"صخور الزمان" - دور العلم والدين في اكتمال الحياة

إسماعيل حسني قرأها 1,401
  

"صخور الزمان"

دور العلم والدين في اكتمال الحياة

    إسماعيل حسني

Ismail%20Husni.JPG 

لا أرى سبباً لحدوث أي تناقض بين العلم والدين، كما لا أرى سبباً لتوحيدهما أو تشييدهما تحت أي نظام موحد، فالعلم يجتهد ليؤصل الصفات الحقيقية للعالم الطبيعي، وينمي من أجل تلك النظريات التي تنسق وتشرح هذه الحقائق، أما الدين فيعمل بالدرجة ذاتها من الأهمية ولكن على صعيد مختلف تماماً، فميدانه يتصل بأسباب الوجود، وأهداف الإنسان، والمعاني والقيم، وكلها أمور لا يمكن الإستعانة عليها بمعطيات العلم المادية، التي تعجز تماماً عن حل رموزها وشرحها.

    العبارة السابقة التي استطاعت في إيجاز شديد وبلاغة رائعة أن تعرف لنا كل من العلم والدين وتميز بينهما في آن، لم تكن عبارتي أنا، بل هكذا مهّد عالم الحفريات الشهير، وعضو أكاديمية العلوم القومية الأمريكية "ستيفن جاي جولد" لكتابه الرائع "صخور الزمان". هذا الكتاب الذي أحسن "المركز القومي للترجمة" حين عهد بترجمته إلى المثقف المعروف الأستاذ "محمود خيال" أستاذ علم الأدوية بكلية طب الأزهر، والذي أبدع في جعل أفكار وإيحاءات ورموز العالم الأمريكي الكبير ميسّرة للقارئ العربي. ونظراً لأهمية موضوع الكتاب ومكانة المؤلف العلمية فقد قدم الكتاب العالم المصري الكبير الأستاذ د. إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية.

    يتناول الكتاب قضية العلاقة بين العلم والدين، واستطاع بعقلانية شديدة أن يبين أن الصراع المزعوم بينهما إن هو إلا صراعا مصطنعا، وأنه إذا كانت هناك ضرورة لاحترام العلم باعتباره مصدر التقدم الحضاري، فهناك أيضا ضرورة لاحترام الدين الداعي للقيم السامية ومصدر الطمأنينة الداخلية للإنسان، فالعلم والدين هما صخور الزمان التي يرتكز عليها تاريخ الحضارة الإنسانية، ولا يستطيع الإنسان الإستغناء عن أحدهما.

    ويرى المؤلف أن رفع التناقض بين العلم والدين، وإلغاء مظاهر الصراع المزعوم بينهما لا يكون إلا عن طريق الفصل بينهما، فصلاً إيجابياً وليس سلبياً، بمعنى أن يستقل كل منهما بمجاله، وأن يحترم كل منهما هذه الإستقلالية فلا يقحم نفسه في مجال الآخر، ويفرض عليه مناهجه وأدواته.

    ومن أجل تحقيق هذا الهدف يتبنى المؤلف مفهوم "الأروقة المتمايزة"، فللعلم رواقه الذي يعتمد على الحواس والملاحظة والشك والنقد والتجريب، وللدين رواقه الذي يعتمد على الحدس والإيمان الغيبي. ويضرب المؤلف مثلاً رائعاً بقصة الحواري "توما" الذي يعرف بتوما الشكّاك، حين ظهر المسيح بعد "موته" للحواريين في غيبة توما، فلما علم توما بالخبر قال "إن لم أبصره وفي يديه أثر المسامير.. لا أومن" فعاد المسيح للظهور وأظهر لتوما أثر المسامير فآمن توما حينها، فيعلمه المسيح معنى الإيمان الديني فيقول له "لأنك رأيتني يا توما آمنت، طوبى للذين آمنوا ولم يروا"، فتوما المسكين قد قام بتطبيق مبدأ العلم ولكن في الرواق الخطأ. 

    ويقوم المؤلف بشرح مفهوم الأروقة المتمايزة من جوانبه المختلفة، وكيف تم قبوله في العديد من الأوساط الدينية والعلمية، وأنه المفهوم الوحيد القادر على منع كل من الدين والعلم من تدمير الآخر، وما يؤدي إليه ذلك من نتائج سلبية على تقدم الإنسان وسعادته. ويضرب جولد أمثلة كثيرة في إسلوب تحليلي رائع ومبسط للغاية لتوضيح خطورة الخلط بين الأروقة، منها المثال الصارخ لرحلة كريستوفر كولمبس غرباً إلى الهند والتي انتهت باكتشافه لأمريكا، وكيف كان مبدأ الرحلة مرفوضاً من قبل قادة الكنيسة، تأسيساً على تفسير حرفي لنصوص دينية قاموا بإقحامها في رواق العلم وبنوا عليها نظريات تؤكد أن الأرض مسطحة وليست كروية، وأن كولمبس سوف ينتهي غرباً إلى حافة يسقط بعدها في هاوية سحيقة إلى الجحيم.    

    وبعد أن يستعرض الأسباب التاريخية لرفض مفهوم الأروقة المتمايزة، والقوى الرئيسية المتشبثة بهذا الرفض والمتمثلة أساساً في أتباع الكهنوت الديني، الذين يروا في هذا المفهوم تهديداً لكانتهم وسطوتهم، يغوص بنا المؤلف في أعماق النفس البشرية وراء الأسباب التي تؤدي بنا للخلط بين الرواقين، ليؤكد أن البشر يميلون للتعلق بقوة بأي عرض يمكن أن يقدم لهم راحة شاملة، مهما مهما كان متناقضاً مع الأدلة الملموسة والعلمية، وأن رغبة الإنسان في التسيد وتوفير قدر كاف من المواساة إزاء الخطوب المختلفة، تتطلب إعادة تشكيل الطبيعة في قالب معين، مما تأباه الطبيعة وتقاومه، وهي تمضي بقوانينها، ولا تأبه لاعتراضاتنا على مساراتها. ولجلاء هذه الحقيقة يقول جولد إنه ليس للطبيعة أخلاق، وهي ليست لا أخلاقية، فهي مشيدة بلا مرجعية مستندة إلى هذا المفهموم البشري الذي يحكمنا. فالطبيعة وجدت منذ دهور بعيدة قبل أن نوجد، وهي لم تعلم أننا قادمون، كما أنها لا تبالي بنا، لذا يبدو غريباً اعتبار الطبيعة ممثلة للأخلاقيات والجماليات التي نفضلها، لهذا فعلينا أن نبحث عن إجابات للأسئلة المتعلقة بالأخلاقيات والمعاني والقيم في المكان الصحيح، أي داخل أنفسنا.