التلفزيون وتردّي اللغة العربية

د. بيار شلالا قرأها 249
  

التلفزيون وتردّي اللغة العربية

د. بيار شلالا *

التلفزيون أيضاً وأيضاً...

الى الضرر الذي يسببه هذا "الضيف" الفارض نفسه على الأسر، أو بالأحرى هذا "الصديق الحميم جداً"، والذي "يمون" كثيرا على أولادنا، أطفالاً وفتياناً وشباناً، ويؤثر في طباعهم وأخلاقهم وأنماط حياتهم، بأفلامه التي تلقن ثقافة العنف وببرامجه التي تخدش براءة تراثنا وعاداتنا وتقاليدنا.

الى كل ذلك، يبقى التلفزيون، أحد المسؤولين عن تردي مستوى اللغة العربية لدى أولادنا.

ماذا يسمع هؤلاء في لقاءاتهم وهذا الفرد الجديد من أفراد الأسرة؟ وماذا يرون؟

يسمعون في نشرات الأخبار: "استقبل رئيس الحكومة ذوو المعتقلين (والصحيح: ذوي)، "وتبين ان الوزير الفلاني الغير معني في ملف التعويضات" (غير المعني)؛ "أعلن قليم كوسوفو ذا الأغلبية..." (ذو الأغلبية)؛ الخ...

ويسمعون خطب المسؤولين السياسيين كافةً، رؤساء ووزراء ونواباً، وفي القطاع الخاص نقباء مهن ورؤساء بلديات وجمعيات ونواد وحتى أساتذة جامعيين ذوي اختصاصات علمية... في مناسبات عدة، والذين لا يتورعون عن ارتكاب الكثير من الأخطاء اللغوية: "أيها اللبنانيين" (اللبنانيون)؛ "ان النواب لن يوافقون" (يوافقوا)؛ "أيها الشعب، طالب حكومتِك" (حكومتَك)؛ "المحامون لا يقبلوا" (لا يقبلون)"؛ "تتأسف رابطةَ الأساتذة (رابطةُ)"؛ "سيبقى وضع الليرة جيد جداً" (جيداً جداً)؛ الخ.

وماذا يشاهدون؟

يشاهدون برامج الحوارات المباشرة (Talk shows) حيث يستولد الارتجال والانفعال غزارة في الأخطاء اللغوية الفاضحة، فيُنصب الفاعل ويرفع المفعول به ويُجرُّ المبتدأ... الى مشكلة أهم وأدهى، الا وهي مزج الفصحى بالعامية، ما يؤثر في أسلوب تعبير المتعلمين الذين باتوا يستسهلون خلط حابل الفصحى بنابل العامية.

ويشاهدون إعلانا "اشتري قنينة... تنال" (اشترِ... تنل)...، وإعلانا آخر: "الى النساء اللواتي ترغبن بشراء..." (يرغبن في شراء)؛ الخ.

ويشاهدون، على الشاشة نفسها، ترجمة المسلسلات والأفلام الأجنبية التي، بدورها، تزخر بالأخطاء اللغوية والإملائية: "حضرة القاضي، شوهد المتهمين" (المتهمون)؛ "أردت رؤيتك تعترفي بالخطأ" (تعترفين)؛ "كانوا مغامرون شجعان" (مغامرين شجعانا)؛ "اضطررت لإطلاق النار" (اضطررت الى ...)؛ "فلتصغي لي" (إصغِ إلي)؛ الخ. كما يشاهدون على الشريط الإخباري في أسفل الشاشة، وهنا ترسخ الأخطاء أكثر في الأذهان نظراً الى تكرارها المتواصل: "حزب... يدعوا أنصاره للمشاركة" (يدعو أنصاره الى)؛ "أحزاب السلطة يجتمعون" (تجتمع)؛ "رئيس الحكومة لا ينف..." (لا ينفي)؛ و"فد يضم قياداتاً.." (قيادات)؛ الخ.

وبعد، ما المطلوب؟

المطلوب أولاً، من وزارة التربية الوطنية فرض مادة قواعد اللغة العربية في كل الاختصاصات (الحقوق - خصوصاً  -، والطب والهندسة...)، والمهن فتتضاءل أخطاء مسؤولي المستقبل، من رؤساء ووزراء ونواب ونقباء...، إنْ في خطبهم او في لقاءاتهم الإعلامية او في مرافعاتهم وتقاريرهم.

والمطلوب، ثانياً، من المحطات التلفزيونية ان تُخضع نشرات أخبارها، وخصوصاً الشريط الإخباري المكتوب الذي يُبث في شكل متواصل، للتدقيق اللغوي؛ وان تكون المقابلات إما باللغة الفصحى بكاملها او باللغة العامية، وليس بالاثنتين معاً.

والمطلوب، ثالثاً، من شركات ترجمة البرامج والمسلسلات والأفلام الأجنبية إيلاء عناية أكبر بمستوى الترجمة، على صعيدي جودة اللغة وخلوّها من الأخطاء اللغوية والإملائية.

* دكتور في اللغة العربيةوآدابها

Annahar.JPG