حول إشكالية دمج الإسلاميين: مرجعية دينية أم مدنية؟
حول إشكالية دمج الإسلاميين: مرجعية دينية أم مدنية؟
إسماعيل حسني
كتب الأستاذ منتصر الزيات في الدستور عدد 2/ 5/2009 مقالا بعنوان "إشكالية دمج الإسلاميين" طالب فيه بضرورة دمج الإسلاميين في المجتمع، وضرورة الاعتراف بالتيار الديني السياسي.
ورغم الكثير من العبارات القابلة للاشتعال التي سعى الأستاذ الزيات لتمريرها في ثنايا المقال على أنها حقائق متفق عليها، كالقول بأن الإسلاميين إنما لجأوا إلى العنف لأن أهل الحكم منعوهم من التعبير عن وجهة نظرهم، وهو ما يخالف الحقائق التي اعترف بها العديد من قادة فصائل الإسلام السياسي أنفسهم، وهي أن الرئيس السادات قد استعان بالإسلاميين لإحداث توازن في القوى مع المعارضة اليسارية والليبرالية، ولا يخفى على أحد الأدوار التي لعبتها شخصيات مثل محمد عثمان إسماعيل وأحمد كمال أبو المجد ومحمود جامع وعمر التلمساني وغيرهم في تلك الفترة التي أعلن فيها السادات أنه رئيس مسلم لدولة مسلمة، ولقب نفسه بالرئيس المؤمن، وسمح فيها للإسلاميين باعتلاء المنابر، وإقامة المعسكرات، وإصدار الصحف والمجلات، وقام بتغيير مواد الدستور لتصبح الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع، وأن الخلاف الحقيقي قد كان حول تعاظم سقف مطالب الإخوان وكأنهم اعتبروا أنفسهم شركاء في الحكم، كما فعلوا مع عبد الناصر من قبل، مما لم يكن السادات أيضاً مستعداً لقبوله، سواء من الإخوان أو من غيرهم، فبدأت المواجهة، ووقعت الواقعة، بأحداثها المؤلمة والدامية والمخزية والتي كان الوطن قبل السادات أول ضحاياها. إلا أننا نتفق مع الأستاذ الزيات في عدم الرغبة في نبش الماضي، ونشخص بأبصارنا معه نحو المستقبل.
يطالب الأستاذ الزيات بضرورة دمج الإسلاميين، وذكر الكثير من الأسباب المقنعة، من حيث أن دمجهم سيوقف العنف، ويخفف الاحتقان .. إلخ، ولكنه للأسف لم يوضح لنا كيف؟ وعلى أي أساس سياسي أو معرفي نقوم بدمجهم؟ ذلك أنه على طريقة المحامين النابهين قد استخدم في عريضة الدعوى عبارات ملتبسة تحار في أمرها الأفهام، مما يهدد برفض دعواه الطيبة شكلاً وموضوعاً.
فكيف يمكن لأي محكمة قبول النظر في دعوى تخالف قوانين العقل والمعرفة، فحين يقول الأستاذ الزيات: "ضرورة الاعتراف السياسي بالتيارات الدينية السياسية أو المدنية ذات المرجعية الإسلامية" فهو بذلك يخالف أول قوانين العقل وهو عدم الجمع بين النقيضين، فالقول بتيارات دينية مدنية أشبه بالقول بمشروب ساخن بارد أو بالمذنب البريء أو بالميت الحي، وهي تعبيرات إن جاز استخدامها في مجالات الشعر والأدب والإعلانات التجارية على سبيل المجاز، فلا يجوز أن تستخدم في المحافل السياسية والقانونية. فالديني إلهي والمدني إنساني، والديني مطلق والمدني نسبي، والديني مقدس ودائم وثابت والمدني مستهلك ومؤقت ومتغير. والأهم أن الديني لا يقبل القسمة، بينما المدني يمكن تقسيمه لأي عدد يتفق عليه من الأجزاء وهذا هو جوهر الحياة المدنية. والسير بعكس اتجاه هذا الأساس المعرفي يقود دائماً إلى أبشع النتائج، ويورد البلاد والعباد موارد التهلكة. فالخلط بين المطلق الديني والنسبي المدني يؤدي دائماً إلى تحجيم أحدهما للآخر أو تدميره كلياً، كما تفعل المتناقضات ببعضها دائماً، مما يعرض الأفراد والمجتمعات للإصابة بالعرج حين تفقد أحد ساقيها الديني أو المدني، ويثير كذلك تساؤلات حول الأساس المعرفي الذي تقوم عليه عملية الدمج التي يطالب بها إن أراد لها القبول والنجاح.
من هنا يحق لنا أن نتساءل عن الكيفية التي يقترحها الأستاذ الزيات لدمج ذوي المرجعية الإسلامية في الحياة السياسية لمجتمع ذي مرجعية مدنية؟ فالمرجعية المدنية تعني في الأساس احترام الدستور والقانون، وتدوال السلطة، وعدم المساس بالحقوق والحريات المدنية (الشخصية والسياسية والعقائدية) للمواطنين، وتساوي جميع مواطني الدولة في الحقوق والواجبات أمام القانون تطبيقاً لمبدأ المواطنة. فإذا كان هؤلاء يرفضون هذه المبادئ الأساسية فكيف يمكن دمجهم فيما يرفضونه؟ وإذا كانوا يقبلون بها فلماذا لا يعلنون ذلك صراحة فيريحوا ويستريحوا؟
من ناحية أخرى، نتمنى على الأستاذ الزيات أن يوضح لنا ما عناه في عبارة أخرى لا تقل التباساً عن سابقتها، وهي قوله أن عملية الدمج هذه يمكن أن تتم "إذا ما اتفق على تعريف عام للديموقراطية في ظل منطلقاتنا وحضارتنا وقيمنا وسلوكياتنا"، فهذه العبارة تعني أن الديموقراطية بتعريفها الحالي الذي نعرفه ويعرفه العالم كله لا تصلح لدمج الإسلاميين في المجتمع، ربما للأسس المعرفية التي شرحناها آنفاً، وأنه بصدد طرح تعريفٍ جديدٍ للديموقراطية في إيحاء ذكي للقراء بأن الديموقراطية التي نعرفها اليوم لا تتفق مع منطلقاتنا وحضارتنا وقيمنا وسلوكياتنا، مما يجعلنا في غاية الشوق لمعرفة كيف لا تتفق؟ وما هو التعريف الجديد المقترح؟ حيث أننا نزعم أن مفهموم الديموقراطية الحالي الذي يطبق في جميع بلاد العالم المتقدم، والذي نرجو أن نراه مطبقا في بلادنا رغم ما به من خروق وسلبيات هنا أو هناك، يتفق تماماً ولا يتناقض البتة مع كافة العناصر الإيجابية والقابلة للحياة في منطلقاتنا وحضارتنا وقيمنا وسلوكياتنا.
وأخيرا أحب أن أعبر عن سعادتي أن يدور هذا النقاش الديموقراطي في ساحة جريدة الدستور التي تكتسب جماهيرية ومصداقية يوماً بعد يوم.
* باحث في الإسلام السياسي i_hosni@hotmail.com
جريدة الدستور – القاهرة – 15/5/2009