحياة المدنية التي تختلف في قواعدها وقيمها عن المجتمعات الإقطاعية والأبوية بأشكالها القبلية والعشائرية والقروية التي تربت عليها الأدمغة العربية، والتي يسعى الخطاب الديني اليوم لإعادة إنتاجها وترسيخها من جديد في عقول الناس.
إننا نهاجم العري والإباحية بنفس القدر من الاستياء والاستنكار الذي نهاجم به الحجاب والنقاب! فكلاهما يمتهن المرأة ويجردها من إنسانيتها، ويتعامل معها كمادة للإثارة الجنسية. الإباحيون يكشفون جسدها من أجل الإثارة، والمتشددون يقومون بإخفاءه بل وإخفاء المرأة كلها، منعا للإثارة. فكلاهما ينطلقان من نفس النظرة الدونية للمرأة، وكلاهما وجهان لعملة رديئة واحدة تنافي القيم الإنسانية والأخلاقية. وإذا كان ضحايا الإباحيين ينتهي بهن الحال كأوعية لإفراغ شهوات الرجال في المواخير، فإن ضحايا المتشددين يواجهن نفس المصير ولكن على الأسرة الشرعية للأنكحة الفاسدة مثل المتعة والمسيار والفرند والونسة وغيرها.
ثانياً، إن من يسيء للأديان هو الذي يتشح بردائها ويتحدث باسمها ويلصق بها ما يجعلها مضحكة بين العالمين، كالذي يدعي أن تشريع ضرب النساء معجزة قرآنية، والذي يدعو الموظفة لإرضاع زملائها، وربة البيت لعقد نكاح متعة على الطباخ حتى تنتفي حرمة وجوده معها في البيت، والذي يعارض الحد الأدنى لسن الزواج ويدعو لنكاح الأطفال دون العاشرة من العمر، وكذلك أيضا من يدعي أن الحجاب أو النقاب فريضة دينية، هؤلاء هم من يسيء للأديان، وتصدِّينا لهم بالنقد أو حتى بالسخرية هو دفاع عن الدين وليس هجوماً عليه.
ثالثاً، إن الحجاب ليس فريضة دينية، ولا يعتد في ذلك بإجماع مشايخ العقود الثلاثة الأخيرة (بفرض إجماعهم) لأنه إجماع المرتزقين من ترويج عادة صحراوية جعلها الوهابيون رمزا لانتصار الوبر على الحضر ومقياساً لانتشار مذهبهم، ووجد الإخوان المسلمون ومشايخ السلف في ترويجها توثيقاً للعلاقة مع الوهابيين بما يضمن تدفق الدعم والتمويل، كما وجدوا فيها وسيلة للتغلغل بين الناس، وأداة لحشد الإنصار، وعلامة لتمييز الأتباع، ومؤشراً لنفوذ سياسي يرفع قيمة الصفقات مع الأنظمة، فاشتروا بآيات الله ثمناً قليلاًً، وأخذوا في ترويج البضاعة الفاسدة بين الناس.
المثير هنا أن هذا الإجماع المزعوم في حد ذاته دليل على أن الحجاب لم يفرض في القرآن والسنة، لأنه لو وجدت آيات أو أحاديث قطعية الثبوت والدلالة في ذلك لما احتاج الأمر إلى اجتهاد العلماء وإجماعهم. فالآيات القطعية الدلالة تفسر نفسها بنفسها، فلا يقال مثلاً أجمع العلماء على تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، لماذا؟ لأن الله قد حرمها بآية قطعية الدلالة فلا حاجة إذن للعلماء. وإذا كانت حدود الله وأوامره ونواهيه لا تؤخذ شرعاً إلا من آيات وأحاديث قطعية الثبوت والدلالة، يكون أي حديث عن فرض الحجاب ناهيك عن النقاب تنطع في الدين، وتغرير بأهله المساكين، وتعريض بأحكام الشرع المتين.
ولن نضيع وقت القارئ بعد هذا الإجمال في بيان أن آيات الحجاب والجلابيب والزينة قد جاءت لمواجهة ظروف مؤقتة تطلبت حماية زوجات الرسول وحرائر المسلمات مما أوضحناه في مقالة سابقة، وأن هذه الآيات لم تأتِ بشعيرة تعبدية ملزمة كالصلاة والصوم وإلا لشملت جميع نساء المؤمنين، ولما منعت الإماء المسلمات من ارتداء الخمار، فهذا كله مما يمكن للقارئ العادي أن يجده في تفاسير الطبري والقرطبي وابن كثير وغيرها مما فصلناه في كتابنا "علمانية الإسلام والتطرف الديني".
كذلك لن نسهب في بيان الطعون التي أهالها السلف الصالح على الحديث الوحيد "حديث أسماء بنت أبي بكر عن عائشة" الذي يستدلّ به المتشددون على أن المرأة كلها عورة، فيكفي أن من أخرجه "أبو داود" قد تبرأ منه في سننه لأن راويه لم يعاصر عائشة، ويكفي أنه قد ورد بروايتين متضادتين، ويكفي أنه يتناقض مع أحاديث نبوية كثيرة متفق عليها، وأخيراً يكفيه أن جميع أئمة الحديث قد أبوا أن يضمنوه في مصنفاتهم ولم يخرجه غير أبو داود، رغم أنه كان معاصراً لهؤلاء، وكان جميعهم ينقلون بعضهم عن بعض.
رابعاً، إن الحجاب والنقاب مفسدة اجتماعية، يفوق ضررها السفور والتبرج بمراحل كبيرة. فأقصى ما قد يفعله التبرج هو إثارة شهوات الرجال والنساء، وهذه مفسدة صغرى قررت المجتمعات الإنسانية أنها تستطيع أن تتحملها، وأن تتقبل خسائرها، وأن تواجهها بالتربية السليمة التي تغرس في النشء فضائل الاعتداد والثقة بالنفس والاحتشام وغضّ البصر من جهة، وبالقانون الذي يلزم الجميع بضبط النفس واحترام خصوصية الغير من جهة أخرى، لأن البديل هو السماح لأجهزة أمنية أو دينية بالتدخل في السلوك الشخصي للأفراد والتلصّص عليهم ومراقبتهم وملاحقتهم واقتحام خصوصيتهم وهو المفسدة الكبرى التي نهت عنها كافة الشرائع الدينية والوضعية. ويتفق الإسلام تماماً مع هذه النظرة العصرية، فلم يكن منع إثارة الشهوة هو هدف التشريع الأسمى بدليل عدم فرض الحجاب على الإماء المسلمات، رغم أن الإماء هن اللاتي يُبَعن ويُشترَين بأغلى الأثمان لجمالهن وسحرهن وفتنتهن، بل وجعل الإسلام عورة الأمة خارج الصلاة كعورة الرجل، فلو كانت الأولوية لمنع الإثارة لكان الأولى تغطية الإماء أو حبسهن في البيوت.
أما التبرج فهو أساساً لفظ غير معرف، ولم يرد في القرآن ولا في السنة تعريفات محددة لألفاظ التبرج والزينة، ولكل فقيه مذهبه في ذلك. فمن لا تخفي شعرها متبرجة في نظر البعض، ومن لا تخفي وجهها متبرجة في نظر غيرهم، بل وإظهار المرأة لعينيها أو ارتدائها للبنطلون تبرجاً مؤثماً عند آخرين. فالتبرج إذن مسألة نسبية، لا يمكن الاتفاق على تعريف لها، والتعامل معها لا يحتاج إلى مواجهة بل إلى تربية سليمة، وقانون حاسم كما بيّنا.
أن تحويل غطاء الرأس من عادة اجتماعية حرة إلى فريضة دينية ملزمة كان له نتائج سلبية خطيرة على مستوى الأفراد والمجتمع. فترهيب الفتيات من الجنس الآخر، وإجبارهن على ارتداء الحجاب من الصغر هو نوع من التنبيه القسرى المبكر لغددهن الأنثوية، أكثر بكثير مما تحدثه الأغاني والأفلام المنفلتة في الفضائيات، ويؤدي إلى وضع الصغار من الجنسين في حالة من المواجهة والتربّص والترصّد، عوضاً عن تنمية روح الزمالة والصداقة والتعامل الإنساني المجرد فيما بينهم.
كما أدى انتشار ثقافة الحجاب إلى إحلال التديّن المظهري محلَّ التديّن الحقيقي الذي كان سائداً بطبيعة الحال في المجتمع، وإلى تفشي النفاق والرياء بين الناس، فالكثيرات أصبحن يرتدين الحجاب خوفاً من الاتهام في أخلاقهن وليس عن قناعة، وأخذت عصابات الدعارة تخفي فتياتها عن أعين الناس والشرطة خلف الحجاب، بعد أن كنَّ مميزات ومحصورات في المجتمع، فاطمأنت العواهر وازدهرت الدعارة. ناهيك عن إفساد الذوق العام، وإضعاف قيم الجمال مما انعكس سلباً على بقية عناصر منظومة القيم الإجتماعية.
وكان لاستشراء الحجاب ومن بعده النقاب أثراً كبيراً في منع الاختلاط الطبيعي والصحي بين الجنسين، فتفشّت في المجتمع أمراض اللوط والسحاق، وأصبحت جرائم التحرش الجنسي والاغتصاب وزنا المحارم من الأخبار العادية، وهي التي لم تُعرف أيٌّ منها كظاهرة إجتماعية في مجتمعنا قبل عصر ما يسمى بالصحوة الدينية المباركة.
وأخيرا يدعي هؤلاء أن ارتداء الحجاب حرية شخصية، فنقول لهم إن معيار الحرية الشخصية هو الاختيار الحر بغير ضغط أو إكراه أو تهديد، فأين هو الإختيار الحر حين يقوم أناس لهم أغراض سياسية بتشويه ثقافة المجتمع السمحة وتسويق وجهة نظر دينية واحدة بإشراف وتشجيع من أجهزة أمن الدولة، وطرح القضية على الناس في مجموعة من الاختيارات الفاسدة، فهي اختيار بين الجنة والنار، فمن لا تتحجّب ستُعذّب في نار جهنم، أو اختيار بين الفضيلة والعهر فجميع نساء الأرض من غير المحجبات عاهرات أو ساقطات إلى آخر ما تمتلىء به الشرائط والكتب وخطب المساجد من أقذر الأوصاف بحق غير المحجبات، أو اختيار بين الرجولة والديوثة، فجميع رجال الدنيا من هنود وروس ويابانيين وأمريكان وأفريكان ديوث لأنهم لا يحجبون نساءهم ولا ينقبونهم. أين هي إذن حرية الاختيار التي منحت للأغلبية الأمية في مصر حين تم ترهيبها وغسل عقول أفرادها بهذه الأغلوطات؟
ويصل الأمر إلى مستوي الجريمة الكاملة حين تمارس هذه السادية بحق الأطفال، الذين لا يملكون القدرة أو الشجاعة على المناقشة أو حتى على التساؤل، فأين هو حق الاختيار المتاح للأطفال الذين يتم اغتيال طفولتهم وتحجيبهم أو تنقيبهم في المرحلة الإبتدائية؟ ليخرجوا لنا بعد سنوات مروجين لهذا القالب الفكري الذي صيغت فيه عقولهم، والويل كل الويل بل والموت لمن يجرؤ على الاعتراض، فهم لم يمنحوا حق الاعتراض لكي يمنحوه لغيرهم؟
إن أولئك المجرمين الذين يستغلون ضعف الطفولة وقلة حيلتها فيباغتونها ويسلبونها الحق في التنشئة الطبيعية وفي الاختيار الحر يجب أن تطالهم يد القانون لتطبق عليهم عشرات المواد التي وضعت لتحمي أبناءنا من اغتصاب عقولهم وأجسادهم، وليس اغتصابُ العقول بأقلِّ جرماً من اغتصاب الأجساد.
(إقرأ تعليقات القراء حول المقال في الشبكة السعودية)