نحو أرضية مشتركة
نحو أرضية مشتركة
أ. د. طالب غريبة
لم ينقطع الاهتمام يوماً بالماركسية. ولكن هذا الاهتمام حاز على زخم كبير في الأشهر الأخيرة بعد تفجر الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، التي أظهرت الطبيعة الاستغلالية الجشعة للنظام الرأسمالي، وفضحت فنوناً غير مسبوقة في اللصوصية والنهب. وبات مألوفاً الكلام عن (عودة الماركسية).
وإذا كانت هذه العودة تأخذ عند بعض الناس طابعاً عاطفياً واحتفالياً، فإن كثيراً من الأبحاث والدراسات ينحو منحى آخر يتسم بالعمق والعقلانية والمعاصرة، ويأخذ بالحسبان الظروف الموضوعية القائمة والمتغيرات والتحولات التي طرأت على العالم، ويدرس إمكانية تجاوز الرأسمالية وتخطيها وصولاً إلى بديل لها.
وفي هذا السياق، نجد من يدعو إلى (تكرار لينين). تحت هذا العنوان، قرأت في عدد خاص مفيد وممتع من جريدة (الميثاق) التي يصدرها حزب الاتحاد الاشتراكي العربي (العدد 152في 17/3/2009) مقالة هي مقتطف من مقدمة كتاب (الثورة على الأبواب) لسلافوي جيجان ـ ترجمة ديما شريف)، يقول فيها الكاتب (أن نكرر لينين لا يعني العودة إلى لينين، وليس تكرار ما فعله، لكن ما فشل في فعله، وفرصه الضائعة). ويضيف: (تكمن عظمة لينين في أنه لم يكن يخاف من النجاح).
إنها فكرة جديرة بالاهتمام، أفهمها على أنها دعوة لمن يجد في نفسه القدرة على فعل شيء ما مفيد، أن يفعله. وفي إطار ما نحن بصدده، أقول بالتعبير الشعبي: إن الرأسمالية تحتاج إلى من يهز العصا في وجهها. وهذه العصا هي طرح مسألة البديل، أي تأكيد وجود بديل للرأسمالية هو الاشتراكية، وحشد أوسع القوى لتبني هذا الطرح الذي يصبح مقبولاً أكثر فأكثر، خاصة في الظروف الراهنة، إذ ضعفت إلى حد كبير وثوقية الناس بأنه يمكن للرأسمالية أن تصلح نفسها بنفسها.
إن هذا أكثر ما يخيف الرأسمالية. فهي يمكن أن تتساهل في أمور كثيرة، أما في مسألة البديل، فلا.
لكن هذا لا ينفي، كما تشير معظم التوقعات، أن الرأسمالية ستتجاوز أزمتها الحالية. ليس بدون خسائر أو تنازلات جزئية. ولكنها ستتجاوزها. وستدفع الثمن شعوب العالم. يعود ذلك ليس فقط إلى قوة الرأسمالية وقدراتها الهائلة، بل وإلى ضعف قوى البديل، وعدم تمكنها من الضغط على أصحاب القرار لغرض حلول جذرية للمشكلات القائمة. ولهذا الضعف أسباب كثيرة، من أهمها الموقف الخاطئ من الماركسية الذي يتخذه كثير من دعاتها ورافعي راياتها.
لقد أجاد الأستاذ عطية مسوح في وصف هؤلاء وتبيان مايلحقونه بالماركسية من ضرر وأذى (مقالة: يهرفون بما لا يعرفون). ومما يزيد الطين بلة، أن بعض الماركسيين يزعم، خلافاً للمنطق، أن الماركسية علم. دون أن يقول لنا: علم ماذا؟ وأين يُدرس؟ ومن هم طلبته وأساتذته؟ وكيف يختارون؟ وما هو مصير مخرجاته؟.
إن المهندس المعماري يتخرج في كلية العمارة، فيفتح مكتباً خاصاً، أو يعمل في مؤسسة ما. والطبيب يتخرج في كلية الطب، ويفتح عيادة، أو يعمل في مشفى. أما الماركسي بعد تخرجه (على افتراض توفر كل مستلزمات الدراسة) فماذا سيعمل؟ هل يفتح مكتباً للنضال، أو عيادة للثورة، أو مركز تأهيل لديكتاتورية البروليتاريا؟! لماذا التعقيد والغلو؟!
إن الماركسية فلسفة ثورية، ومنهج في التحليل، وطموح إلى العدالة الاجتماعية والاشتراكية. من هنا يأتي طابعها العالمي والإنساني، وقوتها المعرفية، وانحيازها الطبقي، وهذا ما يجعلها منفتحة دائماً على كل المتغيرات والمستجدات، ومفتوحة ومتاحة لكل الناس. وهي ليست حكراً على فئات أو أحزاب أو فصائل أو شخصيات بعينها.
وحتى لا يفلت النظام الرأسمالي من العقاب في أزمته القادمة أو التي ستليها، ولكي تكون قوى البديل الاشتراكية جاهزة ومستبعدة، أدعو للوقوف على أرضية مشتركة قوامها أن الماركسي، أو الماركسي ـ اللينيني (لمن يرغب)، هو كل شخص يتصف بالآتي:
1. أن يكون على قناعة راسخة بأن النظام الرأسمالي إلى زوال، وأن له بديلاً هو الاشتراكية. والاشتراكية تشكل تجاوزاً جدلياً للرأسمالية، وتكون أرقى منها، وأكثر حرية وعدالة، وأوفر إنتاجاً، وأغزر علماً، الأوّلية فيها للإنسان وليس للربح.
2. أن يتصدى لمظالم الرأسمالية ومفاسدها واستغلالها، وأن يناضل لتحقيق ما يمكن من مكاسب لصالح الجماهير الواسعة وخاصة الكادحين والفقراء.
3. أن يهتم بثقافته وذخيرته المعرفية ويحاول بقدر المستطاع الإلمام بالمنهج الجدلي المادي التاريخي في دراسة الظاهرات.
على هذه الأرضية المشتركة يقف الآن ملايين البشر، ولا ضير في أنهم موزعون على كيانات سياسية مختلفة، وبعضهم غير منتمٍ تنظيمياً. لأنه، على الأرضية المشتركة، يمكن إنشاء أبنية كثيرة، والإبقاء على مساحات واسعة للعموم. ومن الطبيعي أن تبقى هناك خلافات ومسائل عالقة، نظراً لاختلاف الرؤى وتنوع المصالح وتعدد الثقافات. ولكن هذه تحل بالحوار، وعلى مبدأ حسن الجوار!
إن الأخذ بهذا الطرح يعني الإقرار بوجود عشرات الملايين، وربما أكثر، من البشر الذين يمكن وصفهم أنهم أشباه ماركسيين أو أنصاف ماركسيين. وهذا أمر طيب للغاية لأن يفسح في المجال لإقامة تحالفات متعددة ومتنوعة تساعد على السير قدماً على طريق التقدم الاجتماعي.