انتقل إلى المحتوى
يهرفون بما لا يعرفون
عطية مسُّوح
قد يكون من باب التكرار أن نقول اليوم أيضاً: إن الماركسية لم تتعرض للإساءة من معارضيها بقدر ما تعرضت لها من دعاتها ورافعي راياتها، ولم يؤذها منتقدوها أكثر مما آذاها مادحوها. وليس هذا غريباً أو منافياً للمعقول، فالماركسية ظهرت بوصفها فلسفة ثورية، لا بد أن تلتقي مع حركة ثورية تغييرية هي حركة النضال من أجل العدالة والتحرر السياسي والاجتماعي، وبالتالي ستغدو بجوهرها ومفرداتها أداة أو (سلاحاً في يد الطبقة العاملة) كما يردد الكثيرون، فتتجاوز كونها فكراً فلسفياً يدعو إلى الحرية، وتصبح أساساً نظرياً لحركة سياسية.
هذه السمة التي نجدها في الماركسية أكثر بكثير مما نجدها في سواها من الفلسفات، كانت في سياق التطبيق ذات حدين، إيجابي وسلبي.
أما الحد الإيجابي، فهو ذو وجهين أيضاً، أولهما هو أن الفكر الماركسي صار على تماس مباشر بالواقع وتفاعل دائم معه، وهذا شرط لا بد منه لتطور كل فكر. والثاني هو أن الحركة السياسية استفادت من هذا الفكر بوصفه أداة منهجية لقراءة الواقع وفهمه واستنباط اتجاهات تغييره.
وأما الحد السلبي، فقد كان أكثر وضوحاً وأثراً. إذ إن الحركة السياسية، التي غدت بعد عقود قليلة من ظهور الماركسية، مؤسسات قوية ومتحكمة، حولت هذا الفكر الثوري التغييري إلى أداة بيد السياسة، ووسيلة فكرية لتسويغ تقلّباتها وذرائعيتها. هذه المؤسسات الحزبية، سواء أكانت حاكمة أم غير حاكمة، تعاملت مع الماركسية تعاملاً أهمل ـ بالدرجة الأولى ـ نزعتها النقدية التجديدية الحداثية، وحارب كل من يسعى إلى رؤية هذا الجوهر وتطبيقه في قراءة واقع الأحزاب والسياسات الرسمية والممارسات العملية في الدول الاشتراكية التي أعلنت اهتداءها بالماركسية.
وهكذا صارت فلسفة ماركس نهباً لنزعتين: نزعة تجميدية تصنيمية حالت دون تطورها وتجددها انطلاقاً من التجربة والتفاعل مع الواقع المتغير. ونزعة تسويغية تسعى إلى تسخير نصوص معينة لماركس أو إنجلز أو لينين لترويج سياسات ومواقف قد تكون واقعية وصحيحة، وقد تكون معبرة عن مصالح آنية معينة.
وليس غريباً أيضاً أن يكون مصدر هاتين النزعتين واحداً. فالإدارات الحزبية والسياسية التي تقاوم كل تطوير أو تجديد فكري، انطلاقاً من رفض الموقف النقدي أساساً، هي ذاتها التي قد تسخِّر الفكر لتسويغ السياسة وترويجها.
لكن المشكلة تتجاوز الحدين الإيجابي والسلبي اللذين ذكرناهما، وتتحول إلى مشكلة في الماركسية ذاتها، وفي عقول الكثير من حامليها. فحين تظل فلسفة كبيرة وذات حضور هائل، كما هي حال الماركسية في القرن العشرين ولا سيما في نصفه الأول، أسيرةً للنزعتين الضارتين المذكورتين، تخسر الكثير من حيويتها، وتفقد بعض نقاط قوتها، لأنها لم تتفاعل مع الواقع تفاعلاً فلسفياً، ولم تتجدد وتستوعب المعطيات الواقعية، ولم تنفِ، أو تبعد من التداول الفكري نصوصاً وأفكاراً ومفردات عتقت ووقعت في تناقض مع الواقع، ولم تستحدث نصوصاً وأفكاراً ومفردات تعبر عن التفاعل وتواكب التغيير المطلوب.
هذا في الماركسية ذاتها، أما في عقول بعض حامليها (وربما الكثير منهم) فإن المتابع للكتابات (الماركسية) والحزبية، ولما يطرحه (ماركسيون أصوليون) يجد العجب العجاب!
فثمة من لا يزال يردد العبارات والنصوص والمصطلحات ذاتها، التي ظهرت في أواسط القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، دون تفكير بما هي عليه في الظروف الحديثة، ودون النظر إلى الواقع وتبدلاته، ويكرر شعارات فرغت من محتوياتها، وصارت كلمات غير قابلة للتحقيق.
أتريد أمثلة ونماذج أيها القارئ العزيز؟ أم أنك مثلي تشاهد أمثال هؤلاء كل يوم وتسمع أقوالهم وتقرأ ما يقولونه عن الثورة المسلحة والعنف الثوري وديكتاتورية العمال وحرق المراحل ومنع الخصوم من العمل السياسي وتسويغ حكم الحزب الواحد وسيادة الرأي الواحد والاستهتار بالثوابت الديمقراطية وتطهير الأحزاب من المخالفين ومنع تكوّن التيارات والألوان فيها والركون إلى الأحادية في كل شيء وعلى كل مستوى، إضافة إلى مدح الذات وتسفيه الآخر وغير ذلك مما جرّ عليهم وعلى الحركة التغييرية عامة الانتكاسات وأوقعها في بؤرة الانعزال ووضعها عملياً في خط غير الخط الذي تظن أنها فيه.
إن مثل هذا (الماركسي) يعيش تناقضاً حقيقياً لا يدركه هو، ولا يدركه من هم على نمط تفكيره، إنه التناقض بين النزوع التغييري، الذي قد يكون صادقاً في حمله، والبعد عن الواقع وعدم القدرة على فهمه واستيعاب مستجداته، وبالتالي، العجز عن تطوير أدواته الفكرية وتجديدها. إنني لا ألوم هؤلاء على ما هم عليه، لأن جمودهم الفكري جاء نتيجة الاعتياد على استخدام العاطفة أكثر من استخدام العقل، والوقوع في شرك الماضوية، وهو شرك متجذر واسع الامتداد في بلداننا العربية، ولأنهم متأثرون بالنزعة التسليمية التي تطغى على مناهج التفكير في مجتمعاتنا ولأنهم في كثير من الأحيان يكتبون دون أن يتزودوا بمعرفة حقيقة كافية في الحقل الذي يكتبون فيه، فيهرفون بما لا يعرفون.
بهذا أدعو الشباب من ذوي النزوع اليساري وهم قوة التغيير والتقدم، إلى التعامل مع الفكر والواقع بطريقة أخرى، بعيداً عن التسليم والتكفير والجمود، أدعوهم إلى أن يتخلصوا من كل مايشدهم إلى دائرة الانغلاق، أدعوهم إلى التخلص من عقلية رفض الآخر التحلي بالرحابة والسعة التي تحتضن التنوع والاختلاف وتؤمن بالحوار، وتستبعد المفردات الاتهامية، التي درج عليها كثير من اليساريين والماركسيين في العقود الماضية. وسأضرب للشباب مثالاً، لعله يكون مفيداً: حين وصل لينين في أواسط العقد الثاني من القرن العشرين إلى نظريته (التطور المتفاوت للبلدان في ظل الرأسمالية) واستنتج فكرة (إمكان قيام الثورة وانتصارها في بلد واحد) وحدد هذا البلد بأنه (أضعف حلقات ظل الرأسمالية) أي روسيا، كان بذلك كله مخالفاً لنظرية من أهم نظريات ماركس، وهي نظرية أسلوب الإنتاج. لكن أحداً مما رفعوا ويرفعون سيف النضال ضد (التحريفية) لم يتهم لينين بالتحريف والخروج والارتداد وغير ذلك.
التحريف، أيها القارئ العزيز ليس نقيصة أو عيباً، ولا يمكن لفكر أن يتطور أو يتجدد إذا لم يعمد الباحثون فيه إلى المراجعة والتنقيح والتحريف، إنهم يقتلونه إذا جعلوا من نصوصه وعباراته ورموزه أصناماً مقدسة، وقد لا يكون ذلك القتل ناجماً عن كراهية لهذا الفكر، بل عن حرص عليه، وتعلّق به، وقد قيل قديماً: "ومن الحب ما قتل".