زياد الرحباني: العبقرية لا تتراجع

كريم أبومرعي قرأها 6
  

زياد الرحباني: العبقرية لا تتراجع

كريم أبومرعي

لم يبدل زياد الرحباني من عادته القديمة. لعله يبقى الوحيد (في ما عدا والدته) القادر على ملء قاعة بحجم مسرح قصر الاونيسكو لأيام متتالية بدأت ثلاثة وتحولت خمسة (مع وعد بسادس)، بجمهور يعشقه، ويأتي ليستمتع معه بترف لا متناه في "منيحة"!!.

ليل أمس، استحالت القاعة ميدان تجارب لزياد الذي عرفه جيل الحرب، وتربّى على ما هو أبعد من موسيقاه جيل ما بعدها. كانت "منيحة" فسحته التي خطّ بنفسه مجالاتها، لتّتسع لخلاصة تجربته الموسيقية والمسرحية التي تتخطّى العقود الثلاثة، من غير ان تقف عند حاجز معين، ولتتعداها الى مسارات السياسة والاقتصاد والفكر.

هكذا انطلق زياد الرحباني، وهكذا تبلور. أعاد خطَّ مساره من دون تعديل، معرجاً على بعضٍ من كل ما يتضمن. من ثمانينات القرن الماضي وصولاً الى الأشهر الأخيرة. من موسيقى "العقل زينة" في 1987، الى "معلومات" (الأكيدة منها وغير الأكيدة) للطيفة التونسية العام الماضي، مروراً بـ "بما انو" وبعض أغنيات من مسرحية "نزل السرور" وألبوم "مونودوز".

لمن تمكّن من الحصول على بطاقة للحفلة الأولى (خصوصاً ان معظمها لم يطرح في الأسواق الا قبل يومين)، كانت تجربة تستحق العناء. يغيب زياد الرحباني ويعود كأن شيئاً لم يتبدل. لا ينسى أحدهم كلمة من الأغنيات، ولا لحناً من النغم، وزياد على إصراره على ان يشمل كل شيء. لم يحضر الجاز بحرفيته، لكن شمول "العرض" كان كافياً. "روح خبّر" حاضرة بـ "تعزيز" لوترياتها، "معلومات مش أكيدة" بعذوبة لحنها وصوت رشا رزق وخضر بدران. بين أغنية وأخرى، جانب "ممسرح" ارتكز في معظمه على "العقل زينة".

سِحر زياد الذي لا ينافسه فيه أحد يبقى في "قفشاته" التي لا تتوقف على المسرح. قد يكون المغنون والفرقة الموسيقية في كامل "انسجامهم"، وترى الرحباني "مغرداً" وحيداً على المسرح، متنقلاً ما بين عازف وآخر، والجمهور يتابع أدق التفاصيل.

بدّل زياد عما قدمه في دمشق منذ أيام قليلة، وهذا ما كان متوقعاً. أساساً لا يمكن ان نفترض ان ما سيقدم مساء اليوم او غداً، سيكون مشابهاً لما شاهدناه أمس. بعد استراحة قصيرة، خرج الرحباني وبعض الأعضاء في فرقته الموسيقية بشُعورٍ ضخمة مشابهة لما كان سائداً في زمن السبعينات. هم أعضاء "رابز باند" الذين لا يفهمون العربية. في "حضورهم" يمرّ مشهد عن إمرأة يفترض انها لا تتكلم الانكليزية. "بتعرف بتعرف، بس ما بدا تحكي معنا لانو نحنا عرب":.

لم تغب الرسائل السياسية، وان تكن مبطّنة بمشهديات كوميدية. "شفتلك شي حكيم قريب للقلب؟" نموذجاً، او عن ذاك الرجل "يلي كان عندو أمل، قمت بلّغت عنو ليحبسوه، أحسن ما يضيع الأمل".

انتقل الحاضرون في "المزاج" الموسيقي من "تناقضات" لا تجتمع. من "من شاء الله ذوقي احتشمي" الى "يا نور عينيّ" و"حبيتك تا نسيت النوم". لا هوية واضحة، لكنها صبغة أكيدة. هي صبغة زياد الرحباني الذي يعرف من أين تُنسج الموسيقى، ويدرك انه "اذا ما بتتطلع لتشوف مين عم يتطلع فيك، كأنو ما حدا عم يتطلع، واذا بتحطّ (عيونك) بالأرض، بيكون راسك بالسّما".

"ولّعت كتير" مساء امس في الاونيسكو، في نفَس استمر أكثر من ساعتين ولم تتعدّ استراحته الدقائق الـ 15. في كل ما عداها، أعاد زياد الرحباني الى الحاضرين ذكريات إبداعه الذي (وإن لم يرقه كثيراً) لطالما تساءل الناس عن أسباب شحّه. فهو سيبقى أولاً وأخيراً، من اللبنانيين الذين سيقال عنهم (موسيقياً) عباقرة.

 Annahar.JPG