غطرسة المدافع وهديل الأذان
غطرسة المدافع وهديل الأذان
د. حبيب بولس
حين تكون مجاوراً في مكان سكناك للمنصة الرئيسية في مدينة يهودية، خاصة ليلة الاحتفال بيوم استقلال الدولة، تصبح نهباً للهواجس وللقلق وللتفكير. ويصيبك كابوس رهيب يعذب النفس والجسد معاً، وتشعر بأنك مهما تحملت وكابرت وصبرت، انك غريب وبعيد رغم تقارب الأماكن. ينتابك شعور قاس بأنك مهما دربت نفسك وربيتها على قيم عليا ومثل سامية تنادي بالأخوّة وبالمحبة وبالتسامح وبالتعايش المشترك، يستشري النقيض عند المحتفلين. يصطرع في داخلك الجرح والواقع، تحاول ان تقبض على جرحك، تحاول ان تترفع وتتكتم على نكبتك، ولكن ما تسمعه في تلك الليلة يفتق الجرح وينكأه لينزف من جديد، ما تسمعه يجعل كل القيم تنهار، يجعلك تصل الى نتيجة حارقة جارحة تكاد تدفع بك الى اليأس.
تتعاظم عل نفسك وتتماسك وتكابر وتقول لعلّه أمر طارئ او لعلّها غفلة او سحابة صيف عن قريب تقشّع، ولكن ما تسمعه من خطابات وأغان جماعية وفردية، وما تراه من استعراضات عسكرية، وما يطلق من أعيرة نارية ومفرقعات تحرق وجه السماء يجعلك تحسّ بالغطرسة القومية المنفرة، وبالاستعلاء القومي البغيض، وبنغمة النحن، أي نحن فقط الموجودون على هذه الكرة الأرضية، ولا أحد غيرنا، وكأن العالم غير موجود، او كأن الشعوب الأخرى أقل قيمة وأهمية ومستوى، او لكأنها مغيّبة، تشعر بان استقلالهم شيء غريب عجيب يغاير استقلال باقي الشعوب، فهو لاهوتي، هبة ربانية، لا يمتُّ الى الناسوت بصلة. وانت الذي تربيت على احترام الشعوب، كل الشعوب، وأهرقت الكثير دفاعاً عن حرياتها، ودفعت ثمناً لاستقلالها رغم بعدك المكاني عنها، ماذا ستحسّ إزاء كل هذا؟