لتكن اللغة موضوعاً للحوار
لتكن اللغة موضوعاً للحوار
عطية مسُّوح
ما نجده عند المسؤولين من اهتمام باللغة العربية، وسعي إلى نشر الفصحى وتعميمها يثلج صدورنا، ويقوي آمالنا بأن يسعى اللغويون والمشرفون على التعليم سعياً جدياً في اتجاهين أعتقد أنهما متلازمان:
الأول: هو السير في طريق تحديث اللغة وتجديدها.
والثاني: هو إعادة النظر بمناهج تدريس اللغة العربية إعادة جذرية، تجعل مادتها قريبة من قلب المتعلم وأساليبت تعلمها يسيرة محببة.
وليس تجديد اللغة أمراً طارئاً يطرحه الباحثون اليوم، بل هو قديم ومستمر، ومواكب للواقع الاجتماعي في كل زمن. ومن يقارن بين لغة الشعر أو الخطابة أو النثر الأدبي في العصر العباسي الأول، ولغتها فيما عُرف بالعصر (الجاهلي) أو في صدر الإسلام، يجدْ فروقاً كبيرة، لا تتعلق بالعسر واليسر والخشونة والليونة فقط، بل تصل إلى طريقة الصوغ واستحداث المفاهيم والمصطلحات. أما في عصرنا الحديث فقد طرح عدد من اللغويين والباحثين مسألة تجديد النحو، باتجاه التبسيط والتيسير، ومنهم الدكتور شوقي ضيف، الذي حمل أحد كتبه عنوان تجديد اللغة، وقدم اجتهادات قابلة للمناقشة، وللزيادة عليها والاقتداء بها في مجال تطوير اللغة وجعلها أكثر ملاءمة للعصر.
وبرغم أن نظرة الكثير من المبدعين العرب إلى اللغة، منذ العصر العباسي الأول، لم تكن نظرة تقديسية جامدة، فإن التطور الذي حققته لغتنا، ولا سيما النحو العربي، ما يزال محدوداً جداً، وما تزال المقاييس التي نعتمدها في تحديد الخطأ والصواب هي مقاييس القرن الثاني الهجري، والتي تقوم أساساً على اعتبار العربية لغة بداوة وصحراء، لا لغة حضر وحضارة. ويكفي أن نعلم أن الاحتجاج بما قاله أي أعرابي في البادية، والاقتداء به في النحو والصوغ وابتكار المفردات، هو قياسنا في البتّ فيما إذا كان المتنبي أو المعري أو أحمد شوقي أو بدوي الجبل أو شوقي ضيف أو طه حسين أو سواهم على خطأ أو على صواب.
ألا يمكن أن نطرح السؤال التالي: لمَ لا تنطلق مجامع اللغة العربية، من أننا غير ملزمين اليوم بالتفاصيل التي درجنا على إلزام أنفسنا بها؟ ولمَ لا نتحرّر من النظرة التقديسية السلفية، فتبحث المجامع، وهي تضم علماء لغة متخصصين موثوقين، أمر تطوير اللغة وتجديدها دون أن تقيس كل شيء بمقاييس الماضي، ودون أن تسأل عند بحث أية مفردة أو قاعدة السؤال التقليدي: هل ورد ذلك في لغة العرب؟ هل نجده عند الجاهليين أو في القرن الأول الهجري أو لا نجده؟
ولمَ لا نطلق أيدي علماء اليوم لاستحداث مفردات جديدة، وصيغ جديدة، وتخفيف عبء القواعد تخفيفاً يسهّل على المتعلم العربي أو غير العربي إتقان اللغة واستخدامها؟ أسئلة تحتاج إلى مناقشة واسعة، وحرة، وأؤكد كلمة (حرة) لأن الكثيرين سيطلقون أصوات الإنذار والتخويف، وربما التخوين، معتقدين أن تطوير اللغة والتحرّر من بعض قواعدها سيؤدي بها وبالتراث، إلى التهلكة.
أما الأمر الثاني، أي إعادة النظر بمناهج اللغة العربية المعتمدة في مدارسنا، فهو في غاية الأهمية. لأن تحبيب اللغة إلى الناس لا يتحقق إلا من خلال نماذجها الأدبية الجميلة والقريبة إلى القلوب. أما النصوص الشعرية والنثرية التي تتضمنها الكتب المدرسية فهي ـ في معظمها ـ تفتقر إلى الجاذبية، ولا تثير إعجاب التلاميذ، برغم جهود الكثير من المدرسين. وحين ينفر التلميذ من نص ينفر من الشاعر، وحين لا يجد في كتابه المدرسي نصوصاً جميلة وجاذبة ينفر من الشعر العربي، ومن ينفر من الشعر لا يمكن أن يحب اللغة ويتقدم في دراستها، إلا مرغماً.
أما الأساليب المتبعة في تدريس اللغة فهي ما تزال ـ برغم كل ما بذل من مساع ـ تقليدية ضعيفة الجدوى.
قد لا تكون مقاربة هذا الموضوع الكبير سهلة في مقالة محدودة كهذه، ولكن الحوار حول هذا الموضوع صار ضرورياً، ولا بد له من الظهور في الصحف والمجلات والندوات الواسعة كي يجد الطريق إلى الانتقال من الأقوال إلى الأفعال، وكي يقترب من الحياة اليومية وما تقتضيه من تطوير للغة.
لغتنا لغة قوية، تعب عليها الأجداد من شعراء ولغويين، ولكن القوة نسبية ومتبدلة، وحين لا تواكب اللغة العصر ومقتضياته، تفقد قوتها، وحين لا تكون يسيرة سهلة التعلّم تفقد انتشارها، وتخْلي المكان لعاميات شوهاء.