تعب السنين - قصة قصيرة
تعب السنين
قصة قصيرة
بسام الطعان
ها هو العمر يتفتت، عمر عنيد، بلا ذخيرة، بلا أمل، عمر ليس إلا حلماً كاذباً، مقطوعاً إلى نصفين: نصف للسّهد ونصف للصمت. وها هو يتقلب في فراشه تقلُّب المحتضر على سرير الموت، يقذف بنفسه وسط جو مشحون بآلاف الرغبات. يتاح له البكاء، فيبكي للحظات طويلة، لتتلاطم أمواج الدموع على وجهه البارد، وفي عروقه يتفجر نبع الحسرة كاسحاً كل كيانه.
يمد حزنه الجارح ويحلق في أجوائه، حيث الأوقات الضائعة، والسراب الذي يعكر صفاء فضائه المديد، وثمة في أعماقه ينبض هاجس تبعثه أشباح ذاكرته المفجوعة.
الروح ثكلى والأيام جريحة بالخرابات،. فما أن يخرج من جنون انفعاله حتى تفرش الكآبة جناحيها فوق صحراء حياته، يظل لساعات ينير فيها بذكرياته ظلمات قلبه المكسور، يخيم عليه صمت معشق بتخيلات تلتف على انكساراتها، وانفراد ليس ما يلهو به غير أن يدور بخياله في أرض لا نهاية لها، أرض موحشة لا أثر فيه لأنيس أو حبيب، كأنها خلقت له وحده.
لم تعد له أحلام أو آمال غير اجترار الذكريات، أنها الغذاء الوحيد الذي بات يسري في عروقه، الوحيدة التي تمسح عن أهدابه تعب الأيام، وهو الذي كان يظن أن ما وراء الآلام إلا الأفراح، وما وراء الصبر إلا الفرج، وما وراء الفشل إلا النجاح.
منذ سنين لا يعرف اللحظةَ عددها، شاهد منية النفس صدفة في الطريق، فسكنت فوق رأسه فراشات ملونة، ولم يتأخر طويلاً، ركض نحوها بأسرع من ركض المطر نحو الأرض، وكل همه أن يرسم حقلاً جديداً فوق دفاتر عمره الجديب.
كانت أمنيته الوحيدة الإنجاب.. ولدٌ يستند إليه في شيخوخته، ولدٌ يرد لقلبه سراجه المفقود، ومنذ اليوم الأول بدأ القلب يبحث في دفتر العمر عن مشهد لساعة الولادة، لكن الانتظار طال وساعة الولادة تلك لم تأت، فدخل في خجل تاريخي، وظل يشم رائحة الغصة تعصر قافية القلب.
في السنة الخامسة عشرة من زواجه، حدث ما كان يحلم به، حينها تمدّدت فوق جبينه بحيرة فرح قزحية، وظل يوماً كاملاً يضحك ضحكة المحروم، ويقفز من فرط بهجته، ثم ذبح الذبائح ووفى النذور الكثيرة التي قطعها على نفسه.
تمضي الأيام ويكبر الولد، ولكن لم يخطر على باله أبداً، أن يكبر معه سرطان ينتشر في دماغه ويقضي عليه كوحش كاسر هدَّه الجوع، وحين جاءه الخبر المفجع، شهق وصرخ، تجمد قلبه، جفت الماء في عروقه، داهمه إحساس بأنه يقف على تخوم مستنقع الموت، ضاقت الحدقتان والعينان في شبه إغماضة، وعبر تجاعيد غائرة تسربت جداول مالحة، وتجمعت فوق الشفة العليا.. وبعد أن استرد بعضاً من وعيه، حمله بين ذراعيه المرتجفتين، لمس جسده المطفأ، قرب شفتيه من وجهه البارد، لثم مكاناً فيه، ثم سقط مغشياً عليه.
فقد زوجه قبل ولده ولم يحزن هذا الحزن الشامل الذي يمضّه ويجثم بكل وطأته عليه، لكنه الآن فقد الدنيا كلها، وفقد الخرائط التي تدل اسمه إلى الخلود، فكيف لا يحزن وقد ضاق به العالم.
أيام تمرّ من الأوجاع وصنوف التيه، يرتدي فيهما عالمه المنسوج من دمار القلب، ولا أمل سوى أن يوزع ابتهالاته على مدار الوقت، أيام تمرّ ولا يخرج الدمع، وتبقى ملامحه جامدة، وعيناه تبرقان بومض فوسفوري حاد، وخلف تجاعيد خديه المتشابكة يعشش حزن دفين، ولم يبق أمامه غير أن يجلس مستوحداً، يصادق تعب الليالي وتعب السنين، ثم يحدق في الفراغ بعينين كليلتين، وإذ بالآية الكريمة (وبشِّرِ الصّابرين) تراود كيانه فتملأه برودة وسكينة.
bassamtaan@yahoo.com