المخرج شوقي الماجري.. وجماليات الخطاب الفني في الدراما التلفزيونية

مروان ياسين الدليمي قرأها 640
 

المخرج شوقي الماجري..

وجماليات الخطاب الفني في الدراما التلفزيونية

مروان ياسين الدليمي

MarwanYasinDulaimi.JPG

رغم الكم الهائل من الأعمال الدرامية التي تبثها عشرات القنوات الفضائية العربية خلال شهر رمضان إلاّ ان الكثير من تلك الأعمال لا يستحق عناء ومتعة المشاهدة لأكثر من الدقائق الأولى، لتكتشف وبكل سهولة رداءة الطبخة الدرامية التي قدمت لك رغم الأسماء اللامعة من النجوم التي تم حشوها في تلك الأعمال من دون جدوى.

هذا الأمر يتكرر سنوياً في الانتاج الدرامي العربي الذي بدأت دوائر إنتاجه تتسع سنة بعد أخرى بعد انطلاق وتوسع حجم القنوات الفضائية التي كان عليها أن تغطي الكثير من ساعات بثها بالأعمال الدرامية والتي تأتي في أولويات استقطاب المشاهد العربي الذي يعاني ما يعاني من هزائم حياتية شتى بفعل فشل الأنظمة السياسية في بناء وتنمية مجتمعاتها وهذا ما يدفع مواطنيها الى الارتماء في أحلام وبطولات خيالية تصنعها وتخيطها له شركات الإنتاج الدرامي على مقاس إحباطاته وعجزه ويأسه ولتساهم بالتالي هي الأخرى وبالتواطىء مع الأنظمة العربية في تخديره وإبقاءه في حالة من الكسل الفكري والارتكان الى حالة من الشعور بالمتعة السلبية الاستهلاكية وهو يشاهد تلك الأعمال الدرامية التي تزيد من كثافة العيش في الخرافات الأوهام والبطولات الزائفة. وتشترك في ذلك (الأعمال الكوميدية و الدرامية الجادة. والميلودرامية.).

لكن وسط هذا الكم الردىء غالباً ما يطالعك عمل فني يغرد خارج السرب ليمنحك متعة فنية وفكرية تغنيك عن مشاهدة بقية الأعمال. ودائماً مايقف وراء هذه الأعمال النادرة فنانون يتسمون بقدر عال من الاحترام لأنفسهم وللمشاهد الذي يحسبون له ألف حساب حين يقررون الإقدام على إنتاج عمل فني جديد.

من تلك الأسماء التي ارتقت بالدرما العربية الى افق اخر جديد لاصلة له بالارث الردىء الذي تشكل عبر عقود طويلة من الإنتاج أسم بدأ يمهر بصمته واضحة ومتفردة في ذاكرة الشاشة الفضية خلال الأعوام العشرة الأخيرة.

شوقي الماجري المخرج الذي أكد حضوره الرصين والمميز عبر عدد من الأعمال الدرامية (الملحمية) التي تصدى لاخراجها.

حالفني الحظ ان أتابع مسيرة هذا المخرج ابتدأً من مسلسل (أخوة التراب) بجزأيه في مطلع تسعينات القرن الماضي والذي تناول فيه ملحمة النضال الوطني التي خاضها الشعب العربي السوري لنيل حريته في مطلع القرن العشرين. ثم جاء عمل آخر بعنوان (بيت الأرواح) ثم عمل آخر بعنوان (عمرالخيام) وأعقبه بعمل آخر بعنوان (الاجتياح) تناول فيه صور الكفاح الفلسطيني من أجل الحرية وإثبات الحقوق في ملحمة تلفزيونية احتشدت فيها نماذج إنسانية لم تقترب منها معظم نتاجات الدرما العربية وهي تتناول الصراع الفلسطيني الفلسطسيني والفلسطيني الصهيوني إلاّ بعض الأعمال مثال على ذلك مسلسل (التغريبة الفلسطينية) للمخرج بسام الخطيب. وأخيراً جاء العمل الأخير للمخرج شوقي الماجري (هدوء نسبي) الذي مازال عرضه مستمراً على شاشة عدد من القنوات الفضائية والذي تناول فيه وبموضوعية وجرأة يحسد عليها، الأيام الأخيرة لنظام صدام حسين ومن ثم سقوطه السريع والمفاجىء أمام القوات الاميركية والجيوش المتحالفة معها. كل ذلك يتم من خلال وجهة نظر مجموعة من الإعلاميين والصحفيين العرب والأجانب الذين تواجدوا في تلك الأيام والساعات التي شهدت نهاية ذاك النظام وسقوط بغداد تحت الاحتلال الأميركي وهمجيته وما تبع ذلك من تداعيات لم نزل نشهدها حتى اللحظة وهي ترسم أمامنا صورة وطن تشظّى وغاب عن أعيننا في فوضى الصراعات الحزبية والطائفية التي يتحمل مسؤولية ظهورها وانتعاشها وتأجيجها المحتل الأميركي والصراعات الإقليمية التي ألقت بظلالها على الساحة العراقية الملتهبة.

المخرج شوقي الماجري تصدى لهذا الموضوع المعقّد والشائك. وتكمن خطورة هذا العمل في راهنيته ووقوعه في الزمن الحاضر وهو لم يزل يتشكّل بحضوره الكارثي والثقيل بيننا إضافة الى رسمه لمسار حياتنا وغدِنا الغامض.

ومع ذلك كانت ملامح الصورة التي رسمها شوقي الماجري، لما جرى من أحداث ومايزال يجري على أرض الواقع العراقي واضحة ودقيقة في تفاصيلها ومبتعدة عن المبالغة والتضخيم سواء في رسمها للأحداث او الشخصيات.

ولو تابعنا مسيرة هذا المخرج الحافلة والغنية على الرغم من قصر ظهوره على الساحة الفنية لوجدنا ان له نمطاً من التفكير والقناعات الفنية التي تجعله يقتفي وبوعي تام أساليب الفنانين الكبار في رسم ملامح تجربته الفنية، ابتدأ من اختياره للنصوص والتي غالباً ما تتناول في جوهرها صراع الإنسان لإثبات إنسانيته.

تأتي هذه القيمة التي غالباً مايحتفي بها الماجري ضمن إطار ملحمي (زماناً ومكاناً).. ففي أعماله ليس هنالك من بطل فردي يستحوذ على الأحداث انما هنالك دائماً عدد كبير من الشخصيات الإنسانية الرئيسية والثانوية التي تتحرك وتنبض داخل الأزمنة والأحداث التي تتسع رقعتها لتشمل مديات عمودية واسعة.

ولن يكتفي شوقي الماجري في التوقف والاهتمام بالشخصيات الرئيسية. انما تأخذ معظم الشخصيات نفس الأهمية والاهتمام من قبله في تقديمها داخل المشهد. كما ان تربيته الأكاديمية السينمائية جعلته يعتمد في بناءه للمشهد على الصورة اولاً فيما تحمله من مفردات وفيما يحمّلها هو من مدلولات وتأويلات مستغنياً بذلك عن الثرثرة في الحوار الذي يشكل مرضاً قاتلاً في الدراما العربية، مكتفياً بجمل قصيرة مكثفة تساهم أولاً وآخراً في صياغة وبناء الشخصية، وفي دفع وتطور الأحداث درامتيكياً الى الأمام دون السقوط في الاستطراد والإطالة التي أدمن عليها المخرجون تحت رغبة شركات الانتاج التي تسعى الى تلك الأساليب لأغراض ربحية! حتى لو كان ذلك على حساب التخلّي عن القيم والاشتراطات الفنية المكثفة والمطلوبة في بناء اي عمل فني.

كما يتضافر مع ذلك لدى الماجري بناء المشهد/ الصورة. وذلك بالاهتمام العالي في تصميم إضاءة المشهد درامياً وتأثيثه بجمل وتراكيب بلاغية من البقع والمساقط الضوئية واللونية التي قد لا نجدها الا في الأعمال السينمائية لكبار المخرجين العالميين.

من هنا يأتي حرصه على التعامل مع مدير التصوير البولوني الجنسية في كل الأعمال التي أخرجها. وذلك لإدراكه الكبير لأهمية ان يكون الى جانبه مدير تصوير يمتلك خبرة وكفاءة ووعياً درامياً يمكنه من فهم ما يفكر فيه المخرج وما يريده في كل لقطة وفي كل مشهد. وهذا ما لا نجده في معظم النتاجات الدرامية العربية التي لا يولي مخرجوها أية أهمية لدور مدير التصوير. وغالباً ماتراهم يكتفون بإضاءة المكان والشخصيات دون ان يكون للإضاءة أي دور في رسم وإيصال الأفكار والأجواء التي ينبغي إيصالها للمتفرج..

ان شوقي الماجري التونسي الجنسية والمتخرج من أحد معاهد السينما في بولونيا في منتصف العقد الثامن من القرن العشرين. هو بحق نموذج للفنان الذي يكافح من أجل الدفاع عن عشقه للفن والتعبير عنه بأجمل الصور وأكثرها بلاغة. ولم يثنه عن ذلك ضعف ومحدودية دعم الإنتاج السينمائي في العالم العربي عن التوقف وانتظار فرصة العمل السينمائي. كما فعل الكثير من الموهوبين السينمائيين في عالمنا العربي. بل آثر ان يقتحم ميدان التلفزيون المتكلّس منذ عقود بالأطُر والفورمات الجاهزة.

وآثر ان يدخله بعُدّته السينمائية التي اكتسبها من غنى السينما الاوربية وأصالتها التي تختلف في خطابها وجمالياتها المميزة عن صناعة السينما الأميركية وقوالبها الجاهزة في معالجة الشخصيات والأحداث.

ومعلوم لدى العارفين والمتابعين لتاريخ السينما في العالم مدى البون الشاسع الذي يفصل ما بين نمط الإنتاج السينمائي الاوربي والإنتاج الأميركي. وأقل ما يمكن قوله في هذا الموضوع ان السينما الاوربية تنطلق من أسس إنسانية وجمالية في بناء الفلم السينمائي رغم بساطة الكلفة الإنتاجية التي تقف وراء انتاج الفلم قياساً الى الفلم الأميركي الذي تتضاعف أرقام إنتاجيته الى عشرات بل مئات أضعاف من إنتاجية الفلم الاوربي.

من هذه التقاليد الاوربية الرصينة التي شكلتها فلسفات وأفكار تمجد الحرية للإنسان والشعوب وأنتجت معظم المناهج والتيارات الفنية المعاصرة في كل الفنون جاء شوقي الماجري ليضع مع قلة آخرين الحجر الأساس لبناء دراما تلفزيونية جديدة شكلاً ومضموناً وتمكن في سوريا من تحقيق أحلامه التي بدأت تشكل علامة فارقة في الدرما العربية.

العراق