إلى مارون عبود
إلى مارون عبود
تاج الدين الموسى
لا صاحبة جلالة، ولا سلطة رابعة، ولا بطيخ مبسمر، بل مجرد كلام جرايد لا قيمة له لأنه لا يحلّ ولا يربط، أو مجرد حبر على ورق لا أكثر ولا أقل . .
هكذا تبدو لنا الصحافة عندما ينشر الواحد منا مادة صحفية يتحدث فيها عن مشكلة تعني جهة حكومية ما ولا تبادر هذه الجهة بمعالجة المشكلة، أو تكلف خاطرها بالرد ببضع كلمات على المادة المنشورة، تشكر كالعادة الصحيفة الغرّاء ذات المصداقية العالية التي نشرت المادة، وتطلب التكرم بنشر هذا الرد في نفس المكان الذي نشرت فيه المادة وفق قانون المطبوعات الشهير الذي ينتظر عباد الله أجمعين استبداله بقانون آخر منذ صدوره قبل نحو ثماني سنوات، تطيّب في هذا الرد الكاتب نفسه إذا كان من أصحاب النفوس الطيبة، وتراضي غروره إذا كان من المغرورين، ذلك بذكرها للمعوقات التي لم تمكنها من القيام بواجبها على أكمل وجه، أو أنها تشكر للكاتب ملاحظاته القيمة التي ستعمل بها بالتأكيد، أو تفند المادة المكتوبة برد ناري تتحدث فيه عن إنجازاتها على الرغم من حقد الحاقدين وتآمر المتآمرين الذين لا يجيدون سوى وضع العصي في العجلات والمساهمة في تسويد صفحة الشفافية وعرقلة مسيرة التطوير والتحديث ورؤية النصف الفارغ من الكأس فحسب .
أنا شخصياً لم أجد مادة مكتوبة تتحدث عن هذه المسألة: مسألة تطنيش الجهات والمسؤولين وجميع المعنيين من خاصة الناس أو عامتهم وعدم اهتمامهم بالمواد التي تنشرها الصحافة أو تتحدث عنها وسائل الإعلام الأخرى أكثر تشخيصاً من افتتاحية الكاتب مارون عبود لكتابه المعنون بـ (حبر على ورق) الصادر عام 1957 عن منشورات دار الثقافة في بيروت ضمن سلسلة (كِتاب الشعب) .
ومارون عبود من سادة النثر في التاريخ العربي مَثَلُه مثل الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وحسيب كيالي، وهو إلى ذلك التنويري الذي، على الرغم من أن أباه وجهه لدراسة اللاهوت ليصبح رجل دين، انحاز إلى الأدب لعشقه للتاريخ العربي واللغة العربية منذ الصغر، والذي أطلق في كبره على أحد أبنائه اسم (محمد) وهو المسيحي الماروني، ولا غرابة من أمر كهذا لأن الطائفة التي ينتسب إليها أنجبت العديد من أعلام عصر النهضة..
يقول مارون في افتتاحية كتابه: (يقولون لك اكتب.. وماذا تريدون أن نكتب؟
ومن يقيم وزناً لما نكتب؟
تعوّد الناس أن يقرؤوا ما يكتب بالقلم العريض، فماذا يؤثر بهم الهمز والغمز؟
الجلود مُتَمْسِحة وهيهات أن تغرز الإبر فيها، فلا بد لها من المسلات.
كان والدي يوصي الفلاح حين يسلمه الفدان ألا يكثر من النكز بالمساس، ويقول له: اسمه مساس يا نعمة، ومن اسمه تعرف كيف تستعمله.. الفدان الذي تنكزه دائماً يتعود، وهناك البلاء.
أنا أعتقد أن كثرة الكتابة وخصوصاً تلك التي تكتب بالنبوت لا تؤثر بأحد، وخصوصاً في هذا العصر الذي انهارت فيه المثل العليا وقل الحياء.. ألا يسمّون الكذّاب داهية، والدجّال سياسياً، والوصولي ألمعياً، والانتهازي عبقرياً، والأَنوف الأبيّ حماراً لا يعرف كيف يعيش!؟
وبعد أن يغرّب سيدنا وأستاذنا مارون عبود ويشرق، يقول: (كنت عزمت على ألا أخوض هذه الغمرات لأنني لا أحسن السبّ والشتم، ونحن في زمن لا يفهم ناسه إلا هذه اللغة، وأنا لا أحسنها، فشعاري: العبد يقرع بالعصا، والحر تكفيه الإشارة) لأن بعض القائمين على إدارة بعض الجهات الحكومية يدركون على ما يبدو أنه لا شيء يبهج قلب الكاتب أكثر من استجابة جهة ما لما يكتب، ولا شيء يقهره أكثر من إهمال هذه الجهات لما يكتب، لهذا يديرون ظهورهم للكاتب وكأنهم ما قرؤوا ولا سمعوا ولا درَوا.