من "نقيضَي" جورج نقَّاش إلى "قَسَم" جبران تويني
أزرار - 476
بقينا نردّد مقولة جورج نقَّاش "نقيضان لا يَبنيان وطناً" (للدلالة الى تَمَسُّكنا بوحدتنا مصهورين بوطنية لبنانية واحدة موحّدة) الى أن جاء جبران تويني في 14 آذار يطلق قسَمه الشهير: "نقسم بالله العظيم أن نبقى موحّدين مسلمين ومسيحيين..."، ويا خجلنا من ذكراه الأولى (غداً الأحَد) إن لم نكن موحّدين في قَسَم لبناني ناصع الوطنية لا إلاّه يوحّد كلّ لبنان مع كلّ لبنان.
فهل نحن، ميدانياً وممارسةً سياسية ومضمونية وإيمانية، نثبت أننا نعمل أو نريد هذه الوطنية الموحّدة الواحدة الوحيدة؟
يبحثون جميعهم عن الخروج من المأزق؟ عن بلوغ نهاية النفَق؟ عن سبيل للعودة الى الحوار والتشاور؟ يعطيهم العافية على ما أنجزوه وما فشلوا في إنجازه، متحاورين حول الطاولة، ثم متخاصمين متشاتمين متمترسين في الساحات العامة المتقابلة.
يبحثون؟ حقاً يبحثون؟ يعني: هل هم مستعدُّون للتخلي عن انتماءاتهم هنا وهناك وهنالك، وعن تحالفاتهم الداخلية والجيرانية والإقليمية والدولية، وعن أمراضهم الشخصية والشخصانية والهولاكية والنيرونية، للوصول حقاً الى حلّ؟
المواطن اللبناني العادي، البسيط العادي، ينضح بالحل تلقائياً عفوياً ويمارسه يومياً مع إخوته في المواطنية على أرض لبنان، مشيحاً عن دين إخوته ومناطقهم وانتماءاتهم وولاءاتهم السياسية، ويُزاول معهم حياةً لبنانية اجتماعية واقتصادية وبيئية وثقافية ورياضية، من أول شبر في لبنان الى آخر شبر من لبنان، وليس في حاجة الى أحد من السياسيين كي يعطيه دروساً في الوطنية والتعامل والتعاطي مع إخوته اللبنانيين في وطنهم الجامع الواحد الموحّد بجذور أبنائه الإخوة ذوي العائلة الواحدة.
المواطن اللبناني العادي، البسيط العادي، يعرف أن مرجعه وخلاصه ومستقبل أولاده (قبل أن يهاجر منهم مَن لم يهاجر بعد) هي في عيش الحياة الواحدة (لا في التعايش ولا في العيش المشترك) مع إخوته اللبنانيين، مدركاً تماماً أن السياسيين يَحُولون دون اعتناقه جامعاً واحداً وحيداً: توحيد النظرة الى لبنان، نظرة القومية الموحِّدة (بكسر الحاء جداً) والهوية الموحَّدة (بفتح الحاء جداً) والولاء الواحد الى وطن واحد نتوحّد فيه، والانتماء الأوحد الى وطن أوحد نوحّده فينا، ونعلنه لا "الوطن النهائي" (عبارة دستورية أصبحت معلوكة سياسياً حتى فرغت من مضمونها الإيماني)، ولا "لبنان أوّلاً" (عبارة رئيسية لكنها أصبحت مستهلَكَة ببغاوياً في الأفواه وكفرانياً في الممارسة السياسية)، بل الى لبنان اللبناني قبل كلّ شيء آخَر، وقبل كل أحد آخَر، وقبل كل وطن آخَر، وقبل كل انتماء آخَر، وقبل كل قومية أخرى، وقبل كلّ شعارات وشعائر واستشعارات أخرى.
الشعب اللبناني، بدون سياسييه، يتعامل مع بعضه البعض في حياة عادية، ويشعر - بل يصرّ على أن يشعر - بأنه شعب واحد متماسك في تَمَسُّكه بأرضه، موحّد في التشبّث بتراثه أمس وبمستقبله غداً وكل يوم، لكنه يشعر بأنه وحيد في صراعه مع قوى الشر التي تعصف به من خارج غربي