نصيحة تراب - قصة قصيرة

بسّام الطعّان قرأها 790
  

نصيحة تراب

قصة قصيرة

بسام الطعان

 الشمس تشرف على المغيب، والريح الباردة تصفع وجهه وهو لا يبالي بها، يقطع آلاف الشوارع، توسدها خطواته المتعبة، ينظر إلى الوجوه القاسية، التي ترفض أن تمنحه الفرح والراحة، سيل من الأفكار والرغبات تتدفق في رأسه، فيبدو من أشد المخلوقات بؤساً، تمنى الموت والخلاص، أو تأتي عاصفة عاتية وتدمّر هذه المدينة التي تسخر منه منذ ثلاثين عاماً.

 تمكّن منه التعب، فعاد إلى البيت بجسد متراخ ومعه صديق لم يبارحه اسمه البؤس والخيبة والمرارة.

 ـ ألم تجد عملاً؟

 لقد اعتاد أن يسمع هذا السؤال من أمه حالما يدخل البيت، وحين ظل صامتاً، أضافت بنبرة حزينة:

 ـ لم يبق في البيت ما نأكله.. يجب أن نفعل شيئاً.

 ـ ما أفعل يا أمي؟ منذ شهر وأنا أقضي كل أوقاتي في الشوارع باحثاً عن عمل، لم أترك مكاناً لم أذهب إليه ولكن لا فائدة!

 دخل إلى غرفته وهو يشعر بإعياء شديد، خلع حذاءه وألقى بجسده المتعب على الكرسي وراح يرسل نظراته في أرجاء الغرفة، وحين وقعت نظراته على صورة أبيه المعلقة على الجدار، امتلأت عيناه بالدموع، بعد دقائق نهض بهدوء، ثم خاطب أباه وخطواته تدنو من الصورة:

 ـ آه يا أبي، لماذا لم تأخذني معك كي أتخلص من هذه الحياة التي أعيشها تحت وطأة عبث الأيام؟

 فجأة وقف الأب أمامه وعلى فمه ابتسامة عريضة، ارتعب على الرغم من أنها تنقط شوقاً وحباً وعطفاً، وتراجع جسده دفعة واحدة إلى والوراء وهو يرتعد وسط طوفان من الارتعاشات المتدفقة من خوف بلا عناق.

رسم الأب على وجهه المملوء بالتجاعيد فسحة من القسوة، وخاطبه بلهجة صارمة:

 ـ لماذا لا تشتغل وتساعد أمك يا ولد؟

 ـ بلع ريقه عدة مرات ثم تكلم بصوت خافت:

 ـ إنني أقضي كل أوقاتي أبحث عن عمل، ولكن كل الأبواب موصدة في وجهي.

 ـ يجب أن تفعل أي شيء من أجل أمك، أتسمع؟

 ـ بلل شفتيه بلسانه ثم استجمع قوته:

 ـ وماذا تريدني أن أفعل؟ أسرق؟ أقتل؟

 تطلع إليه الأب وعيناه تبرقان كعيني بومة:

 ـ نعم اسرق، اقتل، افعل أي شيء ولا تخف من أي شيء.

 ـ ولكن هذا حرام يا أبي!

 ـ من قال ذلك يا ولد؟.. لا يوجد شيء اسمه حلال أو حرام.

 ـ ماذا تقول يا أبي؟؟!

 ـ آه لو كنت حياً الآن، لكنني صورة فقط ولا أستطيع أن أفعل شيئا.

 ـ لكنك كنت حياً ولم تفعل شيئاً من أجلنا!

 ـ هذه هي المصيبة يا ولدي، لقد خُدعت مثلك بالحلال والحرام، وأطعمت لحمي وأموالي كلها لغربان سوداء كانت تحوم حولي كل يوم، فعلت ذلك من أجل الخير ولكني لم أر الخير مرة واحدة، ولم أنل جزاء ما فعلت بل نلت جزاء لأني فعلت.

 ـ هل أحضر لك شيئاً تأكله؟ قالها الابن حين قال كمن يحدث نفسه:

"ياه كم أنا جائع.. لا أدري لماذا أنا جائع كل هذا الجوع". لكنه لم يستمع إليه وأضاف بنبرة حزينة:

 ـ منذ دخولي إلى تلك الحفرة وأنا راقد على ظهري والديدان من حولي، وكانت هي وحدها أنيسي وجليسي رغم أن لحمي كان يضيع شيئاً فشيئاً، كنت أحملق ببلاهة إلى عتمة موحشة ظالمة، وفي إحدى المرات تسرّب إلى داخل الحفره شبه ضوء، ولا أعرف عن كان من الشمس أم من القمر، فامتلكتني قشعريرة قاسية وتذكرتك وتذكرت أمك، وشعرت بحنين جارف نحوكما، والى الدنيا التي أبعدها الموت عني، حتى لم يبق في الحفرة شيء من لحمي، وحتى عظامي أكلتها الديدان اللعينة، وإذا لم تصدق كلامي، اذهب وافتح الحفرة فلن تجد فيها شيئاً مني. والآن لم يبق مني سوى هذه الصورة التي تراها أمامك، خذ بنصيحتي يا بني ولا تسأل عن الخير والشر، الحلال والحرام، قوِّ إرادتك واحمل سيفك، كن شجاعاً وعش يومك كما تشتهي نفسك، لأن الدنيا التي تعيش فيها ليست دنيا، وإنما غابة، القوي يأكل فيها الضعيف.

ومع الدموع التي انهمرت من عينيه قال:

 ـ آه يا أبي، كثيراً ما حاولت الانتحار، ولكن أمي كانت تحول دون تنفيذي لهذه الفكرة، وكثيرا ما حاولت أن أجد عملاً، عملاً لا يخدش كبريائي، لأنني أريد أن أكون إنساناً صالحاً وأن أعمل بشرف وكبرياء، فماذا سيبقى مني إن سُلب كبريائي؟

 ـ لا يا ولدي، لا تسأل عن الكبرياء، والشرف، ولا تسأل عن الكرامة، لأنها مفقودة في دنياكم، الكل يسرق، يرتشي، ينهب، كم من مصارف نُهبت، كم من شركات سُرقت، كم من معامل أُحرقت، كم من أموال هُربت!!، أنتم يا ولدي تعيشون في غابة كما قلت، وها أنت تبحث وبحثت عن عمل ولكن كل محاولاتك باءت بالفشل لأنك لا تملك السند القوي، ماذا تنتظر يا بني، هل كبرياؤك سيطعمك اللقمة؟ هيا احمل سيفك حتى لا تموت جوعاً وتأكل الديدان عظامك مثلما أكلت عظامي، خذ بنصيحتي يا ولدي كي لا تندم أشد الندم، اسرق ولن يحاسبك أحد لأن الكل يسرق ويرتشي.

 صياح الأم قطع الحديث وهي تدعوه لتناول طعام العشاء، خرج إليها دون أن يجيب بكلمة واحدة وهو يشعر بشيء ينمو في أعماقه.

 جلس مع أمه وأخذ يحشو فمه بالطعام، ثم غادر البيت مرفوع الرأس. كان الجو مغبراً والسماء مزدحمة بغيوم قاتمة وثمة رياح قوية تهب بشراسة، تابع طريق غير عابئ بشيء ويشعر بأنه خلق من جديد، تناول لفافة، أشعلها وعلقها بين شفتيه، تركها تحترق على مهل بينما نفسه ترسم أول خطة.

 لكنه في الصباح كان يبكي ويتأسف لأنه استمع إلى التراب وأخذ بنصيحته.

bassamtaan@yahoo.com