مالك كورية.. موهبة موسيقية تشقّ طريقها إلى لعالمية

جان - كلود سابا قرأها 8
  

مالك كورية.. موهبة موسيقية تشقّ طريقها إلى لعالمية

جان - كلود سابا

 
مالك كورية عازف الباصون أو المزمار المزدوج ينفخ تراتيل مدينته القامشلي من تراثه السرياني.

بلغتُ إيمان مزماره المزدوج من صديقنا عازف الترومبيت راني الياس. ووضعنا لمسات حديثنا على الهاتف والإنترنت، ووصلتني سيرته في الوقت التي شهدت بيروت سيامة المطران دانيال كورية على أبرشية السريان الارثوذكس.

شهدت مدينة القامشلي ولادة مالك في التاسع عشر من أيلول سنة ١٩٨٢. نشأ وتعلم ضمن بيئة شديدة التعلق بالأخلاق والقيم الوطنية والمثل العليا ومن أبوين ينتميان الى الطائفة السريانية الارثوذكسية، وبذلا كل ما في وسعهما لتحقيق رغبات نجلهما البكر مالك طموحاته، وشجعا ميوله الموسيقية. وقد سارع الأب الى اقتناء آلة الأورغ الكهربائي الكيبورد حين كان مالك في الصف الثاني ابتدائي.

استمر في تمارينه على آلة الأورغ حتى الصف الخامس متابعاً بعدها العزف على الأورغ ولكن بشكل منقطع وبطريقة غير أكاديمية.

منذ نعومة أظفاره تشرب الموسيقى السريانية بشقيها الشعبي والديني، ويعود الفضل الى تدرجه في مدارس سريانية والى تواجده الدائم في الكنيسة وفي مختلف مؤسسات الطائفة كمركز التربية الدينية والفوج الكشفي الرابع.

ويعتبر مالك الفوج الكشفي السرياني المؤسس منذ عام ١٩٣٦ مهده الحقيقي في تعلم أصول الموسيقى إذ انتسب الى عداد الفرقة الموسيقية مكتسباً تقنية العزف على آلة الترومبيت، وواظب مالك في العزف على آلة الترومبيت ضمن الكشاف السرياني حتى صف البكالوريا.

منذ صغره عاش مالك نزاعاً بين عشق الموسيقى ودراسة القانون، حُلم ارتداء الروب الأسود ورثه من بيئته الوطنية التي دافعت في مجالات كافة عن وطنها، لذا قرر بعد حصوله على البكالوريا دراسة الحقوق.

انتسب سنة ٢٠٠٠ الى جامعة حلب حيث قضى سنة واحدة منتقلاً في العام التالي الى جامعة دمشق. هذا الانتقال يعود الى عشق مالك لهذه المدينة النابضة بالحياة وكونها المركز الوحيد لمختلف النشاطات الثقافية.

والتقى مجدداً بصديقه من أيام الكشاف راني الياس حيث كان طالباً في السنة الرابعة في المعهد العالي للموسيقى. قام راني بتعريفه على المعهد العالي ومنذ تلك اللحظة تعلق مالك بالمعهد وصار هاجسه الدخول اليه. وبعد فترة تحضير قصيرة على الترومبيت بإشراف راني، اقترح عليه صديقه التعلم على إحدى الآلات الموسيقية المطلوبة في المعهد والتي تفتقر الى عدد كافٍ من الطلاب وهي الباصون.

لم يكن مالك يعرف هذه الآلة مطلقاً، وبعد فترة تحضير تم قبوله في المعهد العالي للموسيقى وكان حينها مالك طالباً في السنة الثالثة في كلية الحقوق.

لقد كان راني الياس إبن مدينته وطائفته دوماً وما زال الداعم والمرشد الموسيقي الأكبر في المعهد وأدّى راني دوراً رائعاً في توجيهه نحو مسألة الاستماع والتذوّق الموسيقي. تدرّج مالك في الاستماع إلى موسيقى باخ وهاندل وفيفالدي وعموم الباروك ومن ثم انتقل الى تذوّق موزار وبيتهوفن مُتبحّراً في عالم الموسيقى الرومانتيكية الرحب والأقرب الى تكوينه.

في سنته الدراسية الأولى تأثّر بأستاذ الباصون الروسي فاسيلي ليونوف الذي كان له الدور الأكبر في التنشئة الصحيحة على الآلة الى جانب امتلاكه رؤية وتوجيهاً موسيقياً عظيماً، وهذا ما جعله يتعلق بالباصون أكثر وجعله ينفر منها في السنوات الثلاث اللاحقة فيما خلا ثلاث ورشات خلال ثلاث سنوات على الآلة استمرت كل واحدة منها عشرة أيام. لم يقم أحد بتعليمه على الآلة بل تم ذلك بشكل فردي واعتباطي.
لقد أدى إهماله للآلة الى الالتفات نحو جوانب موسيقية أخرى والاهتمام بالمواد النظرية كثيراً خصوصاً تاريخ الموسيقى ومادّة الهارموني. وأدى تطوره في الغناء الجماعي الى جعل فيكتور بابينكو، وهو قائد الكورال في المعهد، الى ان يشركه معه ضمن كورال الجمرة وهو كناية عن كورال من أربعة وعشرين مغنياً محترفاً، بقي مالك في عداد الكورال سنة واحدة وتركه نتيجة معاودة الحنين الى آلة الباصون في السنة الرابعة. وقد ساهمت ورشات العمل في تعلقه بالباصون، وزيادة ثقته بنفسه أكثر ولعب عازف الباصون السوري سليم نعمة دوراً مهماً في رجوع مالك الى الباصون. وآمن مالك إيماناً قوياً بقدرته على إنجاز وتحقيق رسالته الموسيقية في نفخ معبودته الباصون.

وحسم المايسترو ميساك باغبودريان قرار مالك بدعوته للمشاركة في حفل الفرقة السيمفونية الوطنية في مدينة اللاذقية.

لقد شكل ذلك الحفل محطة فارقة في حياته وتحول الحلم الى حقيقة، ومنذ ذلك الوقت يشارك مالك بشكل غير منتظم مع الفرقة في حفلات وبرامج مختلفة.

كانت السنة الثالثة في المعهد مُبشرة لمالك، ففي تلك السنة حضر أستاذٌ روسيٌّ مختص بالتأليف، حيث قبله ضمن صفه. وهنا قام بتأليف أغنيتين على لحنين سريانيين كنسيين ووزعها لكورال من أربعة أصوات، مما لفت انتباه الأستاذ الى هذا الأمر بسبب عراقة هذه الألحان الغارقة في القدم وجمالها الأخّاذ. تخلّف فترة من الزمن عن التأليف وعاد الى هذا المضمار منذ فترة وجيزة إذ قام بوضع لحنين لقصيدتين سريانيتين وتأليف خماسي لآلات النفخ الخشبية وينكبُّ حالياً على تأليف قصيد سيمفوني عن قصة شعبية سريانية.

منذ أربعة أشهر عرض عليه المايسترو ميساك العمل في كتابة مقالات موسيقية وتغطية لمختلف الفعاليات الموسيقية وذلك لصالح موقع ثقافي سوري رائد اسمه اكتشف سوريا.

يدرِّس آلة الباصون ومادة التوزيع الاوركسترالي في جامعة البعث - حمص، وفي معهد إعداد مدرسي الموسيقى بدمشق، كما يعمل كمدرس مساعد للأستاذة ديما القاسم لمادة تاريخ الموسيقى العالمية لطلاب السنة الرابعة في المعهد العالي، ويعمل معها كقائد لكورال مؤسسة "أمواج مسار" في مدينة اللاذقية إذ يذهب كل يوم سبت خصيصاً لهذا الأمر. وبمناسبة عيد الأم أقيم الحفل الأول للكورال بقيادة مالك كورية على مسرح دار الأسد للثقافة باللاذقية.

ويعزف مالك مع عازفي دمشق لموسيقى الباروك، وعزف مع الفرقة الفيلهارمونية السورية بقيادة ناهل الحلبي في أربع حفلات. وعزف مؤخراً مع أوركسترا كمان السيمفونية. مالك عازف منتظم في مهرجان توشيا الأوبرالي في ايطاليا، وعزف في حفل موسيقي مع مغني التينور العالمي مارسيل بيكمان.

لم تساعده الظروف في نفخ تراثه السرياني العالمي في بيروت التي استقبلت بحفاوة كبيرة سيادة المطران كورية.

مالك.. بيروت تنتظرك في كنيسة أنت من أركانها.

عن صحيفة الأنوار