حماس تعيش حلماً رطباً...
حماس تعيش حلماً رطباً...
بقلم: سيد ماجد مجدلاوي
منذ نشر تقرير غولدستون ونحن نسمع ونشاهد تناقضات فلسطينية أغرب من الخيال. حماس تغير مواقفها بما يتناسب ورفض انهاء الشقاق. ترفض تقرير غولدستن، لأنه يدينها بجرائم حرب لا يمكن تجاهلها حتى من فلسطيني لاجئ ومشرد مثلي، وكان سعيداً، بعاطفته، على كل ضربة تنزلها حماس بإسرائيل، حتى ضد المدنيين، وعندما أفكر بعقلي كنت أرى ان حماس تغامر وما يهمها ليس الحل بل تثبيت أقدامها بالسلطة، حتى بثمن إقامة إمارة إسلامية في قطاع غزة. والمؤسف ان عاطفتنا أحياناً تضللنا وتحجب تفكيرنا العقلاني بسبب القهر الطويل الذي نحياه منذ أكثر من ستين عاماً.
هذا الواقع هو صناعة قومية فلسطينية بجدارة.. مع كل الأسف والحزن.
لست مدافعاً عن محمود عباس والشخصيات المتنفذه في السلطة الفلسطينية، وأعرف ان الفساد معشش داخلها، منذ المرحوم ياسر عرفات. ولكن يجب ان لا ننسى ان محمود عباس، يمثل الشرعية الفلسطينية الوحيدة المعترف فيها عالمياً وعربياً وحتى إسرائيلياً.. وانقلاب حماس يدمر على مراحل المشروع الوطني الفلسطيني، وليس مشروع محمود عباس. واستمرار نهج تأسيس دولة حماستان هو انهاء أي حلم للشعب الفلسطيني ببناء دولة مستقلة في المدى المرئي، وربما الى زمن لا تحديد له. اي ان المصير الفلسطيني مجهول وسوداوي على الأغلب في ظل استمرار النزاع الفلسطيني – فلسطيني شكلاً، وحقيقة انه نزاع فلسطيني مع قوى فلسطينية تنفذ سياسة لا علاقة لها بإنشاء دولة فلسطينية انما بخطة شرق أوسطية تطبخ في طهران، ولها أذرع عسكرية وسياسية لا يستهان بها في منطقتنا.. نجحت باحتلال مكانة تقديرية، وحباً شعبياً جارفاً، بصفتها أول قوة تحيط بإسرائيل استطاعت ان تقاتل وتحدث شرخاً في الفكر العسكري الإسرائيلي، وتعلمه درساً صعباً، انه حيث توجد إرادة للقتال، لا تكون الحرب جولة في الطبيعة وملاحقة للهاربين من الجنود العرب.
حماس أعدت نفسها لنفس السيناريو ودُفعت لمواجهة إسرائيل بنفس الأسلوب، ولكن إسرائيل أحدثت من الساعة الأولى مفاجأة استراتيجية قاسية وأساليب تكتيكية غير متوقعة، حسمت فيها نتائج المواجهة في الضربة الباكرة يوم السبت حين حصدت طائراتها مئات عناصر حماس مجتمعين في مقراتهم، يحلمون بمواجهة ميدانية على نسق حزب الله. دون ان يستوعبوا ان الفكر العسكري الإسرائيلي لا ينتظر تكرار السوابق، ولا يسمح بمفاجآت من نفس النوع. وواضح اني أقصد تكتيكات حزب الله القتالية...
ولكن السؤال، ما هي سياسات حزب الله، ومن يستفيد من قوته ومكانته الشعبية؟ وهل هناك من يظن ان ما حدث في العام 2006 قابل للتكرار بنفس الأسلوب اليوم او بعد فترة زمنية قد تطول وقد تكون قريبة جداً؟ لا شك لدي ان من يخطط نهج حزب الله العسكري يأخذ بعين الاعتبار تغييرات عميقة في التكتيك القتالي لإسرائيل، وقد تكون "حرب غزة" ساحة لجس نبض وفحص قدرات إسرائيل على اعتماد أساليب حديثة في المواجهة.
الذي يعيش وهم تكرار حرب لبنان 2006 هو يغامر بانتحار علني.. لدولة وشعبها. قد لا يهم ذلك ايران وغيرها.. الا بمدى ما تستفيده في مشروعها الفارسي.
أعرف ان البعض سيستهجن تساؤلاتي. لأن عاطفتنا أقوى من الفكر السياسي، وأقوى من منطق الواقع وتشعباته..
لن يساعدنا أحد اذا لم نساعد أنفسنا أولاً.. وما نقوم هو تدمير لذاتنا وليس بناء لمستقبلنا. ان الدمقراطية التي تفهمها حماس وسائر المنظمات الإسلامية هي دمقراطية ذات اتجاه واحد يقود الى السلطة، بعدها تقام ديكتاتورية تحت صيغة دينية، وغير مهم انها لا تمتّ لجوهر الدين بصلة او بمنطق.
تصيبني الحيرة أحياناً.. حماس انتقدت بحدة تقرير غولدستون بل رفضته لأنه يدينها ورأيي ان إدانته لها صحيح. لقد ورطت شعبنا بحرب غير متكافئة دفع ثمنها بدمه ومصير أبنائه وتدمير شبكاته الحيوية كلها.. بسبب ألعاب نارية تطلقها على مواطنين يهود، صورتها إسرائيل كصواريخ قاتلة، وبأي حال هذا التصرف هو جريمة حرب. هل كانوا ينتظرون جند الله من السماء ليقاتلوا العدو الصهيوني الى جانبهم؟
أم كانوا واهمين ان النجدة ستجيء من نظام حكم الفقيه في قم، ومن حزبه في جنوب لبنان؟
ولماذا لم نشاهد بطولاتهم في الحرب، أسوة برجال حزب الله مثلاً..؟
ألم يختاروا نفس أسلوب المواجهة الناجح؟
لقد أشبعونا غناء باستعداهم وتهديداتهم للعدو الصهيوني بقبره في أرض غزة.. ولكننا لم نشهد إلا قبور أهلنا وتدمير حياتهم وإعادتهم الى ما يسشبه العصور الوسطى من حيث مستوى الخدمات والسياسات المتبعة في المجتمع الفلسطيني في غزة. وعندما أشعلوها حرباً تدميرية على شعبهم، بغبائهم السياسي، اختبأوا في أوكارهم المؤمنة، بل وفضح ان محمود الزهار هرب واختبأ في القاهرة.. وتركوا الشعب الفلسطيني يذبح؟
واليوم يعودون لنفس الموال الفاشل.. تجارتهم عبر الأنفاق لم تعد سراً.. أرباحهم كبيرة.. على حساب مستقبل شعبهم.. معظم تجارة الأنفاق تصب في جيوب سلطة حماس ورجالها المتنفذين.. هل بالصدفة ان أموال إعادة إعمار غزة لم توضع بيد حماس؟
يتحدثون عن الفساد وهم أكثر فساداً. هل يظنون ان فسادهم مبرر إلهياً وفساد السلطة فساد كافر؟!
حتى المقاتل من أجل الحرية يجب ان يعرف حدوداً لوسائل حربة مع العدو، لا يسمح لنفسه بتجاوزها، لأن الثمن الذي سيدفعه المواطنين الذين من المفترض انه يعبر عن امانيهم وتطلعاتهم لن يكون مساوياً للنتائج المرجوة، على الأقل هذا الف باء السياسة والف باء القرارات الحربية، التي تعتبر مرحلة العنف في السياسة، والف باء التفكير السليم والف باء التوازن العقلي..
هل فكر قادة حماس بقوة إسرائيل وبما يفترض على الأقل انها تعلمته من حرب لبنان الثانية؟ وهل فكروا كيف يواجهون عدوهم الأقوى منهم بمليون مرة والذي يواصل البحث وتطوير أدواته وخططه بلا توقف واستكانة هبلاء للغيب؟!... لا أعرف هل كانت إيران وحزبها في لبنان وراء دفع حماس لهذه المغامرة، كما تشير عشرات التقارير والتحاليل السياسية... بوعد ان يشعلوها من جنوب لبنان؟
هل خدموا قضية الشعب الفلسطيني ام مشروع ايران السياسي المغامر؟
ولكن المقلق كيف صار تقرير غولدستون حبيباً ورفيقاً لحماس في حججها لإنهاء مأساة الانشقاق الفلسطيني؟
الا يعني ذلك ان وصول حماس لسلطة، حتى على جزء من الأرض الفلسطينية المتبقية، هو الجوهر الحماسي.. وهو الهدف.. وليحترق الشعب الفلسطيني ويتمزق حلمه؟..
اذا كانت فلسطين المستقبل ستكون على شاكلة حماس وعقليتها، فانا أول الرافضين لهذه الدولة..
ما ننشده دولة دمقراطية مدنية تحترم الحريات والتعددية الفكرية والدينية والاثنية، تحترم الدين وتحترم الحرية الشخصية والحق بأن لا أكون متديناً ايضا - اي حرية دينية وحرية من الدين، والا ما الذي يجند الفلسطيني المسيحي وغير المسلم، بل ونسبة كبيرة جداً من المسلمين تتجاوز النصف بكثير، للنضال من أجل دولة مستقلة؟
انا كمسلم أيضاً لا أرى مستقبلاً لدولة إسلامية فلسطينية او غير فلسطينية لا فرق، وأناضل من أجل دولة علمانية تحترم جميع الديانات.
المسيحيون الفلسطينيون هم شركاء في هذا الوطن، ليسوا أهل ذمة كما يتلفظ بعض المتخلفين من حملة عقليات بائدة. بل شركاء في الوطن.
كفّوا شركم عن مؤسسة الرئاسة الفلسطينية، وعن السلطة الفلسطينية.
أي انتقاد عقلاني مقبول، ولكن شن حرب إعلامية تدميرية وتحريك للتخريب والتدمير، هو دفعٌ نحو نحر ما قد يكون آخر فرصة للشعب الفلسطيني لإنجاز حلمه الوطني.
الكاتب والمفكر الفلسطيني المقيم في المانيا : حسن خضر فضح حملة تواقيع مزورة لتصفية الحسابات مع الرئيس محمود عباس والسلطة الوطنية اذ ضموا اسمه دون علمه، وهي مجموعة تقول عن نفسها انها "مجموعة متنوعة من الفلسطينيين، ونشطاء حركة التضامن ومؤيدي حقوق الإنسان والقانون الدولي".
أإلى هذا الدرك وصل مستوى العداء؟ ومَن تخدم هذه العريضة غير المصرين على استمرار الإنشقاق؟!
العالم له همومه الأكبر من النزاع بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل، حتى الدول العربية بدأت تملّ هذا النزاع وتبني علاقات علنية او سرية (لا فرق) مع إسرائيل..
اذا كان قادة حماس لا يقرأون الاتجاهات التي تعصف بقضية شعبنا الوطنية، والمخاطر القاتلة لقضية الشعب الفلسطيني، واستمرار اوهامهم ان التطورات القادمة ستكون لصالح القضية الفلسطينية، وضد النهج الإسرائيلي، فهم يعيشون حلماً رطباً، لن يصحوا منه الا بسرير خال من دوافع حلمهم الرطب!!
سيد مجدلاوي – لاجئ ابن لا جئ من مجدل غزة، مقيم حتى يفرجها الله في اللد.