دول الخليج العربي و"الإخوان المسلمين"
دول الخليج العربي و"الإخوان المسلمين"
إسماعيل حسني *
منذ أسابيع قام مئات من المعلمين والمعلمات المنتمين إلى جماعات الإخوان المسلمين والسلف في وزارة التربية والتعليم بدولة الإمارات بالإعتصام أمام مبنى الوزارة مصطحبين أبناءهم وأزواجهم احتجاجاً على قيام الوزارة بإبعادهم عن الوظائف التدريسية إلى وظائف مكتبية بعيداً عن الحقل التربوي. ورفع هؤلاء يافطات التنديد بالقرار أمام عدسات وكالات الأنباء في محاولة لإبراز عضلاتهم من ناحية، وللضغط على الحكومة للتراجع عن هذا القرار من ناحية أخرى.
وهذا القرار الحاسم والشجاع الذي اتخذته وزارة التربية والتعليم في دولة الإمارات لم يأت من فراغ، وإنما جاء نتيجة لإحساس المسؤولين بالخطر من تدني المستوى العلمي في البلاد، وفي إطار استراتيجية شاملة لتحديث منظومة التعليم في الدولة وإعداد الشباب لمواجهة متطلبات سوق العمل في القرن الواحد والعشرين.
المثير هنا أن دول الخليج العربي كانت تعتبر تاريخياً العمق الإستراتيجي والملجأ التقليدي لهذه الجماعات، ويرجع ذلك إلى غلبة العاطفة الدينية على جيل الرواد المؤسس في هذه البلاد بحكم البيئة السلفية أو الوهابية المنغلقة التي كانت سائدة في تلك المناطق قبل الانفتاح الثقافي الذي أعقب إكتشاف البترول فيها. فلقد فتح هؤلاء الرواد بلادهم أمام هذه الجماعات والتيارات، واستقبلوا فلولها الهاربة من كل بلد بعد كل مغامرة سياسية فاشلة، وسمحوا لهم بالإقامة والعمل، فأقاموا في ربوعها، وحققوا فيها ثروات طائلة كان جزء كبير منها يوجه لتمويل أنشطتهم الهدامة في الكثير من البلاد، وتسللوا باللحى والعمائم إلى الكثير من المواقع خاصة في ميادين التربية والتعليم التي انتشروا فيها كالجراد، وقاموا بتعيين أقربائهم وكوادرهم في المدارس بصرف النظر عن المؤهل والخبرة والكفاءة، وأخذوا ينشرون آيديولوجيتهم المتطرفة بين الطلبة والطالبات.
ولما بدأ مئات الآلاف من خريجي هذه المدارس يتدفقون إلى سوق العمل، شعر قادة هذه البلاد أنه قد آن الأوان لأن يتحمل هؤلاء الخريجون المسؤولية عوضاً عن العمالة الوافدة خاصة الآسيوية منها والتي يحدث وجودها المتزايد خللاً خطيراً في التركيبة السكانية، إلا أنهم اكتشفوا أن أغلب خريجي هذه المدارس التي أنفقوا على تشييدها وإدارتها مليارات الدولارات لا يصلحون للعمل، لأنهم ببساطة لم يكتسبوا من العملية التعليمية إلى جانب إطالة اللحى، وتقصير الجلابيب، وتكفير الآخرين، سوى ضيق الأفق، وعدم الإيمان بقدرة العقل، واضمحلال التفكير، وإنكار تعددية الآراء، وكراهية الآخر، وانعدام القدرة على التفاعل الحضاري، أو كما يقول الكاتب الإماراتي "ناصر الظاهري" في جريدة الإتحاد شبه الرسمية بتاريخ 22/6/2008 إن هؤلاء الطلبة قد تمت أدلجتهم وتنميطهم وتأطير تفكيرهم نحو مسلك واحد، وطريق واحد يقود في النهاية إلى تحطيم المجتمع وخلخلة ولاءاته وانتماءاته، وذلك تحت شعارات الدين، والتقوى، وطلب الفضيلة، وإبعاد النشء عن مهلكات الدنيا وشرورها، وأنهم قد جبلوا على عدم استعمال العقل والإعتماد على الحفظ والنقل. وفي نفس العدد يضعها الكاتب الإماراتي "عبدالله رشيد" ناصعة البياض فيقول إن الدولة قد وضعت استراتيجية تعليم بعيدة عن طموحات المتزمتين الرامية إلى تشويه وتخريب عقول الشباب، وأنه على الإخوان والسلف الذين حولوا المدارس إلى دكاكين لترويج أفكارهم أن يدركوا أنه لا مكان لهم في المسيرة الحديثة للدولة. وأخيرا يقول "عبد الحميد الأنصاري" الكاتب القطري في نفس الجريدة بتاريخ 9/7/2008 إنه قد ثبت أن معظم من انضموا إلى الجماعات المتطرفة قد خرجوا من رحم هؤلاء المدرسين الذين هم في الحقيقة دعاة لا معلمين، وأن قرارات مماثلة قد صدرت في دول مثل السعودية وقطر وغيرها لمواجهة ظاهرتي "خطف المنابر" و"خطف المناهج" من قبل هذه الجماعات. ولقد أعلن هؤلاء الكتاب وغيرهم أن التهديدات بالقتل التي وصلتهم لن تثنيهم عن إبراز سوّءات هذه الجماعات المتطرفة وخطرها على المجتمعات.
هذا ما يحدث في دول الخليج ذات الثلاثين ربيعاً، أما في مصر ذات السبعة آلاف سنة حيث يحذر العقلاء والحكماء منذ عشرات السنين من خطورة تغلغل التيارات السلفية والإخوانية بأفكارها العدمية المتخلفة في مفاصل المجتمع ومجالاته الحيوية خاصة التربية والتعليم، فصرخاتهم تذهب دائما أدراج الرياح، لأن الحكومات المتعاقبة تستخدم هذه التيارات في تخدير الجماهير، وامتصاص غضبها، وكانت النتيجة ما نشهده الآن من انهيار كامل في في التربية والتعليم والثقافة والأخلاق على جميع المستويات، وفي كافة المراحل التعليمية، وأصبح لدينا أجيال من الخريجين لا تجد مكاناً في سوق العمل الخارجي ولا حتى الداخلي، فانتشرت البطالة، وعمّ الفقر، واستشرت كافة أنواع الجرائم.
فإذا كان مسؤولونا بما وراءهم من ريادة وعراقة وتاريخ حضاري طويل، قد انعدمت لديهم الرؤية لكي يحموا مجتمعنا من الغرق في مستنقعات التاريخ، أو ليس لديهم القدرة على اتخاذ القرارات المصيرية، في مواجهة هذه التيارات المتطرفة، فليتخذوا من دول الخليج العربي الناشئة أسوة وقدوة لعلهم ينقذوا الأجيال القادمة من المصير الأشد حلكة وسواداً.
* باحث في الإسلام السياسي