غزالة بين الدموع - قصة قصيرة
غزالة بين الدموع
قصة قصيرة
بسام الطعان
حلق في الفضاء الذي بدا له بهياً، فظن أن الكون كله سـيصبح ملك يديه، لكنه لم يتوقع أبداً أن يتبدل كل شيء في لحظة عبثية، وأن تتحول القرية كلها إلى عاصفة هوجاء لا تترك في نفسه إلا الخراب.
في يوم مخمور الأنسام، زار قرية قريبة من بلدته، في هذه القرية التي تحولت إلى جنة بالنسبة له، شاهد صدفة غزالة دافئة العواطف، تموج بجدائل معطرة، وتبوح بالعبير الطيب، فتملّكه شــوق مجلجل للتعرف إليها، وبسرعة لم يتوقعها، صار قلبه أخضر، وصارت عروقه مليئة بالحنين إلى الرحيل نحو عالمها الأرجواني، ولأنها باتت كنزه الثمين، بنى لنفسه من حولها عشاً دافئاً وطلب من قلبه الصبر بعد أن بشرّه بأن طريق الوصل الوصال سيفتح في القريب العاجل، لكن القلب لم يصبر، خرج من بين ضلوعه وركض باتجاهها، عناقها كثيراً وهي لا تشعر به.
مرت أيام قليلة, كانت بالنسبة له قرون طويلة، فحاول أن يأخذها لمحميته الخصبة، لكن محاولته باءت بالفشل، حيث كانت ذئاب القرية وأبقارها السائرة على دروب الحقد تراقبه. مَن أعطاها سلطة المراقبة مَن؟
لقامتها المغمسة بدمائه، ملتصقة بنظراته وأضلعه، ظل يزرع نفسـه على صخور دروبها، يفرش لهفته، يرتشف جرعة أمل وضباب أحزانه، يغني لأحلامه المسافرة عبر فضاءات كثيرة الألوان، ولم يكن يملّ من الوقوف بين أدغال الانتظار.
كم هو ظالم هذا البعاد..
كم تمنى أن يقايض قطعة عمر بقطعة لقاء..
أيقن أن معاناته وأحزانه تنتهي عند عتبة بابها، عـرف أنها طريقه الأول، غير أنه لم يعرف كيف ستغدو مبتغاه، ولأن قلبه دائماً يميل نحوها لم يرسم له سواها من دليل نحو عالم مليء بشقائق النعمان، تنبع منه أنهار ضفافها لينة وتموج بالمياه الصافية، وبقي يزور القرية إلى أن زغرد في قلبه الفرح وتلبسه النغم الجميل.
من بين هداة الليل وأدغاله، كانا يتسللان إلى رؤى الحياة البهيجة، يلتقيان بعيداً عن أعين الذئاب والأبقار، وخاصة ذلك الذئب العنصري، وبالقرب من نهر مفعم بالهدير المنطلق في خطوط متعرجة، يتفيآن بظل خمائل الود, يحلمان أحلاماً كثيرة، كل حلم له لون مغاير، يدغدغان بعضهما ويرحلان إلى شواطئ مليئة برمال خضراء ناصعة، وهناك يختبئان تحت الرمال ويمتعان بعضهما قبلات وآهات وتنهيدات.
كانت تمسّد شعره بحنان، تغني له بشجن عجيب، ومع صوتها الحنون كان يضمها إلى صدره، ويتلاعب بضفائرها التي تتمدد براحـة فياضة فوق كتفه.
إنها خلوده وهو جلجامش معاصر، فكيف لا تتوالى مواسم فرحه؟
في آخر موسم اتفقا على رسم لوحتهما في الحياة، وبدأ صوتهما يعلو متوحداً: "يا رب ساعدنا ولا تفرقنا".
حين حاولا في منتصف الليل أن يلحقا بقطار يسافر إلى مدينة ذهبية، بيوتها مليئة بالهوى والعمر المديد، نفضت فجأة كل ذئاب القرية وأبقارها عن عيونها النعاس وأحاطت بهما، كانت الذئاب متحفزة وتكشف عن أنيابها، بينما الأبقار تخور وتجعر كآلات ميكانيكية.
لا هو ولا هي كانا يملكان الأجنحة أو الأسلحة التي تخلصهما من العقاب، لذلك بقيا ينظران إلى بعضهما بعضا بقلق شامخ.
بغتة اقتربت بقرة كثيرة التجاعيد ومحشوة بالأوبئة ـ يا ألله كم كانت قبيحة ـ من الغزالة، وما أن اكتشفت أنها قد أعطته مفتاحها حتى ولْوَلت وراحت تنتف شعرها الأبيض وتكشف عن صدرها، عندئذ هجم عليه ذلك الذئب بمخالبه الفولاذية التي بدت كما لو أنها مصنوعة في أحد المصانع، ودون زمجرة أغرقه في بحيرة من الدماء، ثم ألقى به للأرجل الداهسات، في تلك اللحظة راحت الأبقار تغني وتصفق بصوت واحد وترقص على أنغام الهذيان، بينما الغزالة تتدثر بالظلمة ومن تحت قوائم الخوار القبيح تنظر إليه بشفتين مجروحتين تنزان بآهات مصلوبة.
bassamtaan@yahoo.com