الإعاقة الحقيقية هي في النفسيات - ن ع ح - الحلقة 828

هنري زغيب قرأها 1,044
  

الإعاقة الحقيقية هي في النفسيات

الحلقة828 - (الأربعاء 05 آب 2009)

هنري زغيب                                     

لو لم نكن عارفين مُسْبَقاً أنَّهم ذوو حاجات خاصة لَما أدركنا أنَّهم معوَّقون ينفِّذون عَرْضاً صينياً دقيق الأداء في افتتاح ليالي مهرجانات البترون مساء السبت الماضي. متأَنّي التفاصيل كانوا، وهُم يؤدّون مشاهدهم في حركاتٍ متناسقة متتالية، هم البكْمُ الصُّمُّ، ومع ذلك نَسَجوا العرض في تشكيلٍ متَّسق (أحدُهم كان بلا ذراعين والآخر بلا عينين مبصِرَتَين) والعرض متمَّمٌ على أفضل حال، وإن بدَت مشاهدُ منه ميكانيكيةَ الأداء من دون شعور انفعالي بالخطوة المرسومة، سوى مُحافظتها على الآليّة المطلوبة.

هذا لنقول إن الإعاقة قد تكون، في ذاتِها، مدخلاً الى تَخطّيها بتجاوُز مُعوِّقاتِها النفسية والجسدية، وهو ما يذكِّرنا بفيلم "أبناءُ إلهٍ أَقَلّ" وفيه الممثلة الرئيسة مارلي ماتْلِن هي نفسُها صمّاءُ حقيقيةٌ توصَّلت الى نيل جائزة الأوسكار كأفضل مُمثلة في هذا الفيلم عام 1986، عن دورها كمعلمةٍ بكماءَ صمَّاء شَجَّعها على تعلُّم النطق مدرّسٌ زميلٌ راح يلقّنها لغة الإشارات فأتقَنَتْها حتى برَعت في أرقى اللغات: لغة الحب الذي جمعها بذاك المدرِّس فكان حبُّها حافزاً لها على تَخطي إعاقتها.

الحب !!! نعم. هذه القوّة العظمى في الحياة، هي التي تغيِّر الإنسان فتدفعُه الى تَخطّي كلّ إعاقة في العمر، بلوغاً الى تَحقيق عمرٍ أجمل وحياةٍ أفضل وأيامٍ سعيدةٍ يَمحو الحب فيها كلَّ مأساةٍ وكلَّ ألَم. فالتعلُّمُ الحثيث والانضباطُ الجِدّيّ والإرادة القوية، ثالوث يَجعل المعوَّق يتخطّى إعاقته، حتى ليبقى في الأصحاء أنفسِهم معوَّقو النفوس المريضة والإرادات الخاملة والطموحات الميتة. وما نتعامل معه في الحياة على أنه "تَحصيل حاصل"، مثل السمع أو النظر، ليس أبداً "تَحصيلاً حاصلاً" لأنّ الأساس ليس أن يكونَ فينا بل أن نُحسنَ استخدامَه فنستعملَ النظر لرؤية كل نافع جميل وإلاّ فما حصيلةُ النظر، ونستعملَ النطق للتكلُّم بكلّ ما هو بنّاء مفيد وإلاّ فَلْنَلْزَمِ الصمت، ولْنتجاوزْ الى أبعدَ من الحواس كي نبْلغَ الإحساس الصحيح والتفسير السليم وتقديرَ ما حولَنا ومَن حولَنا والتفاعلَ مع المحيط. فَلْنَعِ ونتذوّقْ ما نعي، وَلْنُنْصِتْ أكثرَ من مُجَرَّد أن نسمع، ولْنُحَدِّقْ أبعد من مُجَرَّد أن نرى، ولنُعَبِّرْ بأبلغَ مِما نتكلّم لِمُجرَّد الحكي.

هكذا يتَّضح أنّ المعوَّقين جسَدياً أقلُّ من المعوَّقين نفسياً وروحياً في مُجتمعٍ يراهم طبيعيّين ظاهراً وهم معوَّقون داخلاً. فالإعاقةُ الحقيقية لا تعود لدى الْمُعوَّقين جسدياً بل لدى أصحّاءَ كثيرين يعانون من إعاقاتٍ لا هم يعترفون بها ولا المجتمع يراها، لكنها ضالعةٌ لديهم في وعيهم ولاوَعيهم. ورُبّ إعاقة جسديةٍ باديةٍ على الآخرين أخفُّ ضرراً على صاحبها والآخرين من إعاقةٍ مَخفيّةٍ في نفسيّة صاحبها ويتصرَّف من خلالها مع الآخرين فلا يَجِدُون لتصرُّفاته أيَّ تفسير.

لكنّ التفسير ها هوذا واضح: الإعاقة الحقيقية ليست في الأجساد لكنها... في النفسيّات.

                   odyssee@cyberia.net.lb

يصدر هذا المقال في موقع "جماليا" بالتزامن مع بثه صباح يوم الأربعاء 05/08/2009

في إذاعة "صوت لبنان" - برنامج "نقطة على الحرف"