ثقافة الحوار _ على طاولة مستديرة
ثقافة الحوار _ على طاولة مستديرة
متابعة وإعداد: ذوقان شرف
انطلاقاً من (حاجة شعوبنا الماسة إلى الحرية والديمقراطية، وفي مواجهة تأجيج الصراعات وسياسة الهيمنة والتسلط وإملاءات القطب الواحد، تبرز الأهمية الكبيرة لنشر ثقافة تقوم على الاعتراف بالآخر، والاعتراف بحقه في الاختلاف وفي التعبير عن رأيه، والحوار معه، بقصد التفاهم وإيجاد الحلول المشتركة)، ولأن هذه الثقافة تحتاج إلى عمل دؤوب لنشرها وترسيخها في المجتمع، فقد دعا مكتب العمل الفكري والتثقيف الحزبي، التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري إلى طاولة مستديرة تحت عنوان (ثقافة الحوار)، واقترحت ورقة العمل الموزعة مسبقاً على المدعوين المحاور الآتية:
1. أسس ثقافة الحوار ومبادئه.
2. الحوار في الحركة الشيوعية العالمية، ودوره في تطوير الفكر الماركسي.
3. الحوار كما طرحته وثائق الحزب الشيوعي السوري.
4. الحوار في التراث العربي.
5. الحوار في عصر النهضة.
6. وقد شارك في الندوة التي أقيمت يوم الجمعة 26/6/2009 الأساتذة الباحثون:
د. أحمد برقاوي، حسين العودات، د. طالب غريبة، عطية مسُّوح، محمد أمين أبو جوهر.
وأدار النقاش الرفيق علم الدين أبو عاصي، عضو المكتب السياسي للحزب، مسؤول مكتب العمل الفكري المركزي. كما حضر الندوة رفاق من المكتب المركزي ومن مكاتب العمل الفكري في اللجان المنطقية، وقدم بعضهم مداخلات وآراء في إطار ورقة العمل.
وكان منتظراً أن يشارك فيها د. يوسف سلامة، ود. ماهر الشريف والأستاذ نبيه جلاحج، غير أن ظروفاً خاصة حالت دون حضورهم.
وحضر الندوة الزميل معين العماطوري، من موقع (إي سيريا) الإلكتروني.
وقد واكبت (النور) أعمال الطاولة، وتنشر هنا أبرز ما جاء في مداخلات الباحثين المشاركين، على أن تنشر المداخلات كاملة والنقاشات لاحقاً، في كتاب، على غرار الطاولتين اللتين نظمهما المكتب الفكري المركزي سابقاً بعنوان (الماركسية والماركسيون في عصرنا) الذي صدر، و(الثقافة والسياسة في عصرنا) الذي سيصدر قريباً.
أبو عاصي: الحوار يحفز التفكير
كان الرفيق علم الدين أبو عاصي قد رحب بالمشاركين، في بداية الندوة ثم قدم مداخلة في إطار المحور الأول جاء فيها:
إن بعض ما يجب أن يتسم به الحوار هو أن يقوم على احترام تعددية الآراء والندّية والتسامح، واعتبار اختلاف وجهات النظر دافعاً للانفتاح على الآخر والتواصل معه، بحوار صادق تراكمي يهدف للتوافق، ويؤمّن وضوح الرؤية المستقبلية.
ونحن نبتغي من أعمال طاولتنا هذه المساهمة في نشر ثقافة الحوار كواحدة من وسائل شعوبنا لمعالجة مشكلات التنمية، وامتلاك سبل التقدم والحرية.
وأولى ميزات الحوار الجريء أن يجري فيه طرح المشكلات الحقيقية، والأسئلة الموضوعية، والوقفة النقدية الصارمة للأخطاء، والبحث عن الحلول الواقعية والفاعلة، وعن الإجابات الصحيحة والعقلانية، لأن أفضل ما يمكن أن يحققه رأي أو فكرة ما، هو تحريك العقل وإثارة الحوار بين الناس، وحفز التفكير للمساهمة في حل المشكلات، وخاصة ما يتعلق منها بحياة الشعب، وتقدم الوطن، ويفتح السبيل أمام إضافة خبرة إنسانية جديدة.
فالحوار لا يوفر فرصة معرفة الآخر فحسب، بل يؤمن معرفة الذات أيضاً، وبالتالي ففيه فائدة لطرفَيْ الحوار، ليدقق كل منهما صواب أفكاره، ومدى تأثيرها في الآخرين وعلى أرض الواقع، فالفكر الجاد يعدُّ أفكاره حواراً مع المجتمع وبحثاً عن الإجابات والاستنتاجات المحكمة.
وتفترض ثقافة الحوار اختيار الحوار العقلاني، وتجنب سلوك الكراهية والخصومة والإثارة وتضخيم عيوب الآخرين، والرغبة في الانتصار والهيمنة. ونبذ أسلوب التآمر وأحكام التخوين والتكفير والإقصاء. فمجافاة آراء الآخرين والتعالي عليهم هو بحد ذاته إغلاق لسبل تفهم المجتمع وأحداثه. وحزبنا كسائر الأحزاب الشيوعية والعمالية التي تأخذ بأفكار ماركس ولينين مرجعية لها بوصفها مرشداً ومنهجاً للنظر والعمل، جرت وتجري بين أعضائه حوارات مفتوحة حول تجديد الفكر الماركسي على ضوء الممارسة التطبيقية في الحياة وظروفها المتغيرة والمتحركة، ولكن ليس بمعنى الخضوع لوقائعها، بل بهدف تغييرها، وإعادة تشكيلها بصورة أفضل لصالح الإنسان وحريته. فلا أفكار نهائية بل نسبية وآنية مع الحركة. ومع الحركة تتولد أسئلة جديدة تتطلب حواراً ورؤى في البحث عن الإجابات الأكثر سلامة.
برقاوي: نسبية الحقيقة.. وموضوعيتها
رأى د. برقاوي، بداية، أن كلمة (ثقافة) الواردة في العنوان، تشير إلى بنية ذهنية، (وبالتالي، فالسؤال المهم الذي تطرحه ندوتنا هذه: كيف يمكن أن نؤسس لبنية ذهنية، لعقلية حوارية؟ ذلك أن الشروط المعاصرة هي سلبية تجاه الحوار).
ثم تطرق إلى أفلاطون وحوارياته، فقد (كان الهدف النهائي للحوار، لديه، هو الوصول إلى مفاتيح المعرفة، أي المفاهيم، ودون ذلك يكون هناك استبداد).
وتابع: النقطة الثانية الخطيرة التي يمكن أن تنشأ من فكرة الحوار. هي نسبية الحقيقة، ولكن نسبيتها يجب ألا تتناقض مع موضوعيتها، لأننا (إذا انطلقنا من نسبية مطلقة، تصبح كل الأحكام على مستوى واحد من الحقيقة، وعندئذ لا يكون حوار).
الأيديولوجيا.. قد تفسده
وبعد أن أشار إلى أن (الأيديولوجيا لن تنتهي، ما دام للبشر أحلام)، تساءل: متى تصبح الأيديولوجيا مفسدة للحوار؟ وأجاب: (عندما تتحول إلى اعتقاد ديني، إذ يصبح لدينا مرجع يمتلك الحقيقة المطلقة، ونؤسس انطلاقاً منه وعينا للعالم).
وما دام أهم شرط للحوار هو الاعتراف بحق الآخر في أن يعتقد بفكرة، فعندما نصل إلى التضاد، لا يكون حوار)، فالتضاد يعني نفي الآخر. وفي ثقافتنا العربية، الآخر غير موجود، لأن فكرة الحرية لم تتأصّل في الوعي الذاتي.
العقل الجمعي
(الحزب، أي حزب في العالم، يقوم على وجود عقل جمعي، يجب أن يلتزم به أعضاء الحزب، وكل شذوذ لأحد الأعضاء عن العقل الجمعي يعد خروجاً غير شرعي، تحريفاً، بسبب أن الآخر، كأنا، كذات، غير موجود في وعينا، فالموجود هو العقل الجمعي، وتأسيس ثقافة الحوار، دون الاعتراف باستقلال الأنا، الذات، مستحيل).
الوعي المستقر موت
(من أهم ما ينجزه الحوار التجاوز المستمر للوعي، فالوعي المستقر يعني الموت، وما دام العالم متطوراً فإن الوعي الذي يمتلك العالم نظرياً، معرفياً، ينبغي أن يتطور، أن يخضع لتجديد دائم).
العقلية الفلاحية
وختم د. برقاوي: (السائد في ثقافتنا المعاصرة هو العقلية الفلاحية، عقلية الملكية الضيقة، وتُعامَل الأفكار بوصفها ملكية، ولهذا تقوم القيامة عند أي مسّ بالملكية، وهذا ما يفسد الحوار، عندما يرى المثقفون أن الأفكار ملكيات، تصبح لديهم مقدسة، ومن يؤمن بالمقدسات لا يتحاور، فالحوار دنيوي!)
العودات: الاستبداد يلغي الحوار
أشار الأستاذ حسين العودات بداية إلى أن طبيعة الواقع العربي، وأسلوب العيش القبلي لم يتيحا أن يوجد حوار. ولذلك (عندما أتى الإسلام أثار الدهشة، فالقرآن طرح أشياء جديدة على العرب: المساواة بين البشر (كلكم لآدم، وآدم من تراب)، وطرح الحوار (وجادلهم بالتي هي أحسن)، وكان ذلك جديداً على المجتمع العربي، إلا أنه لم يدم طويلاً. فما إن مات النبي حتى ماتت هذه الأفكار، أو غُيّبت، ولنتذكر أن ثلاثة خلفاء راشدين من أربعة قُتلوا. وقد بدأت انتكاسة مناخ الحوار في (السقيفة).
وأضاف: الآخر عند المسلمين آنذاك إما أتباع أديان، أو أقوام. وكانت الأديان المعروفة لهم (المسيحية، واليهودية، والمجوس والصابئة). وقد بدا في القرآن تقربٌ من المسيحيين أكثر من اليهود، ولكن بعد انتهاء العهد النبوي بدأت الشتائم لهم، وتفسير الآيات المتعلقة بالمسيحيين واليهود تفسيراً مختلفاً. وبدأ، تقريباً، تكفيرهم، ففرضت عليهم الجزية أو دخول الإسلام، وهذا يعني: لاحوار!
وعرض العودات بعد ذلك ما جرى في بداية العهد الأموي ومواقف الفرق الأربع:
ـ الخوارج: كفّروا كل من لا يقول برأيهم، والآخرون كفّروا الخوارج.
ـ الشيعة: جعلوا الإمامة أمراً مقدساً والإمام معصوماً. والإمامة عندهم تعيين من النبي، ومن عَيَّنه النبي مقدس.
ـ المرجئة (البين بين): حاولوا أن يوائموا، ولم ينجحوا، لأنهم وسطيون.
ـ المعتزلة كذلك، رغم تقديري الكبير لما طرحوه من أفكار، رفضوا الحوار، حتى إنهم في زمن المأمون، فيما بعد، كان من لا يؤمن بأفكارهم يُقتل أو يُسجَن.
بعد توسع الفتوحات اكتشف العرب أدياناً غير التي عرفوها، وأقواماً لا حصر لها، وقد عبر الرحالة العرب مثلاً عن دهشتهم لوجود عدالة في الهند والصين، لدى أنظمة غير مسلمة ومن غير أهل الكتاب.
هنا بدأ قبول الحوار، وكان للأمويين مصالح فيه فشجعوه. وقد كان بالدرجة الأولى مع المسيحيين، وأكثر من حاورهم يوحنا الدمشقي.
وبعد أن عرض إشارات إلى بعض هذه الحوارات، وتطورها أكد أن الأمر لم يخلُ من انتكاسات، مثل قتل غيلان الدمشقي، وممارسات المعتزلة ضد من لم يقتنع برأيهم.
وختم: (بقيت مشكلة الحوار قلقة، خصوصاً عندما كان النظام يرى الحوار خطراً عليه، وعندما بدأ الاستبداد ألغي الحوار شيئاً فشيئاً!
غريبة.. الحوار في الحركة الشيوعية
بدأ د. طالب غريبة مداخلته بالحديث عن مؤسّسَي الحركة الشيوعية ماركس وإنجلز، ورأى أن لتجربتهما أهمية تاريخية، لا من الناحية الزمنية فقط بل من الناحيتين النظرية والعملية، وهي تبين أن مبتغى الحوار هو البحث عن الحقيقة، وشرطه اللازم هو الحرية.
وقد أنتج الحوار مع مفكري عصرهما أشهر المؤلفات الماركسية: (نقد فلسفة الحق عند هيغل) و(ضد دوهرينغ) وغيرها.
ثم أشار بعد ذلك إلى أن التواصل بين ماركس وإنجلز، اللذين عاشا فترات طويلة بعيدَيْن أحدهما عن الآخر، كان عبر الرسائل المتواترة التي يتبادلانها. وقال: إن وضوح الرؤية ونضوج الفكرة والبلاغة وحسن الأسلوب في الكلام وفي الكتابة هي من الصفات المميزة للمحاور الجيدة، وهي كانت متوفرة لدى ماركس وإنجلز.
وتوقف د. غريبة عند قضية يراها هامة: (وهي أن ذلك الصرح الشامخ، الفكري والاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثوري، الذي شيّده ماركس وإنجلز، والذي يسمى اختصاراً (الماركسية) كان إنجازاً عظيماً من إنجازات البشرية وحدثاً تاريخياً فائق الأهمية، وهذا ما جعل له تأثيراً مدوياً في أرجاء العالم. وهو تأثير ذو حدين، فمن جهة جلب للماركسية، ولماركس وإنجلز، حقد الرأسماليين وكراهيتهم وعداءهم، ويقف هذا الموقف جميع قوى الظلم والاستغلال والتخلف والرجعية، منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا. وأدى من جهة ثانية إلى إضفاء هالة من القداسة، بدأت بالظهور في حياة ماركس وإنجلز وقاوماها. وتعززت هذه الهالة وترسخت بمجيء لينين، الذي لفّته هذه الهالة أيضاً بعد وفاته، ثم لفَّت آخرين أقل شأناً.
والمشكلة الكبرى تكمن في الشعور الذي ساد أوساط الحركة الشيوعية والعمالية العالمية بأن النظرية اكتملت. وبالتالي ما من داعٍ أو ضرورة لأن يجادل أحد في الكمال، وهكذا غاب الحوار، وحلّت محلّه سياسة التفسير والتبرير.
ورأى د. غريبة أن من أسباب ذلك قلة المعرفة وضعف الثقافة وأحاديتها، وضغط الظروف المحيطة، وشهوة السلطة، ورواسب الماضي وخاصة العقلية الإقطاعية والتربية الأبوية ـ البطريركية. ولعبت دوراً مساعداً في ذلك أسس التنظيم اللينينية التي أعطت المركز القيادي كل السلطة.
وبعد أن أشار إلى الآراء التي انتقدت المركزية الديمقراطية، رأى أن معظم مؤلفات لينين هي حوار وجدال، وكان الحوار يسخن بسخونة الأوضاع والمعركة الفكرية.
وختم د. غريبة: (إن تقديس فكرة ما هو تثبيت لحدودها، مما يعني محاصرتها وعزلها ومنعها من التطور، وإن أي إبداع إنساني، مهما كان رائعاً، تظل الحياة أروع منه، لأنها قادرة دوماً على أن تزيده وتغنيه وتقدم ما هو أفضل منه وأجمل وأقوى).
مسُّوح: استبعاد التكفير
أشار الباحث عطية مسُّوح بداية إلى أهمية فترة عصر النهضة التي ساد فيها الحوار، إذ جاءت بين مرحلتين غاب فيهما الحوار، أو كاد. وقد كان هذا الحوار يتّسم غالباً بالحضارية والرقي، ويقوم على الاعتراف بالآخر والإقرار بحقه في التفكير والتعبير، كما اتّسم بالجرأة، إذ طُرحت أفكار تمسّ ما يعدُّ مقدسات. وهذه الجرأة نادرة اليوم، وإذا توفرت فمباشرة يقابلها التخوين والتكفير (مثال: نصر حامد أبو زيد).
ثم استعرض مستويات الاعتراف بالآخر:
ـ الإقرار بحقه في أن يكون موجوداً.
ـ أن أكون مستعداً للتواصل معه والحوار.
ـ الاعتراف له بالحقوق التي أمنحها لنفسي، ذلك أن عدم الإقرار بحقوق له مساوية لحقوقي، يعني أن الإقرار بوجوده هو إقرار شكلي.
وأبرز مسُّوح معركتين حواريتين، الأولى حول (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق، والثانية حول (في الشعر الجاهلي) لطه حسين، ملاحظاً أن تلك المعارك لم تكن تؤدي إلى أن يكفّر أحد أحداً، أو إلغائه، ومشيداً بنزاهة القضاء، ومؤكداً أن الباحثين والمثقفين ورجال السياسة آنذاك كانوا يجتمعون على الدفاع عن حرية الرأي وعن مبادئ ا لحوار الحضاري، بغض النظر عن موقفهم الفكري أو السياسي. ومثّل لذلك بدفاع العقاد عن طه حسين، رغم أنه كان نقيضاً له في المفاهيم الأساسية، وبردِّ شيخ الأزهر على مفتي الديار المصرية الذي كفّر الشيوعيين والماركسية، فكان الشيخ أبرز المتصدين للتكفير معللاً موقفه بالقول: (أنا أدافع عن حرية الرأي وحرية الاعتقاد، وهذا جزء من ديني).
ورأى مسُّوح ضرورة لدراسة أسباب الانتكاسة وتوقف الحوار، محملاً القوى التقدمية مسؤولية ذلك التوقف، فقد راحت، بعد أن استلمت السلطة، تمنع الآخر المختلف، بوصفه رجعياً، ثم تحدُّ من وجوده، ووصل المنع إلى الآخر الحليف، وإلى الآخر الشبيه أيضاً، وأصبح الأسلوب السائد في العلاقات بين القوى، لا أسلوب الحوار، وإنما أسلوب فرض الرأي وإبعاد الآخر.
وفي ختام مداخلته دعا مسُّوح إلى استحضار ما ترسخ في عصر النهضة من قيم حضارية ديمقراطية إنسانية في الحوار، واستبعاد مفردات التكفير والتخوين والارتداد، مؤكداً ضرورة إعادة الاعتبار إلى حرية الفرد في التفكير والتعبير، في العلاقات بين التيارات المختلفة في المجتمع، وبين المجتمع والدولة، وبين الفرد والحزب، والفرد والدولة، وعلى جميع المستويات.
الحوار في التراث العربي
بعد مقدمة عن اتساع الدولة الأموية ثم العباسية والتعرف إلى شعوب وديانات وعقائد، قدم الباحث محمد أمين أبو جوهر تعريفاً للحوار قال فيه:
يوصف الحوار بأنه قدرة على التفاعل المعرفي والعاطفي والسلوكي مع الآخرين. وهو طريقة من طرائق التواصل بين البشر، هدفه المراجعة في الكلام، والوصول إلى الصواب، أو الأكثر صواباً، وهو تبادل للحديث بين طرفين أو أكثر، لكل منهما هدفه.
دار الحوار في تلك الفترة بين فريقين أساسيين، مثّل الفريق الأول السلطة وكل من دار في فلكها، ومثّل الغالبية العظمى من أبناء المجتمع الفريق الثاني. كما دارت حوارات، داخل كل فريق.
شمل الحوار الميادين السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية. وقاده أناس تحدروا من مختلف الفئات والطبقات. واتسم بالشك والنقد والبحث، في وقت كانت قد استقرت به حدود الفرق الإسلامية، المرجئة، الجبرية، الشيعة، الخوارج، السنة، الصوفية، المعتزلة، الدهرية.
أشكال الحوار وأهدافه:
عمل الحكام على كم الأفواه، أو حرف الحوارات عن مسارها الصحيح، بهدف أبعاد الناس عن واقعهم المأسوي المعيش، فعمدوا إلى إشغالهم بأمور ذات نفع ظاهري عام، فكان تشجيعهم للفتوحات، ثم اختلاقهم قضية القراءات القرآنية، واختلاف علماء الأمصار حولها، وتشجيعهم جمع الحديث النبوي وتدوينه، ثم العمل على تقويمه، من حيث صحته، أو ضعفه، أو أنه منحول. وفُتحت حوارات واسعة حول النحو والصرف.
تحول الصراع السياسي، بين الأحزاب، والمذاهب الإسلامية، إلى صراع فكري. وتبلور الانقسام في مجال التشريع الإسلامي إلى مدرستين متعارضتين، هما مدرسة الرأي، ومدرسة الحديث.
من هو الإنسان؟
تعددت الإجابات، وتنوعت، ووصلت إلى حد التناقض فيما بينها. وفيما يأتي غيض من فيض منها:
1ـ عند الشيعة عموماً، الإنسان هو الإمام المعصوم. وقد يصل إلى مرتبة النبوة، أو الألوهية، عند بعض الفرق الإسلامية.
2ـ عند المعتزلة، إنه ذو الإرادة المستقلة والاختيار الحر.
3ـ عند المتكلمين وعلماء الطبيعة، هو القادر على معرفة أسرار الكون، وأشياء العالم كله، بطريق النظر العقلي، والتجربة العملية الحسية.
4ـ عند المتصوفة عموماً، هو المؤهل لمرتبة الولاية، لتظهر على يديه خوارق الأحداث، والذي يصل إلى الله مباشرة، بالمعرفة الحدسية، أو الكشف والمشاهدة، أو بالشهود الحضوري.
5ـ عمل الخلفاء والحكام، كأيديولوجيا رسمية، على إضفاء طابع الإرادة الإلهية المطلقة على نظام الحكم، كما استخدمت لإسباغ تلك الإرادة على عبودية الإنسان وشقائه.
وختم أبو جوهر: ساهمت الحوارات، التي سادت ذلك العصر مساهمة كبيرة، في إغناء الحضارة العربية الإسلامية وازدهارها.
حوار غني
ثم جرى حوار واسع وغني شارك فيه بمداخلات شفهية أو مكتوبة الرفاق:
باسم عبدو، إبراهيم الحامد، أمين الحافظ، د. عاطف البطرس، هيثم الشعار، أحمد حسن الفقرة، د. حسان رهونجي، بسام غريّب، د. حاتم سليمان، محمد مصلح، سامي أبو عاصي. وعقب بعض المشاركين، واختتم الرفيق علم الدين الندوة ببعض الاستنتاجات. وعبر عن الأمل باستمرار الحوار وترسيخ ثقافته.