يا دكتور سرور.. الإسلام ليس معجزة قانونية
بقلم: إسماعيل حسني
رداً على د. فتحي سرور رئيس مجلس الشعب ودرس بليغ لكل من تسول له نفسه التجارة بالدين وإقحامه في شئون السياسة والحكم "الإسلام ليس عقيدة وشريعة، الإسلام ليس دين ودولة الإسلام دين.. وأعظم الديانات السماوية"حق للجميع أن يصدموا وهم يقرأون مقالة د. فتحي سرور في جريدة الأهالي بتاريخ 8/7/2009 والتي أعلن فيها أن الفصل بين الدين والدولة أو بين العقيدة والتشريع في أوروبا يرجع لخلو الديانة المسيحية من التشريعات التي تنظم أمور المجتمع والمعاملات بين الناس، وهو ما لا يستساغ في الدين الإسلامي لأنه ليس ديناً فحسب بل إنه قد اشتمل على كل من أمور العبادات والمعاملات، وأنه لهذا السبب يقال أن الإسلام عقيدة وشريعة أو أنه دين ودولة!!؟
ولم يكن هذا الكلام ليثير أي ضجة لو أنه صدر عن قيادات الإخوان المسلمين أو غيرها من جماعات الإسلام السياسي فتلك هي بضاعتهم، وهذه هي مقولاتهم، ولكن أن يصدر عن رأس السلطة التشريعية في بلادنا، فمن شأنه أن يثير الذعر والكثير من الهواجس حول طبيعة الدولة في مصر، وهل هي مدنية أم دينية؟ وأن يطرح العشرات من علامات الاستفهام حول مستقبل المواد المتعلقة بالمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، ومبادئ المواطنة وحقوق الإنسان، إذا ما تداخلت في تفسيرها المرجعية الدينية مع المرجعية المدنية والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، لما بين المرجعيتين من تضاد بل وتناقض في الكثير من الأحيان.
فكيف يكون الإسلام عقيدة وشريعة في آن واحد؟ فالعقيدة ثابتة والشريعة متغيرة!؟ وكيف يكون الإسلام دين ودولة؟ إذا كان الدين يعبر عن كل ما هو مطلق وثابت ولا يقبل القسمة خارج نطاق هذا العالم، بينما الدولة ترمز لكل ما هو مادي ونسبي ومتغير في حياتنا!؟ إننا هنا نتساءل عن الأساس المعرفي الذي أطلق منه د. سرور هذه المقولات.
حقا أن الإسلام كبقية الأديان السماوية قد اشتمل إلى جانب أمور العقيدة والعبادات على المعاملات، إلا أن الجانب المقدس والخالد والصالح لكل زمان ومكان فيه وفي غيره من الأديان هو المتعلق بأمور العقيدة والعبادات فقط، أما الجانب الخاص بالتشريعات والأحكام فليس له هذه القداسة أو ذاك الخلود، ذلك أن الله عزً وجلّ يعلم أن هذه التشريعات التي جاءت لتحكم الواقع البدائي البسيط الذي نزلت فيه سوف تتقادم وتتعارض مستقبلاً مع ظروف المجتمعات الدائمة التغير والتطور ومع مصالح الناس باختلاف الزمان والمكان، لهذا رأينا الله ينسخ بعض هذه الأحكام فور انتهاء مهمتها بل وينسينا بعضها الآخر وكأنها لم تنزل ولم تكن يوماً قرآناً كريماً، كذلك رأينا صحابة الرسول (ص) يوقفون تطبيق الكثير منها حتى وإن جاء في آيات محكمة وقطعية الدّلالة لأنها لم تعد صالحة للتطبيق مثل إيقاف تطبيق حدّ السرقة في عام الرّمادة، وإيقاف نصيب المؤلفة قلوبهم في الصدقات، ومنع توزيع أرض السواد إبان الفتوحات، وإيقاف تطبيق الحدود في السفر، ومنع الصحابة من مغادرة المدينة للحجّ والعمرة والجهاد وغيرها مما فصلناه في كتابنا "علمانية الإسلام والتطرف الديني".
ولقد اشتملت الأديان السماوية الأخرى على الكثير من التشريعات البدائية التي تنظم كافة جوانب الحياة القديمة إلى جانب أمور العقيدة والعبادات، وأكثر بكثير مما جاء به الإسلام كما في الديانة اليهودية. ومن ثم فالديانة المسيحية خلافاً لما ذكره د. سرور لا يمكن النظر إليها وفق ما جاء بالإنجيل فقط، لأنه معلوم أن المسيح لم يأت لينقض الناموس بل ليكمله، ومن ثم فكل الأحكام التي وردت في التوراة تعتبر تشريعاً إلهيا معمولاً به في المسيحية إلا ما نصّ في الإنجيل على ما يخالفه كالحكم في أكل لحم الخنزير مثلاً. وعلى هذا فإن الديانة المسيحية قد امتلكت تشريعات متكاملة في جميع مجالات الحياة البدائية القديمة كما جاء بها التوراة، ثم أضاف إليها السيد المسيح الكثير من الأحكام والتعاليم مثل الحثّ على عدم كنز الأموال "لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض"، ووضع نظام للزكاة "هاتوا جميع العشور إلى الخزنة"، ووضع نظام للتكافل "من سألك فأعطه" و"بيعوا أموالكم وأعطوا صدقة" وحرّم الرشوة "وَلاَ يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ عَلَى الْبَرِيءِ"، وحارب الربا بقوله "فَلْنَتْرُكْ هذَا الرِّبَا"، وغيرها من عشرات الأحكام والتشريعات.
ولما كان القديس بطرس نائباً ليسوع، فخلفاء بطرس نوّابٌ له وبالتالي نوّابٌ عن المسيح أيضاً، ولما كانوا معصومين بملازمة الروح القدس لهم، فالتشريعات التي وضعوها عبر العصور لابد أن تكون إلهية ومقدسة (القانون الكنسي). لهذا فكما يعلن مشايخنا أن شريعتنا شمولية وتشمل جميع جوانب الحياة، يعلن رجال الكنيسة ومن قبلهم أحبار اليهود أن شريعتهم شمولية أيضاً وتشمل كافة جوانب الحياة، فيقول اللاهوتي تيد بيترز: تقدم الرؤية المسيحية منظوراً أكثر تكاملاً وشمولية.. عن خبرة الإنسان بنفسه وبالعالم وبالله، وأن النسق اللاهوتي تتوفر فيه أربع سمات هي الشمولية، والقابلية للتطبيق، والمنطق، والإتساق.
من هنا كان القول بأن أوروبا قد استساغت الفصل بين العقيدة والتشريع أو بين الدين والدولة لافتقارها إلى تشريعات كافية في جميع المجالات قولاً يجافي الحقيقة، فالقانون الكنسي لم يترك صغيرة أو كبيرة في حياة الأوروبيين إلا ودسّ أنفه فيها باسم المسيح، وإنما جاء التوجه العلماني الأوروبي نتيجة ظروف موضوعية اتضح فيها فساد القوانين الكنسية وتقادمها وضرورة التخلص منها ليتحرر الإنسان من أغلالها وينطلق بقوانين العقل في إدارة شؤونه السياسية والإجتماعية والإقتصادية والعلمية.
من ناحية أخرى لا يمكن أن نتصور أن جهبذاً في القانون مثل د. سرور يمكن أن يقع في الخلط الشائع بين شريعة الإسلام والفقه الإسلامي. فشريعة الإسلام بالمعنى القرآني هي منهج عقائدي وأخلاقي لعبادة الله، أما بالمعنى الاصطلاحي الحديث الذي يعني الأحكام والتشريعات فلم يأتِ به الإسلام الذي أنزل على محمد (ص) والذي اقتصر على عدد قليل من الآيات (لا يتجاوز المائتين) في المواريث والنكاح والحدود والحرب وما حرّم من طعام أو شراب، إلى جانب مواعظ أخلاقية لا يمكن اعتبارها قواعد قانونية في شؤون المعاملات. ومن المعلوم أن الإسلام لم يدعُ لا في القرآن ولا السنّة أنه قد جاء بمعجزة تشريعية (فيما يتعلق بالتشريعات والقوانين)، فمعجزة الإسلام الحقيقية في شرعته وليس في تشريعاته. كما أن الإسلام على هذا الصعيد لم يكن مبتدِعاً لأيٍّ مما جاء به من أحكام، فجذور الشريعة الإسلامية في شقّيها القانوني والتعبّدي تعود لما كان مألوفاً ومطبّقاً عند العرب، وعند أتباع الديانة الحنيفية، ومن شريعة التوراة على أساس القاعدة الفقهية "شرعُ مَن قبلَنا شرعٌ لنا". لهذا لم تخرج شعائر الإسلام التعبدية والإجتماعية والمالية والجزائية والحربية والسياسية عما كان معروفاً أو سائداً مما استحسنه الإسلام في البيئة العربية. أما المصنّفات التشريعية المفصّلة في جوانب الحياة المختلفة فقد جاءت كمثيلاتها في الديانات الأخرى محصلة لاجتهادات الفقهاء عبر القرون الطويلة عن طريق التجربة والخطأ والاقتباس من تشريعات الشعوب المفتوحة، وكلها كما قال الإمام الشاطبي في الموافقات أحكامٌ ظنية وضعية أي وضعها بشرٌ تلبية لاحتياجات المجتمع، وليست لها أيّة قداسة، ومن غير الإنصاف نسبة ما أحسنت فيه أو أساءت إلى ديننا الحنيف. وعلى هذا الأساس فإننا لا نجد سنداً معرفياً يجعلنا نعتبر الإسلام ليس ديناً وحسب كما يرى د. سرور، فالله تعالى قد وصف الإسلام بأنه دين وحسب فيقول سبحانه "دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا.." ويقول "لكم دينكم ولي دين" هكذا وصف الله الإسلام بأنه دين وحسب، وإن حق لنا كمسلمين أن نراه بلا أدنى شك أعظم الأديان على الإطلاق.
لم يزعم الإسلام أنه قد أتي بمعجزة قانونية، ولا طبية، ولا علمية كما يدعون، ولكنه قدّم للعالم على أرض الواقع معجزةً حضارية تمثلت في شرعته السمحة، ونزعته الإنسانية، فحرّر الإنسان من سيطرة الكهنوت، وألغى الوساطة بينه وبين خالقه، ونظر إليه كفرد حرٍّ مستقلٍّ مسؤول عن أفعاله، ولم يحمّله ما لا طاقة له به، ولم يؤاخذه بوزر غيره، ولم يرهقه بالفروض والواجبات، وميَّزه عن سائر خلقه بنعمة العقل، وجعله له سراجاً منيراً، ورفع عن كاهله العنت، فلم يحكم من آيات تنزيله إلا أقل القليل ليفسح أمام الإنسان باب الإجتهاد في أمور حياته وآخرته. تلك هي معجزة الإسلام المطلقة والثابتة وغير القابلة للنسخ ولا الرفع ولا الإنساء ولا التأويل والتي علينا أن نباهي بها الأمم، فإن ابتغينا العزة في غيرها من الأمور النسبية والمتغيرة، أزاغ الله بصرنا وأزلنا، إذ نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
وكم هو جدير بالدكتور فتحي سرور وهو ممثلنا في مجلس الشعب قبل أن يكون رئيسه، والرمز القانوني والتشريعي الكبير في بلادنا، والمسلم الغيور على دينه أن يتمثل هذه المعاني الجميلة التي هو بكل تأكيد من أدرى الناس بها، فيجعل منها شرعتنا ومنهاجنا في الحياة كما أراد لنا الله رب العالمين، وأن يكون عوناً لنا على من يشترون بشرعة الله ثمناً قليلاً ليفسدوا حياتنا، فيختزلون ديننا الحنيف في دولة، وعقيدتنا الغرّاء في أحكام وتشريعات لم يكتب الله لها الخلود، طلباً للحكم والجاه والثروة.
إن الملايين من عشاق الحرية في مصر، وفي أنحاء العالم يناشدون د. فتحي سرور وهو من هو أن يصدر توضيحاً لتصريحاته هذه التي قد يساء فهمها، والتي قد يستثمرها تجار الإسلام السياسي في إلقاء الرعب في القلوب المطمئنة إلى أن الدولة في مصر هي دولة مدنية، تسهر على الحريات، وتحمي حقوق الأقليات، وتحترم مواثيق حقوق الإنسان، وأنها كعهدنا بها لا تتحالف إلا مع مواطنيها ضد كل من تسوِّل له نفسه الاعتداء على حقوقهم وحرياتهم.
مجلة روزاليوسف في 18/7/2009