المجتمع يعاقب المبدع لأنه يخرج عن مألوف التربية الاجتماعية - حوار مع الأديبة والفنانة الإعلامية مروة كريديّة
المجتمع يعاقب المبدع لأنه يخرج عن مألوف التربية الاجتماعية
حوار مع الأديبة والفنانة الإعلامية
مروة كريديّة
حوار: سما حسن
تطل الى الفكر الإنساني عبر رؤى جديدة، وترسم الأدب بحسٍّ كوني، تجتمع فيها صفات الباحثة الجادة والإعلامية المناورة، تنتقد الواقع الاجتماعي دون ان تنتقصَ من عالمِ القيم شَيئًا، ريشتها أنيقة تبدع التشكيل، وقصائدها تعبر بالقارئ الى أبعد من الخيال، تقدم الطروحات الفكرية بصورة شبابية غير معهودة.
عملت في ميادين ثقافية متنوعة، ولها العديد من الأعمال الادبية والفنية التشكيلية والخواطر الشعرية والأبحاث الميدانية في علم الاجتماع السياسي. شاركت في أعمال حوار الأديانواللاهوت المقارن، كما نشطت في ميدان الإعلام الثقافي.
انها الكاتبة مروة كريدية.
· أين تجدين نفسك؟ في الجانب الفكري أم الأدبي أم الفني التشكيلي؟؟
في البداية انا لا أقدم نفسي تحت أي مسمى "وظيفي" أو لقب "أكاديمي" أو عمل "مهني"... ولا أحترف شيئًا بعينه... فأنا غير متخصصة ولا محترفة... يكفي أن أكون "إنسانا واعيًا كونيًّا" يبدع في أي إطار يُحبّ... فجلّ ما أقوم به هو ما أحب أن أكون عليه، ولا أرى تجاربي في أي ميدان أخوضه إلا من خلال ديناميّات وجودية، لا يمكن ان أنسلخ عن الكون مهما بدا الأمر مادياً صرفاً، بل ان كمال التناغم مع الكون ومفرداته هي أرقى "اشراقات الابداع"....
أقول لكِ أمرًا... منتهى التلقائية والبراءة عندما نتخلّى عن "القوالب" والتصنيفات لأنه عندها فقط نرى التكامل في المشهد الإنساني خارج الأطر.. وعندها نسمع صوت الوجود... فتكون أعمالنا كنور الشمس بهيٍّ يشرق دون استئذان.
· ولكن دوما هناك تخصصات وتصنيفات للمهن !
التصنيفات وضعها البشر والمجتمع، وهي مرتبطة بالمعلومات؛ والوجود لا يقاس بمحدودية معلوماتنا كبشر، وهنا يكمن السرّ الذي ينطوي في كينونة انتظامنا الداخلي والذاتي مع مكونات الكون....
· بديوانك "معابر الروح" نجد لك أكثر من قصيدة عبّرتِ بها بصيغة "المتكلم". هل كانت تعبير عن واقعك الشخصي أم عن "المرأة " بشكل عام؟
المرأة المتكلمة في قصائدي هي (كينونة الكائن الإنساني)... هي الأنثى المبدعة الخلاقة.. هي رمزية العشق والخلق. بالعودة الى القصائد ستكتشفين البعد السريالي والصوفي العميق التي تمثله الأنوثة ببعدها الانطلوجي...
بالنسبة لي أحاول قدر الإمكان ان ابتعد عن "الإسقاطات".... كثيرون الكتّاب الذين يُسقطون قلقهم ويكتبون همومهم ويخطون معاناتهم في أدبهم ورواياتهم... في هذه الحالة يكون الإنتاج الأدبي "استفراغاً وإسقاطاً"!
وعندما يكون الفن تخلّصّاً لنا من علّةٍ تسكننا فإنه يكون (حالة خاصة) وليس قاسماً مشتركاً... الإبداع ينبغي ان يكون بعيداً كل البعد عن "الاستفراغ" لجنوننا وآلامنا...
أنا لا أنكر وجود هذا النوع من الأدب ولا أحطُّ من قيمته، غير ان هذا النوع على أهميته يبقى شخصياً...
الكاتب مع مرور الوقت والنضج يتجاوز دائرة "أناه" الى أفق أوسع... فيتجاوز "أنويته" في الكتابة... وهنا تكمن حقيقة الفرق بين الأديب الذي يتجلّى الجمال الداخلي الكامن فيه وأحبَّ ان يشارك الآخرين به، وبين من يُسقط معاناته عبر لوحة او كتابة أو أدب...
طبعا يمكن للإنسان ان يمارس الفن والأدب بهدف العلاج ولا عيب في ذلك... غير ان (الفن التأملي) يكون لا شك أبلغ وهو يجعل الإنسان فرحًا....لأنه مع تمام الانخراط في العمل تنتفي النوية وتختفي.. انه "الفناء عن الذات".
· ولكن أليس "النصّ " يتعلق بمؤلفه أو يقع ضمن حدود مسؤوليته؟
هناك فكرة سائدة تتضمن مركزية المؤلف تجاه نصه.. و"النقد" الحالي يدور بمعظمه حول هذه الفكرة. وبحسب هذه النظرة فإن المؤلف هو "المتقمّص" لأدوار أبطاله... لذلك نجد ان كثيرين من "النقاد" يربطون بين المؤلف والنص فيهاجمون أحياناً المؤلف عبر نصه....
انا أعتقد بأن النقد - نقد النص- ينبغي ان يكون في إطار بعيد عن "مؤلفه"، لان ولادة النص هي بنت آنتها... فالكتابة كما أراها شكلٌ من أشكال التجاوز الدائم للمألوف.... لذلك نجد من أعلن "موت المؤلف" مثل رولان بارت... نعم النقد يتجاوز المؤلف...
· بالعودة الى المرأة نجدها تحضر في لوحاتك دون الرجل...لماذا؟!
المرأة تحضر في لوحاتي مع ما يكتنز الجسد الأنثوي من شيفرات ودلالات جمالية بوصفها انعكاسًا لتجلّيات الوجد والجمال تضفي على اللمسة العابرة دلالات ساحرة... وهو مالا نتلمسه في "مقام الرجولة"...
· في كتابك "أفكار متمردة" انتقدتِ المجتمعات والأديان كما انتقدتِ الثقافة ووسائل الإعلام... ألا تخشين من ردود فعل شاجبة؟
بداية وللتوضيح انا لم أنتقد "جوهر الأديان" غير أني انتقدت "الاستغلالات" المُمَارَسَة تحت شعارات لاهوتية او دينية... إضافة لأمر مهم هو أن العالم بوصفه الاجتماعي لا يتقبل الجديد، خصوصًا إن كان مخالفًا للمألوف أو ما تعارف عليه المجتمع، ولا يتقبل الأفكار الجديدة بسهولة؛ لا سيما إن طُرحتْ خارج السياق الفكري العام المعهود، وهو غالبًا ما يُعاقب أصحابها.
· لماذا يعاقبهم من وجهة نظرك؟
لأن المجتمع ينطلق من "ضوابط ومعايير" للتعاطي مع الأفراد وبالتالي فمن يخرج عن معايره يُهاجَم وهو مغرم بتصنيف أفراده إلى علماني، يساري، إسلامي، وملحد....، وهكذا". وكثيرًا ما أُسْأل عن انتمائي!! معظم الناس لا يتصورون فردًا حرًّا لا يدّعي وصْلاً بأحد!.. نعم المجتمع يعاقب المبدع لأنه يخرج عن مألوف التربية الاجتماعية.
· إذن هل ما تقدمينه هو عارٍ عن التبعية؟
انا لا أحاول أن أقنع القارئ بأي شيء ولا أدّعي امتلاك الحقيقة ولا الصواب... فلا أدعو الى أفكاري في مقالاتي... ولا أسعى لذلك.. ولا أحبّ كراسات الوصايا والتعاليم... وأنفر من العلب الفكرية "الايديولوجيات".. جلّ ما أقوم به هو مجرد "مشاركة بالتجربة" لمن يحب.... واني على قناعة بأن العقل الفطن هو سيد المعرفة وليست المعرفة تحكمه...
وقد أشرت في مقدمة كتاب "فكر على ورق" اني لا أروم من هذا الكتيّب طَرح فلسفة جديدة ولست بصدد معالجة آراء النقاد تأكيدًا أو نفيًا، فلا أدَّعي امتلاك الحقائق المطلقة، كما أنِّي لا أؤمن بمنهج قدري أعتقد بقدسيته وأسعى للتبشير به، فكل ما يرسمه قلمي من حروف وكلمات ومعاني يعبِّر عن وجهة نظرٍ، قد تكون مميزة في بحر واسع من الآراء وغابات كثيفة من الأفكار....
وهي في نهاية الأمر ليست إلا وجهة نظر قد يُكتَب لها النجاح وقد يكتب لها الفشل!
· ماهي الاشكاليات التي عالجتيها في "فكر على ورق" وبماذا يختلف عن "أفكار متمردة"؟
كتاب (فكر على ورق) يطرح رهانات جديدة لأفق مغاير لفهم العلاقات أنتقد فيها حتى النقد.. أنتقد انغلاق بعض النماذج الفكرية المؤسِسَة للفعل الثقافي والسياسي... انتقاد لا يستهدف الانتقاص بقدر ما يهدف إلى الإفصاح عما نعانيه في آنتنا الرّاهنة.... يعود لأفكار تكرّس الصّراع وتخلُّ بتوازن المجتمعات البشرية، وأحاول فتح ثغرة لمن أحب يُطلّ إلى الفكر الإنساني بعيون وجودية؛ حيث تلك الطبيعة المُستترة في عمق حقيقتنا الكونيّة الساميّة التي تتجاوز حتى الفكر نفسه.
أما (أفكار متمردة) فهو توصيفيَ بشكل أكبر وقد طرح تساؤلات كثيرة تطال حتى ما يعد من المسلّمات كان هدفه إحداث خضَّة في فكر الشباب كي يتساءل وينتقد الخطابات الأيديولوجية واللاهوت السياسي ووسائل الإعلام... وغيرها من الأمور التي لا تناقش في مجتمعاتنا.
· كيف ترين إذن الحلول للمشاكل الاجتماعية التي تواجه الإنسان العربي في واقعه؟
الاشكالية تكمن على حقيقتها في "حرية الوعي". أعتقد أن المجتمعات العربية "أسيرة واقعها" الفكري والثقافي والحضاري.. وإن الحلّ لأيّ مشكلٍ قد يواجهنا لا يكون في البحث عن مخرجٍ ضمن الواقع "المأساوي" نفسه الذي نحياه بشروطه، بل بمغادرة هذا الواقع إلى واقع آخر مغاير- أقصد المغادرة عبر الوعي-. وعيُ الكائن الإنساني إذا انتقل من مستواه الأدنى إلى مستوى آخر، سيمكّنه من النظر والتعامل مع آنته المُعاشة بشكل مغاير.
فالحلول دومًا لا تُكشف أو تُقدَّم جاهزة، بل إن فرص الحلول تُخلق وفق الظروف، وبحسب مستويات الواقع الذي ننتمي إليه وهو متغير متحرك بحسب الأزمنة والأمكنة والأشخاص، لأن الحياة التي نحياها بوصفها البيولوجي المادي لا معنى لها، غير إن الحياة هي فرصة حقيقية نعيشها لخلق المعاني.
· الى أية شريحة من القراء تتوجّهين؟ خصوصًا وأن سوق الكتاب العربي يعاني الكساد ودور النشر تتحاشى الكتب الرصينة؟!
بداية يجب ان نقرّ ان جلّ الشباب العربي "لا يحب القراءة" وهو محقٌّ ربما لأنه ملّ التكرار والتشابه خصوصًا ان الموضوعات "الفكرية" غير جذّابة بالنسبة له.... الأمر الآخر أن الميدان الفكري المحض هو "نخبوي" بطبيعة الحال...
لذلك فإني أخترت أن تكون اصداراتي "رشيقة" من حيث الحجم والمضمون وقد حاولتُ مناقشة الأمور الفكرية العميقة بأداء لغوي بسيط بعيداً عن المصطلحات "الكبيرة".. لذلك فإنها تفيد الشباب المثقف بشكل عام وليس "المتخصص".
بالنسبة لدور النشر؛ الناشر العربي مهووس بالربح... فكثيراً ما يهرع نحو نشر كتب تضمن له الربح الوفير بغضِّ النظر عن المحتوى والشكل وهذا يؤثر على صناعة النشر... أما مراكز الدراسات البحثية المتخصصة في الإصدارات الجادّة في الدول العربية فهي قليلة جداً من ناحية، كما أن معظمها لها ارتباطات "ايديولوجية" تحتِّم عليها مساراتٍ معينة في اختيار الموضوعات التي تخدم أهداف الجهات الممولة لها.
· كيف تجدين صدى كتاباتك عند القرّاء لا سيما وانك تطرحين أمورًا قد لا يتقبلها البعض بسهولة؟
في الغالب لا أتابع ردود الأفعال سواء الإيجابي منها أم السلبي لضيق وقتي بالدرجة الأولى.... إضافة لأمر آخر ان الكاتب الحرّ لا يكتب كي يرضي القراء، أو ليقول ما لا يستطيعون أن يعبّروا هم عنه بأنفسهم، أو مما يخجلون من التعبير عنه، أو ما يخافون من تبعاته، فعندما يكون البحث عاريًا إلا من الحقيقة ولا ينطلق من أفكار مسبقة؛ عندئذ تفتح له المعاني الباب على مصراعيه إلى ما لانهاية.
· سؤال أخير: ما هو جديدك خلال هذا العام؟
هناك مجموعة "خواطر" ارتدَت ثوب قصيدة النثر تحت عنوان (لوامع من بقايا الذاكرة) من المتوقع ان تصدر قريبًا، أما في مجال آخر فإني بصدد إعداد مبحث عن (اللاعنف) كون هذا المفهوم ما زال غير متبلور في الأذهان ويحمل تصورات مغلوطة... علما أن اللاعنف هو استراتيجية حياة ترتكز على سلام الإنسان مع ذاته قبل كل شيء.
![]()