سينما صيفية
قصة قصيرة
بسام الطعان
لا (فرحة) انسجمت مع (فرحان) ولا فرحان تهنّأ بزواجه من فرحة، فهي دائماً عابسة، عنيدة، عصبية، ولا همَّ لها غير أن تصلب الفرح وفرحان معاً، وهو أيضاً عنيد وعصبي جداً، ويرفض رفضاً قاطعاً أن يبتسم أو يضحك.
فرحة الشقراء، هكذا يسمُّونها في الحارة، هي في العشرين من عمرها، متوسطة القامة، ممتلئة الجسم، ولها ضفائر طويلة، وفرحان الأسمر، في أواخر عقده الثالث، طويل القامة، وجهه ثابت القسمات، متعكر المزاج، وتتمدد تحت أنفه غابة كثيفة سوداء على شكل شاربين.
بعد زواجهــما هجرا القرية وسكنا في إحدى الحارات الشعبية في العاصمة، حيث يعمل الزوج بائعاً للخضار والفواكه في سوق الهال.
سنة كاملة مرت على زواجهما، لكن لا فرحة تنازلت لفرحان، ولا فرحان تراجع عن شيء أراده.
أبداً لم يدخلا في بستان الحب، ولم يجلسا مع بعضهما كأي زوجين، حتى انهما لم يفكرا أن يبحثا عن خطط لتغيير نمط حياتهما الباهتة، وإنما تبادلا العناد، وتقاسما شرفة فاضحة وغير واقية من الصوت والصورة، حيث صارا سينما صيفية لسكان الحارة، يسمعون أصواتهما العالية، ويشاهدون المشاهد المضحكة والمثيرة في آن واحد.
أكثر أيام الأسبوع، لسبب أو دون سبب، يحولان النهار إلى ملعب للشجار، وحتى في الليل، يمزّق صراخهما سكون الحارة، وكثيراً ما قلب الزوج صينية الطعام على الأرض، أو ألقى بها بعيداً، أو رماها من النافذة المطلة على الشارع، كل هذا لأن الطعام لم يعجبه، وفي كل مرة، توبّخه بشدّة وتشتمه، فيشدّها من شعرها الأشقر الطويل، يلقي بها بين الطعام المتناثر على الأرض، يصفعها، وأحياناً يشتمها ويشتم أهلها واليوم الذي تزوّجها فيه، أما هي فتطلق صرخة هستيرية والكثير من الشتائم دفعة واحدة.
لساعة أو أكثر، تظلّ نيران الشجار مشتعلة، هي تندب حظّها، تعتنق البكاء بعينين مفتوحتين، وترسل له الشتائم، وهو يتحالف مع القهر ويرميها بصحن أو قدح أو إبريق شاي.
لم يمر يوم دون شجار، وكأنهما عقدا معه اتفاقاً، بنده الأول توبيخ، والثاني شتائم، والثالث ضرب، والرابع بكاء، والخامس تكسير ما تصل إليه الأيدي، أما الجيران وسكان الحارة فصار الأمر بالنسبة إليهم طقساً من طقوسهم اليومية، ينظرون ويستمعون ويستمتعون ولا يتدخلون.
البارحة، بعد الظهر تحديداً، أراد الزوج أن يأخذ قيلولة فالحرارة في الخارج كاوية، ارتدى ثوبه المخطّط الفضفاض، وتمدّد في الصالة تحت المروحة السقفية، وما أن سبح في الغطيط ووزع شخيره المزعج، حتى أيقظته برفسة من قدمها:
ـ هيه.."أبو شخير" انهض سأنظف البيت.
فتح عينيه، مسح عرقه النابت على رقبته براحة كفه، تثاءب، تأفف، نهض بهدوء، ودخل إلى غرفة أخرى، أغلق الباب بإحكام وتركها مع حسرتها لأنه لم يتشاجر ولم يشتمها هذه المرة.
اليوم، في الثالثة بعد الظهر بالتحديد، عاد من عمله، يحمل معه همومه الكثيرة وتعبه الكبير، وحين دخل البيت ولم يجدها مزروعة أمامـه كعادتها، شعر بشيء من الفرح، دخل إلى غرفته ولم يكلّف نفســه عناء البحث عنها أو مناداتها، استلقى على سريره بأريحيّة وبثيابه المتّسخة، وما لبث أن دخل إلى منتجع ذاته، وبسرعة رأى أمامه قوس قزح وبداخله عـروس مشتهاة، ورأى أشياءً حلوة تمنّى ألا تفارقه، لكنها فارقته حينما تذكر زوجته.
كان يظنّ أنها تتسلّى عند إحدى جاراتها كما جرت العادة، لذلك لم يهتم بغيابها، ولكن حين تأخرت بالمجيء خرج وسأل عنها، غير أنه لم يجد جواباً عندهم. أين اختفت يا ترى؟
عاد إلى البيت وشعور ممزوج بالفرح والحزن ينتابه، فرح لأنه ارتاح منها إلى حين، وحزن لأنه لا يعرف أين ذهبت.
اضطربت معدته، فدخل إلى المطبخ، بحث عن طعام يسدّ به جوعه، فلم يجد في الثلاجة غير الزيتون والزبدة وبعض الخضار، خطف حبة زيتون، رماها في فمه، مضغها دون شهية، وعاد وجلس في الصالة استعداداً لشجار جديد.
عقارب الساعة تجاوزت السادسة ولم تأت، أصابه الملل من الانتظار الطويل، بدأ القلق يعاشره بوقاحة، بين دقيقة وأخرى كان يرسل نظراته إلى الشارع، فيدخل في متاهة مظلمة: "أين اختفت ابنة الـ..؟" لم يستطع الانتظار، انتعل حذاءه، وقبل أن يخرج للبحث عنها أراد الدخول إلى الحمام، وما أن فتح الباب حتى توقف في مكانه هامــداً جامداً كتمثال، كانت ممدّدة فوق البلاط دونما حركة، بقي واقفاً لدقائق وهو ينظر إليها بذهول، ربما لم يقو على الحراك، أو ربما خاف، فجأة انتبه إلى نفسه، لكنه لم يتقدم منها، وإنما ناداها باسمها، هذه أول مرة ومنذ شـهور يناديها باسمها، وحين لم تجب ولم تتحرك، تقدم منها، لمس جسدها، هزها بهدوء، ثم بعنف، لكن جسدها كان بارداً تماماً.
في الطريق إلى المقبرة كان هادئاً، لم يتكلم ولم يبك، ولكن حين صارت تحت التراب، راح يبكي، وحين هدهده أحدهم، تنفَّس من أعماقه بارتياح،
مسح دموعه وقال بهدوء:
ـ أنا لا أبكيها، وإنما أبكي كي لا يقتلني الفرح!
bassamtaan@yahoo.com