من الهند إلى الكويت .. وداعا للتطرف
من الهند إلى الكويت .. وداعا للتطرف
بقلم: إسماعيل حسني
على أنغام أغنية "جاي هو" التي رددها خمسمائة مليون ناخب هندي، سحق حزب المؤتمر الليبرالي للمرة الثانية على التوالي حزب "بهارتيا جاناتا" الهندوسي الديني القومي المتعصب، لتعلن الهند أكبر ديموقراطيات العالم تمسكها بالقيم العلمانية الأصيلة، وأنه لا مساس بالحريات، ولا مساس بمبدأ المواطنة، ولا مساس بحقوق الأقليات الدينية والعرقية، وأنه لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين.
و"جاي هو" تعني بالهندية "ليكن النصر حليفاً"، وكان الحزب قد اشترى حق استخدام هذا الشعار من أغنية الفيلم الحائز على جائزة الأوسكار "سلام دوج مليونير" لتصبح جاي هو للبلد، وجاي هو للفقراء، وجاي هو للأقليات، وجاي هو لمانموهان سينج رئيس الوزراء السيخي الذي تنازلت له سونيا غاندي الكاثوليكية باختيارها عن مقعد رئاسة الوزراء، والذي سيؤدي اليمين الدستوري أمام إمرأة هي رئيسة الدولة، والتي بدورها تسلمت منصبها من سلفها المسلم الذي حكم بلد المليار هندوسي.
ويمثل حزب بهارتيا جاناتا خليطاً من القوى الهندوسية اليمينية المتطرفة من القوميين الذين يرفعون شعار "الحق الهندوسي المقدس" ضد المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين الهندوس وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى، ويطالبون بتهجير مسلمي الهند إلى باكستان تحت شعار "باكستان أو قبرستان" (أي الهجرة إلى باكستان أو الموت)، ومعهم الأحزاب الدينية المتطرفة التي تطالب بإلغاء النظام العلماني، وتطبيق الشريعة الهندوسية، باعتبار أن الهندوسية هي دين الأغلبية، وأنها شريعة شمولية صالحة لكل زمان ومكان، وأنها تقدم منهاجاً ربانياً في كافة مجالات الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية وغيرها، كما يدعي المتطرفون في سائر الأديان.
ويبدو أن صدى "الجاي هو" قد تجاوز حدود الهند، ليرجع إلينا من الكويت الشقيقة، التي أعلن شعبها في الإنتخابات الأخيرة أيضاً رفضه للتطرف والتعصب الديني والقبلي والجنسي والمذهبي، وأعلى رايات الحرية والليبرالية والإعتدال والمساواة، وأسقط المتطرفين الإسلاميين كما سقط أشقاؤهم الهندوس في الهند.
فقد جاءت نتائج انتخابات مجلس الأمة الكويتي (البرلمان) بمفاجآت مبهجة من العيار الثقيل، تمثلت في دخول المرأة المجلس التشريعي لأول مرة، ونجاح أربع مرشحات دفعة واحدة هن معصومة المبارك ورولا دشتي وأسيل العوضي وسلوى الجسار (اثنتين منهن غير محجبات)، وعزز الأحرار (الليبراليون) مواقعهم بستة مقاعد، كذلك ضاعف الشيعة عدد مقاعدهم، بينما مني التيار الإسلامي المتطرف بخسائر فادحة، حيث فقد التجمع السلفي أربعة مقاعد ولم يعد له سوى نائبين فقط، وفقدت الحركة الدستورية (الإخوان المسلمين) مقعدين ليتضاءل تمثيلها في المجلس إلى نائب واحد فقط.
وكان الإسلاميون قد تصاعد دورهم في الحياة السياسية الكويتية منذ أواخر القرن الماضي، وظهر ذلك في تضاعف عدد نوابهم في مجلس الأمة منذ العام 1999 ليصل حتى ما قبل الانتخابات الأخيرة إلى ما يزيد على ثلث عدد النواب. وقد عكس ذلك حجم الآمال التي عقدتها عليهم قطاعات كبيرة من الشعب الكويتي تصديقا لشعار تطبيق الشريعة الإسلامية الذي يرفعونه، والذي تصور الناخبون أنه يحمل مضموناً حقيقياً.
إلا أن أداء النواب الإسلاميون في المجلس التشريعي كان سيئاً بشكل عام، إذ أغرقوا المجلس في استجوابات لا تنتهي، مما عطل مسيرة البلاد، وشوّه صورة المجلس أمام المواطنين، وأضعف التركيز على القضايا الأساسية لصالح القضايا الأيديولوجية التي يثيرونها دائماً، ويثيرون حولها ضجيجاً إعلامياً كبيراً، ولا تعود بفائدة حقيقية على المواطن الكويتي. فلقد كان لقضايا الحجاب ومنع الإختلاط ومنع إقامة الحفلات الفنية لهذا المطرب أو تلك المطربة النصيب الأكبر من اهتمام هؤلاء، بالإضافة إلى أن مطالبتهم بأسلمة القوانين وتطبيق الشريعة تبين أنها غير ذات مضمون، إذ أن المادة 79 من الدستور الكويتي تمنع إصدار أي قانون يخالف الشريعة الإسلامية، لذلك لم يتعدّ الأمر تقديم بعض مشروعات بقوانين هزيلة لم تلقى قبولاً أو حماساً جماهيرياً مثل مشروع قانون الجزاء الإسلامي (الذي يطالبون فيه بالعودة لتطبيق العقوبات البدنية من قطع وقتل والتي يعارض تطبيقها الآن العديد من الفقهاء)، وقانون الزكاة والعمل الخيري وقانون لمكافحة المخدرات. إلا أن نضال الإسلاميين الحقيقي قد تركز في محاولة منع إصدار القانون الخاص بمنح المرأة حقوقها السياسية، وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها، واعتبروا إصداره من علامات الساعة، مما كشف توجهاتهم الرجعية أمام الناخب الكويتي المتطلع لتنمية الكويت وتحديثها. وعندما أسقط في يدهم وتمت الموافقة على القانون، أخذوا في تعطيل صدوره بمناورات أثارت حفيظة الجميع، كالإصرار على إضافة جملة "مع الالتزام بالضوابط الشرعية" إلى نص القانون بحجة ضرورة الفصل بين المقرات الانتخابية للرجال والنساء، وتجريم إساءة المرأة لاستخدام حقها في الحملة الانتخابية (سيف يسلط على رقاب المرشحات والناخبات من النساء لتجريم سلوكياتهن وتشويه صورتهن في المجتمع).
نرجو أن يأخذ ذوو المرجعيات الدينية العبرة والعظة من هذا السقوط المروع، وأن يعلموا أنه لا يصح إلا الصحيح، وأن الشعوب قد تنبهر لفترة من الزمن بالشعارات البراقة، خاصة إذا داعبت مشاعرهم الدينية، إلا أنها سرعان ما تكتشف الحقيقة، ولا ترحم من عبثوا بدينها وقضاياها ومستقبل أبنائها.