لعبة القدر - قصة قصيرة

بسّام الطعّان قرأها 858
 

لعبة القدر

قصة قصيرة

بسام الطعان

 لعب القدر لعبته، وبعث له هدية ولا أروع ، ثم ترك روحه تتعلق بآخر صدَفة تنبض في شواطئ عروقه إلى الأبد.

 لعبة لم تخطر على باله أبداً، تفيض بالشهد الكثير، ولها ينتشي الفل ويصفق الغار.

 كان الصمت يدهنه حين توجهت نظرته إليها وهي ترقص في حفل عرس وخصرها النحيل يهتز كأوراق الشجر، غسل وجه بماء الإعجاب، وبعد لحظات قليلة ملكتها مشاعره وسكنت بين الجلد واللحم.

 كانت تتقمص الأبهة، تسطع كنجمة في محراب الليل وكأنها قد انشقت عن بدر التمام، وجهها كان صافياً وتتماوج فيه أنهار، أثارت فيه حب الحياة، فأحس بها قريبة إلى نفسه بصورة لم يستشعرها من قبل، لحظتئذ يمَّم وجهه نحوها كزهرة العباد، فلم تنتبه إليه لأنها كانت تعزف على وتر سعيد.

 تمرّدت جوارحه وهو يراقبها بامتياز، وحين سمع صوتها، ترنّم به، وعانقها بملء أفراحه، بغتة ارتطمت نظرتها بنظرته، فشعرت بشيء من الخجل واخفضت رأسها، وحين تطلع إليها مرة أخرى، راحت ترشق وجهه بنظرات دافئة حنونة، وشيئاً فشيئاً صارت نظراتهما حمامة تذهب برسالة وتأتي بأخرى.

 جلست بعيداً عن الزحام، في مكان قريب من روحه، فوقف على مشارف حلم لذيذ، أطلق تنهيدة عميقة، أفرد لها مكاناً في وجدانه، تحول إلى طائر من ورق، يدور من فوقها ومن حولها.

 تضايقت من ضجيج المغنين والراقصين، فتسللت بهدوء وخرجت بهيئتها الأنيقة وهي تدثره بغطاء دافئ من عينيها الألاقتين اللتين خُيـّل إليه أنهما تشعان حرارة ومودة، تابع خطواتها الرشيقة حتى اختفت، خفق قلبه بإيقاع حنين، ولكن لم يدر لماذا دّب الفرح في عروقه، بقي جالساً في مكانه للحظات، وحين أحس بروحه تجد راحة بانضمامها إلى روحها لحق بها.

 تحت قرص القمر والنجوم المتلألئة، تفتحت مسامات روحيهما، فوقفا كأنما على رأسيهما الطير وكل منهما ينظر إلى الآخر بانتظار أن يبدأ بالكلام، وبعد لحظات جميلة حياها، فردّت بهسيس الكلام الجميل، تبدلت المعالم المحيطة بهما، فذهب في رحلة إلى داخل نفسه وهو ينظر إلى عينيها نظرة حنونة، وفجأة لمس يدها الناعمة فلم تبدي حراكاً كأن رقة الملامسة قد أخذت منها قواها فاستسلمت استسلام الزهور لتموجات الهواء.

 جلسا معا على حدود الحلم، وكان القدر يبتسم، ربما كان يخبّئ لهما مفاجأة سارة، ثم سافرا على طوافة صنعاها من نبضات قلبيهما وعطر أنفاسهما وهما يعانقان النسيم المشبع بالندى، وحين رسم لها لوحة عجيبة على شفتيه تنهدت تنهيدة عميقة وتطلعت إليه في حنان وتمنت أن تبقى معه إلى الأبد وأن تتعطل مواعيد الزمن.

 مَن يجمّـل الحياة غير عصافير الحب؟ عرفها إلى نفسه، وعرفته إلى نفسها وهما يختبئان بين أغصان الشجر، وبعجالة استجابا للعواطف وتركاها تتوالد وتنمو، فرشا في هدأة الليل الأماني، واستمر حديثهما طويلاً، طاف في دروب كثيرة، زار الماضي ثم عرج إلى الحاضر، مكث فيه قليلاً وانعطف إلى المستقبل.

 انساب الحب من مسارب وجدانه، فعبر إلى نبضات قلبها، زينها بميلاد حبه, بهمساته، بكل المعاني الجميلة، فمنحته جنسيتها وصار اسمه سعيد، وصار مكان إقامته حديقة من أروع الحدائق، وهناك لفته بأنفاسها، غمرته بعينيها، أطعمته خبزاً مصنوعاً من حرارة الجسد ، وسقته عصيراً بطعم الشفاه.

 ما إن ألقت السماء بذور الصباح في أعماق الظلمة، حتى عادا إلى الصالة لتجمعهما حرارة الأكف ودفء القلوب، وبعدها مسافاتهما تقاربت، خواطرهما توحدت، وتحول الشوق إلى سواقي وجد.

bassamtaan@yahoo.com