الشاعر والناشر العراقي خالد المعالي: الإنكفاء عن القراءة لا يعني اختفاءها

مازن معروف قرأها 1,100
 

الشاعر والناشر العراقي خالد المعالي:

الإنكفاء عنالقراءة لا يعني اختفاءها

مازن معروف

هو واحد من أولئك الذين يختارون إلى حد ما الإقامة في حيز الظل، متسلحين بضوئهم الذاتي والواثق، لإنارة فسحة ضيقة تتيح لهم تبديد فضولهم حيال كتاب ما.

هو خالد المعالي، الشاعر ومؤسس منشورات "دار الجمل"، التي وبفضل اقتناصها لأكثر العناوين إثارة للدهشة والجدال في بعض الأحيان، استطاعت أن تغني مكتبة القارئ العربي، بكمّ آخر من الكتب تنافس بعضها حول نوعيتها وطباعاتها ذات المعايير العالية. لذلك فنحن كقراء، نشعر بامتنان لمشروع المعالي للنشر، وبفضول يوازي فضوله شخصياً حيال اكتشاف التراث العربي المجهول ونبشه من جديد، ليشاكس التقليد، ويساهم في تأسيس نوع مختلف من الثقافة لدى ذاكرة الفرد.

حول بعض الأمور التي تتعلق بخالد المعالي شاعراً وناشراً، كان لنا هذا اللقاء معه.

Almaali01.JPG 

·       كيف تعرّف عن نفسك وماذا تقول عن علاقتك بالمكان، وتحديدا ببيروت التي اخترتالإقامة فيها؟

ü    يقال بأنني ولدت عام 1956، في إحدى القرى المجاورة لمدينة السماوة الصحراوية، لعائلة نصف مستقرة، ورحالة. دراستي الابتدائية كانت في مدرسة القرية، ولاحقاً أنجزت الاعدادية في إحدى مدارس المدينة، وقد ترافق ذلك مع المحاولات الأدبية والمشاكسات السياسية آنذاك. قبل ان تكون الإقامة لفترات طويلة في بغداد ثم ترْك العراق والهجرة بشكل نهائي عام 1978. لا أستطيع القول بأي انتماء سياسي محدد في تلك الفترة. هي التزامات بسيطة مع اليسار او الحزب الشيوعي العراقي، وانبهار عفوي بالفوضوية والوجودية واهتمام بالسوريالية. هذه الأمور التي يبدو انني أخذت بعضها على محمل الجد والالتزام الفني، جعلت من استمرار إقامتي في العراق البعثي، أمراً مستحيلاً. فالالتقاء بالأفكار آنذاك، على المستوى الاجتماعي أو الأدبي أو السياسي، كان يأتي دائماً عبر مصادفات، من خلال لقاءات مع هذا الصديق او ذاك. إذ تدفع بك الأحاديث عن كتاب معين مثلاً الى قراءته، والبحث عنه لاقتنائه. وهنا يحضر في ذاكرتي الكتاب الأول الذي استطاع لفت انتباهي عقب نزولي الى المدينة، الذي كان يحمل عنوان "بودلير الشاعر الرجيم". أريتك قبل قليل الطبعة الألمانية الكاملة لأعماله، ولديَّ كذلك الطبعة الفرنسية الأصلية، وقد حملتها معي من ألمانيا ضمن الكتب القليلة التي اخترتها كرفقة دائمة وقريبة. هناك كتّاب يقودونك حتماً نحو مصادر معرفية أخرى.

بيروت عنت بالنسبة اليَّ المدينة الحلم، المدينة التي يقدم منها الكتاب، وهي بذلك مدينة الحرية، وفي ما بعد حين اعتقدنا أننا نكتب هذا الكتاب او ذاك، حلمنا بنشره فيها. كل هذه الأمور حدثت معي وتحدث لغيري كذلك. أنا لا أستطيع ان أرصد المتغير في هذه المدينة، منذ ذلك الوقت، لكنني حينما فكرت في الإقامة في مدينة ما، كان في ظني أن أختار مدينة تجمع ما بين الشرق والغرب في آن واحد. بيروت مدينة تحمل هذا المعنى. لكن لو سألتني اليوم، أنا الذي أمضى قرابة الثلاثين سنة في اوروبا، وهو يعود اليوم الى وطنه اللغوي، بمعنى ما، أقول لك بأنني أشعر بالعزلة، وبأنني غريب، وربما الأمر متعلق بي شخصياً، لكن حتى وإن رجعت الى العراق، فلن يكون في إمكاني العودة الى مكان ما. أنا شخص يجلس بين الكراسي. وهو أمر لا علاقة له بما يحدث في العراق اليوم. أمضيت أعواماً طويلة في ألمانيا، لكن لا أحد يعتبرني المانيّاً. وقد اعتدت طريقة حياة، وقوانين يومية، وواجبات تختلف تماماً عما هو قائم هنا الآن. إلى اين نعود، فالعودة غير ممكنة. هناك احتمال أن "أهاجر" الى العراق. وعليَّ البدء من جديد، من انطلاقة تضاف الى انطلاقات خالد المعالي في الحياة والشعر.

·       كيفتأسست "دار الجمل"، التي تعتبر الآن واحدة من أهم دور النشر في العالم العربي، نظراالى غنى عناوينها؟

ü    في البداية، كانت الذرائع. الولع بالقراءة والإكتشاف. الأمر يقودك الى ممارسة أنواع من الكتابة. كانت تلك شعرية بالنسبة اليَّ. الا أن الممارسة الشعرية تقودك الى ممارسة أخرى، وهي فضول تقديم قصيدة لا يعرفها الصديق المقابل، ولا يستطيع الاطلاع عليها بلغته الأصلية. من هنا كانت الترجمة بداية من الالمانية إلى العربية وبالعكس، أي أن بداياتي مع النشر تعود إلى نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات. المحاولة الاولى تلك، تبعتها محاولات أخرى عام 1983 لنشر كتيّبات صغيرة في ألمانيا. كانت تلك المنشورات الأولى لـ"دار الجمل". لم تكن تلك مخاطرة، لكنها ومهما بدت ساذجة او بريئة إلا انها جاءت كمحاولة للتعبير عن النفس. ذلك أن هدفها الأول لم يتخط عتبة الشخصي. لكنها كانت كذلك منوطة بسخرية ومراهقة، إذ حمل الاسم الأول "منشورات الجمل للنشر والتوزيع باليد". لم يمر آنذاك وقت طويل على احتلال اسرائيل لبيروت. غير أن المحاولات استمرت قدماً، وسط سخرية الأصدقاء و"الأعدقاء" على السواء، الذين لم يروا في ما أقوم به سوى نوع من ضروب المراهقة الرومنطيقية. لأن عادة الفرد المنفي، لا العربي فقط، هو اللجوء الى أخلاقية القطيع، فاقداً كل إيمان بالنشاط الفكري المستقل. فأخلاقية القطيع هي ما كانت تسيّر حياتهم وتجعلها غير قابلة للانفتاح أو التطور. كان الأمر مؤلماً في البداية، لكن مع مرور الوقت، أيقنت بأنني متجاوز هذا الأمر، ذلك لأنني اكتشفت أن العمل الفردي هو أساس لكل نشاط خلاق. ومن كتاب الى كتاب، ومن يأس الى يأس ومن قصيدة الى قصيدة، ومن صديق إلى صديق، حتى اكتشفت أن دار النشر التي أردتها أن تكون مضادة أصبحت محاطة بكل المعايير المهنية والدولية. لم تكن عندي اية فكرة عما يتطلبه إنشاء دار نشر، من شروط مهنية الناشر أو التكاليف او الحساب، والأرباح والخسائر. لم آخذ كل هذه الامور في الحسبان، إلى أن كانت مشاركتي الاولى، ومن طريق المصادفة، في معرض الشارقة الدولي للكتاب عام 1994. الأمر الذي أتاح لي فرصة الاحتكاك بدور النشر العربية، مما وضّح الكثير من الأشياء أمام ناظري. ففي حين ان دور النشر آنذاك كانت تطبع ألف نسخة أو ألفين من كتاب ما، لم تكن مطبوعاتنا لتتجاوز خمسمائة نسخة في أحسن الأحوال. كذلك بالنسبة الى التسعيرة، التي كنا نقوم بها بناء على معايير ألمانية، مما يعتبر نسبياً باهظاً أمام القارئ العربي. من هنا، فنحن بالمعنى التجاري لم نكن دار نشر البتة. هكذا بدأت فكرة طباعة الكتب التي تصدرها "الجمل" وتنشرها وتوزعها من بيروت.

·       الفضول يدفعنا الى سؤال بديهي: هل تكفي العناوين المثيرة للاهتمام، لاجتذاب القراء؟ وإلامَ تعزو أسباب تراجع القراءة في مجتمعاتنا؟

ü    علينا ان نفكر في أمرين هنا. الأول وهو الأساس يتعلق بتدني المستوى المعرفي في العالم العربي، ولهذا أسبابه التي تتمثل في انهيار تقريبي لمستوى التعليم في كل مراحله وإعدام تقريبي لحرية البحث العلمي وهلمّ جراً من الإحباطات التي منها أيضا، تدني مستوى الناشر العربي بشكل عام، الذي فقد بدوره حاسية القراءة. فمن إنسان همّه الأول الكتاب، ومستواه وجودته وجدته، تحوّل الناشر العربي الى ما يشبه تاجر بسطة الخضر في الشارع. لذا وجدتني أنا الناشر الصغير معروفاً بين ليلة وضحاها لأن اختيار الكتب عملية أساسية. هذا الأمر ومهما تكن درجة صعوبته، سيقودك بعد فترة قصيرة إلى جمع أساسي موزع في مناطق مختلفة من العالم العربي. الانكفاء عن القراءة لا يعني اختفاءها. كلٌّ عليه أن يجتهد في عمله، الكاتب والناشر والقارئ. لذلك، فإن الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر الفرنسي رامبو (ترجمة كاظم جهاد وتقديمه وشرحه)، دخل في طبعته الثانية. نشر الكتاب لا يعني الربح المادي بالنسبة اليَّ. ذلك أن هناك ربحاً معنوياً وروحياً وفكرياً يشكل أحد مكوّناتي. خلال إقامتي الطويلة في ألمانيا لقرابة الثلاثين سنة، تعرفت الى أهم الناشرين الألمان وأكثرهم اتساعاً. كل من يعمل في دور النشر تلك، يتقاسم مع العامل الآخر وعلى اختلاف وظيفته، قاسماً مشتركاً، أو همّا هو الكتاب. لو طبّقنا هذا الأمر على الناشرين العرب وموظفيهم، لاستطعنا كسب الكثير على المستوى الثقافي العام، ذلك ان غالبية العاملين في دور النشر لا يقرأون.

·       تحتل الترجمات حيزاً واسعاً من كتبكم، وانتم تعتمدون عليها في كل الأحوال. ما هيالمعايير التي تخضع لها ترجمة كتاب ما؟

ü    أولاً، للتصحيح، نحن لا نعتمد على الترجمة بشكل أساسي، لكني أوافقك الرأي لجهة أن الترجمة هي من أهم مجالات النشر لدينا. ربما لم تكن عندنا رؤية واضحة تجاه الترجمة في البداية، لكن ومع مرور الوقت، أخذ الإيقاع يتسق ويتضح أكثر فأكثر. نشتغل بشكل أساسي على ترجمة أعمال كبيرة، نحاول قدر الإمكان ان تكون هذه الترجمة عن اللغة الأصلية. نحن الآن مثلاً في الجزء الرابع من أعمال نيتشه وفي الجزء الثالث من أعمال بودلير والثاني من أعمال سيوران، إضافة الى الأعمال الشعرية الكاملة لريلكه إضافة الى مختارات شاملة من أعمال بول تسيلان وبرتولد بريشت، بازوليني ورينه شار. والعمل مستمر في هذا الاتجاه. هناك أعمال نختارها بأنفسنا، لكننا في الوقت نفسه محاطون بعدد من المهتمين لاعتماد ترجمة هذا الكتاب أو ذاك. هذا كله بالإضافة الى العلاقات المباشرة بالكثير من الناشرين او الوكلاء الأدبيين الذين يعرضون علينا دائماً المخطوطة قبل نشرها بلغتها الأم.

·       هل على الناشر أن يكون على معرفة وثيقة بلغة أصلية أخرى غير لغته؟

ü    طبعا، لأن من فضائل الضرورة ان يكون الناشر عارفاً بلغات أخرى. الا ان هذا الأمر لا نعتبره في المقابل أساسياً. فالناشر يشتغل مع مجموعة من المستشارين والمترجمين الذين يثق بذوقهم الأدبي والفني، واختياراتهم. اخترت قبل عام ترجمة رواية يابانية لكن بعد الاطلاع عليها عن اللغة الألمانية. وقد اشتريت حقوق هذه الرواية، بعدما قرأت النسخة الألمانية. إلا أن الترجمة سوف تتم نقلاً عن اللغة اليابانية. نتيجة لأوضاع مفهومة للجميع، يلجأ الكثير من المترجمين إلى انجاز ترجمة من دون سؤال عن الحقوق أو الناشر نفسه، فتجد نفسك أحياناً أمام ترجمة كاملة وجاهزة للنشر.

·       لننتقل الآن الى خالد المعالي الشاعر. كيف كانت بداياتك الشعرية؟

ü    كان ذلك خلال دراستي الاعدادية، في كتيّب عنوانه "لمن أعلن دفتري" عام 1978. في العام نفسه، اضطررت الى ترك العراق. كان الشعر كتابةً وترجمة، ولا يزال، أساس عملي. نشرت بعد هذا الكتيب العديد من المجموعات الشعرية، ومنها ما نشر من مختارات شاملة عن "دار رياض الريس" عام 1990. وكان لي بعدها مجموعات عن "دار الجمل"، وديوان "العودة الى الصحراء" عن "دار النهار" عام 1999، وترجمات شعرية مختلفة عن الألمانية، نشر منها الى الآن، وضمن مختارات شاملة لبول تسيلان ولغوتفريد بن وهانس ماغنوس وانتسبرغر، وهناك مختارات شعرية شاملة لهايرنيش هاينه وأنغبورغ باخمان. إلى هذا، فقد نشرت كتباً شعرية مترجمة عن العربية، وبالتعاون مع آخرين، إلى الألمانية، لبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وأنسي الحاج ومحمود درويش وسركون بولص وسيف الرحبي. إضافة الى نشري مختارات للشعر العربي من الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا، ومختارات من الشعر العراقي الجديد والشعر الفلسطيني الجديد، وديوان شعر المرأة العربية. وقد صدرت كل هذه الأعمال باللغة العربية طبعاً، لكننا آثرنا إصدارها كذلك مترجمة إلى الألمانية. وأتممنا وبالتعاون مع منى نجار، وباللغة الألمانية أيضاً، معجماً للكتاب العرب خلال الـ 200 سنة الأخيرة. هذا إضافة إلى عشرات المساهمات الأدبية والشعرية في الصحافة الثقافية، الألمانية والعربية.

·       ماهي الصيغ الأولى أو الشرارات التي تلقفت عبرها الشعر؟

ü    الشعر تلقيته بصيغ عديدة. وقد ظهر أمامي بداية بصيغة الرادود، والرادود هو الشخص الذي يقوم أثناء عاشوراء، بقراءة وقائع مقتل الإمام الحسين وتفاصيله. هذه الحكايات تنظم وتقفى باللغة العامية في العراق، وأثناءها ينفعل الناس ويبكون او يضربون أنفسهم ورؤوسهم بالتحديد، وكنت أسمع الرادود يذكر إسم الشاعر مؤلف الأبيات. هذه الفكرة كانت بالنسبة اليَّ، ساحرة جداً وتشبثتْ بي. تمنيت آنذاك، أنا خالد المعالي الفتى، أن أكون الشخص الذي ينظم هذه الأبيات وينطق بها. محاولاتي في هذا المجال باءت كلها بالفشل. وكنت وقتذاك مراهقاً، لكنها قادتني الى طرح أسئلة عن الشعر والبحث في ماهيته، ووضعتني مغمض العينين على طريق لم أتركه إلى الآن. في هذه الطريق، تلتقي بما هو شعري وبما هو شبيه له، وأحياناً بشخصيات تبدو شعرية لبعض الوقت. لكن لنتحدث عن الشعراء، هناك قائمة هائلة لا تنتهي، فقد حاولت ان أتعرف إلى كل كاتب او كتاب وقع بين يدي، وكان في إمكاني ان أقرأه. السياب ويوسف والشابي الى رامبو والحلاج والنفري وأنسي الحاج، والحبل على الجرار. أنا أذكر هنا الأسماء التي تسنى لي الاطلاع على بعض أعمالها في ذلك الوقت.

Annahar.JPG

طالعوا جريدة النهار البيروتية

Annahar-02.JPG 

يومياً على الإنترنيت