بين المتنبي وكاتب سيف الدولة

عطية مسوح قرأها 1,338
 

بين المتنبي وكاتب سيف الدولة

بقلم: عطية مسوح

حين وافق المتنبي على الإقامة في بلاط سيف الدولة الحمداني، كان يدرك أن حياته لن تكون هادئة، ففي بلاط ذلك الأمير العربي المثقف والقوي كان يجتمع العشرات من رجال الأدب والفكر والعلم، يحظون بدعم الأمير ورعايته، وبينهم ابن عمه أبو فراس، وابن خالويه وابن جني وأبو علي الفارسي والفيلسوف الفارابي وسواهم. وبعض هؤلاء كان يخاف حضور المتنبي، الشاعر المتفوق الذي ذاع صيته قبل ذلك بسنوات، فاستماله سيف الدولة إليه موافقاً على شروطه التي ما كان شاعر غير المتنبي يطرحها على أمير، وهي شروط معروفة لمن اطّلع على سيرة مالئ الدنيا وشاغل الناس.

تؤكد المصادر التاريخية أن الشاعر العظيم الذي حظي بمكانة عالية عند الأمير الكبير، أحيط بحسد الحاسدين ومحاولات إفساد العلاقة بينه وبين سيف الدولة، وحدث الجفاء بين الصديقين، وغادر المتنبي البلاط ساخطاً بعد أن أكرهته الظروف على هذا الخيار.

بين الذين حقدوا على المتنبي كاتب سيف الدولة (رئيس الديوان، في زمننا)، ولهذا الرجل مع شاعرنا قصة يرويها كتّاب سيرة المتنبي وشارحو شعره. فقد طمع هذا الكاتب بمدح الشاعر، وأخذ يتقرّب إليه ويظهر له المودة، عسى أن يمدحه بقصيدة أو يذكره بأبيات ترضي غروره وترفع شأنه. لكن المتنبي لم يكن يأبه بمثل هؤلاء المتملقين، فأعرض عنه، فازداد غيظ الكاتب، وأخذ يتحيّن الفرص للانتقام.

وجاءته الفرصة فعلاً عندما ألقى المتنبي ـ في مجلس سيف الدولة وبحضور أبي فراس وغيره من الشعراء والكتاب ـ قصيدته الشهيرة: (واحرَّ قلباه)، وفيها عبّر الشاعر عن اعتزازه بنفسه ومواهبه واستصغر شأن أولئك الحساد وعرّض بهم، فظن الكاتب الصغير أنه أحد المقصودين بالتعريض، واندفع متصدياً للمتنبي.

أدرك المتنبي قصد هذا الكاتب، وهو أن يحظى بالهجاء بعد أن فشل في الحصول على المديح، فهجاء المتنبي له يعطيه قيمة ما، ويجعله معروفاً بين العرب.

ما الذي فعله المتنبي؟

في ديوانه ثلاثة أبيات وجهها لهذا الكاتب، والبيت الثاني منها يلخّص القصة كلها، إذ قال له:

صَغُرْتَ عن المديح  فقلتَ أُهجى          كأنَّك مـا صَغُرْتَ عن الهجـاءِ

لقد حرم المتنبي هذا الرجل الحاسد نعمة هجائه بعد أن حرمه نعمة مدحه، مسجّلاً بذلك سابقة لطيفة في ازدراء المغرورين السذّج.

كان المتنبي صادقاً في هجائه وبارعاً كما هو في كل غرض من أغراض الشعر. ولكنه لم يكن يميل إلى الهجاء، ولم يلجأ إليه إلا مرات قليلة، بل إنه أكد أنه لن يهجو (خصمه) مرتين: الأولى هي التي ذكرناها، وذلك استصغاراً لمن أساء إليه، والثانية حين قال، قاصداً سيف الدولة الذي خشي رد المتنبي بعد أن أساء معاملته:

رمى، واتقى رميي ومن دونِ ما اتّقى     

هوىً كـاسرٌ كفـّي وقوسي وأسهمي


في المرتين، النتيجة واحدة، والدافع مختلف.

كم لنا من العِبر في سير العظماء!

وكم من كويتب لا يستحق أكثر من قول المتنبي: صغرت عن الهجاء!!.