حوار الأديب والقاص السوري تاج الدين الموسى
حوار تاج الدين الموسى: قالت لي وأنا أودعهاعند الباب: (خاطرك عمو تاج)! وتركتني إلى غير رجعة!
بقلم: خطيببدلة
في أواخر الثمانينيات فاجأ صديقُ عمري تاجُ الدين الموسى الوسطَ الأدبي فيسورية بموهبة قصصية فذة، وقصص مشغولة بذكاء و(حرفنة).. ليست قصصاً صغيرة تقوم على فكرة مسرودة بشكل بسيط ولغة حيادية، بل هي ذات نسيج صعب ومتين، لغتها حارة جداً، بل ولاذعة، وهي خلوٌ من أي نافل أو حشو أو استطالات أو فذلكات شكلانية.
قصصه سورية بامتياز، منحازة إلى الحب والحرية والعدالة والبسطاء، حادة وصارمة وجريئة جداً في وجه المتسلطين والفاسدين. وهنا أذكر ما قاله صديقنا الأديب الراحلعبد العزيز الحمصي ذات مرة: (مَن أراد في المستقبل أن يعرف ماذا يجري في سوريةاليوم فليرجع إلى قصص تاج الدين الموسى!).
في أواسط سنة 2008 شَرَّفَ حضرةُالمرض الخبيث المحترم (السرطان) واستوطن في رئة تاج. ولعل من حسن الحظ، أو من قلةسوء الحظ، أن إجراءات العلاج مشت كلها بنجاح حتى وصل إلى مرحلة يمكن أن نسميهاالشفاء.
قلت له: سأجري معك حواراً مطولاً لجريدة (النور). قال: أفهم من هذاالكلام أنني سأموت في القريب العاجل؟! قلت له: طبعاً ستموت، كلنا سنتشرف يوماً مابهذه النهاية العبثية التي تحمل اسم الموت. وقلت له: هات لي اسم كاتب (مبدع) واحدٍجسدُه ليس عامراً بالأمراض والأوجاع! وأنا أيضاً أعطيك أسماء أناس يصنفون معالمبدعين وهم من الإبداع براء، أجسادُهم رياضية، مثل الحديد، أو على حد تعبيرالمصريين (زي البومب)! وإذا أصيب أحدهم بالزكام فسرعان ما تهب جهة رسمية ما لإرسالهإلى أحدث مستشفيات العالم، حرصاً على صحة هذا (الأتحوفة) من أن تتضعضع! وأما أنتفحضرة السرطان المحترم نفسه حينما داهمك لم يحرك نخوة جهة رسمية ما لتقدم لك باقةورد! على كل حال فإن هذا الأمر، في المحصلة، لصالحك.
وبالمناسبة، وللحقيقة والتاريخ، أقول: لم ترَ عيني رجلاً أشجع من تاج الدين الموسى في مواجهةالأمراض.
والآن سنبدأ الحوار:
خطيب: أنت تحمل شهادة علمية لها علاقة بالنفط، وكنت ناشطاً في الحزب الشيوعي،فما الذي جاء بك إلى عالم الأدب؟
تاج: من يطلع على تاريخ الأدب سواء في بلدنا أم في البلدان العربية أم العالم فسيجد أن معظم الأدباء وأهمهم قد جاؤوا إلى عالم الأدب، وليس في جيب أي واحد منهم أية شهادة عليا من كلية آداب، أو متوسطة من معهد أدبي، أو حتى ثانوية عامة في الفرع الأدبي.. بل جاؤوا من عوالم أخرى.. عندنا مثلاً: نزار قباني وحسيب كيالي تخرجا في معهد الحقوق... عبد السلام العجيلي جاء من الطب... حنا مينه كان حلاقاً، وزكريا تامر كان حداداً.. وآخر شهادة حصل عليها عبد الرحمن منيف كانت الدكتوراه في اقتصاديات النفط من يوغوسلافيا يرحمها الله. محمد الماغوط جاء من الثانوية الزراعية في السلمية... حتى أنت جئت إلى عالم الكتابة من كلية العلوم الاقتصادية.
خطيب: برأيك، الشهادات العلمية أفضل بالنسبة للأدباء، أم أن هذا محضمصادفة؟
تاج: أعتقد أن مسألة نوع الشهادة ليست مهمة، فالموهبة المصقولة بالمطالعة تجيء في المقام الأول، تليها الخبرة القادمة من الدوام في مختلف صنوف وصفوف مدارس الحياة واختصاصاتها، من السهر في الكباريهات، والدبكة والرقص مع الحجيات، وصبّ البيتون بالتنك المحمول على الأكتاف، و(تعفير) الزيتون.. مروراً بحضور حلقات الذكر وضرب الشيش وإقامة الصلوات وراء أئمة عليهم القيمة، إلى ارتياد المقاهي والمطاعم وملاعب كرة القدم.
خطيب: لا تنس الجزء الثاني من السؤال.
تاج: تقصد نشاطي في الحزب الشيوعي ثم مجيئي إلى عالم الأدب.. هنا أشير إلى أن الحزب كان له الفضل الأول علي في دفعي نحو عالم الأدب عن طريق غرس حب المطالعة والمعرفة في نفسي منذ نشوء العلاقة بيني وبينه. وفي حدود علمي أن أكثر الكتاب في العالم كانوا على صلة ما بالأحزاب اليسارية، ذلك لأن لدى الكاتب إحساساً بالحياة أكثر من غيره، وهذه الأحزاب كان لديها إحساسٌ بالحياة أكثر من غيرها، لهذا جرى ويجري شيء من التواصل بين الكتاب وبين هذه الأحزاب.
لقد نشأتُ في ريف غارق في الفقر والعبادة... الفقر جعل قدميَّ لا تعرفان الحذاء الخاص بهما، أو حتى (الشّحاط البلاستيكي) قبل ذهابي إلى المدرسة في عام 1963 وعودتي إلى العبادة.
خطيب: أرى أن هذه النقطة بحاجة إلى توضيح.
تاج: أهل ضيعتنا (كفرسجنة) التي يزيد عدد سكانها اليومَ مع المزارع التابعة لها على ثلاثة عشر ألف نسمة كانوا في السابق يعبدون الله بطريقة واحدة، بسيطة، وفي مسجد واحد. أما الآن فيعبدونه بطرق عديدة معقدة، وفي مساجد عديدة، ويتبعون طرقاً عديدة... أيامئذ كنت مواظباً على إقامة الصلوات، خصوصاً صلاة الجمعة وصلاة التراويح في رمضان.. من الأول الابتدائي إلى حصولي على الثانوية، وطبيعي في بيئة كهذه أن تشغلني منذ طفولتي حكاية العدالة الاجتماعية التي اكتشفت وأنا في سن مبكرة أن هناك تعبيراً عنها في الفكر الماركسي الذي تعرفت على نتف من ملامحه عن طريق شخص معين، وليس عن طريق الكتب ووسائل الإعلام...
خطيب: هل كانت وسائل الإعلام تصل إلى ضيعتكم؟
تاج: أبداً. لم يكن في بيوت أهل ضيعتنا حينما كنت أنا طالباً في الإعدادية (أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات) سوى بضعة أجهزة راديو في بيوت بعض الميسورين، ولم يكن فيها من الكتب سوى المصاحف وبعض أجزائها، وكتب المناهج المدرسية للأبناء، وبعض كتب السير الشعبية كتغريبة بني هلال والزير سالم والأمير عياض وعنترة وعبلة وسواها التي ما أزال أحفظ بعض أبياتها إلى اليوم، مثل:
يقول الزير أبو ليلى المهلهل وقلب الزير قاسيمـا يلينا
وإن لان الحديد ما لان قلبي وقلبـي من حديدالقـاسيينا
خطيب: من هو ذلك الشخص الذي قرَّبك من الماركسية؟
تاج: كان مجرد فلاح من السقيلبية، فكما تعلم أنا من ريف محافظة إدلب المجاور لريف محافظة حماة، ومنطقة المعرة التي نتبع لها إدارياً قريبة من السقيلبية. كان ذلك الرجل يحضر إلى ضيعتنا في مواسم قطاف القطن، وكان نساءُ القرية يذهبن للعمل عنده وعند بعض المنتفعين من أرض الإصلاح الزراعي في الغاب. وكنت أنا أرافق أمي في بعض المواسم... في تلك الأيام كنت أعطي أذني (أصغي) أنا الطالب في أواخر المرحلة الابتدائية ثم في المرحلة الإعدادية إلى النقاش الذي كان يدور بين ذلك الشخص وبين بعض أعمامي وبعض أقاربي من طلاب المرحلة الثانوية، أو من الذين حصلوا على الشهادة الثانوية، ومعظمهم نشؤوا في بيئة (ناصرية).
كان النقاش يتناول مختلف نواحي الحياة .. ولأن حجة الرجل الضيف كانت أقوى، وأقرب إلى العقل والمنطق من حججهم، فقد كنت أنحاز إليه في سري، إلى أن اعتنقت هذا الفكر بشكل رسمي وعلني بعد حصولي على الثانوية في أواسط السبعينيات، ومغادرتي الضيعة باتجاه المدن للدراسة والعمل.
خطيب: قبل أن تكون أديباً كنت تقرأ الكثير من الكتب والمجلات والصحف، هل كانلثقافتك الواسعة دور في دفعك باتجاه الأدب؟
تاج: ليست قراءة الكتب وحدها أو الصحف والمجلات أو الثقافة الواسعة- حسب تعبيرك- ما دفعني إلى الكتابة، فمنذ انحيازي إلى التيار الماركسي الشيوعي كنت معنياً مع باقي المنتمين إليه بالبحث عن الوسائل التي تساعدنا على (التغيير). وكان هذا هو الشعار الأقرب إلى قلوبنا في تلك الأيام.
إن (التغيير) بحاجة إلى ثقافة واسعة لأجل فهم هذا الواقع وتفسيره حتى نتمكن من تغييره. لذلك أقبلت على القراءة بنهم شديد، خصوصاً في الفترة التي شكلت العقد الثالث من عمري، أي بين العشرين والثلاثين، لكن بعد أول زيارة (لبيت خالتي!) التي أعقبتها عشرات الاستدعاءات الأمنية في النصف الأول من عقد الثمانينيات من القرن الماضي، اكتشفت أن (التغيير) مسألة في غاية التعقيد والصعوبة، خلافاً لما كنت أعتقد، وهو يحتاج إلى (هزّ أكتاف!) وإلى أجيال وأجيال.. بينما كنت أنا أنتظر نضوج الطبخة لأتذوقها مع باقي الطباخين.
لعل هذا كان أحد أسباب لجوئي إلى الكتابة في أوقات الفراغ.. كخيار للبحث عن ذاتي التي وجدتها في الكتابة أكثر من السياسة، وحين شرعت (أخربش) أو (أقرزم)- على حد تعبير أستاذنا حسيب كيالي- كنت أقترب من الثلاثين، وكنت قد اطلعت على تجارب قصصية وروائية وشعرية ونقدية هامة.
خطيب: أنا أعرف كيف بدأتْ علاقتك بالنشر .. ولكن معظم القراء لايعرفونها.
تاج: في النصف الثاني من عقد الثمانينيات كان الشاعر الأستاذ شوقي بغدادي يحرر صفحة لها علاقة بـ (الأصوات الجديدة) في صحيفة (الأسبوع الأدبي). أرسلت إليه أول قصة أكتبها، ولم نكن يومئذ نعرف أحدنا الآخر، فنشرها، مع مقدمة أبدى فيها استغرابه من أن أكون أنا واحداً من أصحاب (الأصوات الجديدة).
خطيب: نظراً للنضج الفني الذي وجده الأستاذ شوقي في القصة اعتقد أن كاتبهامحترف أو مخضرم. أليس هذا ما كان؟
تاج: بالضبط. ولكنني، حتى الآن، وبعد كل هذه السنين لست محترفاً ولا مخضرماً. أنا كاتب في أوقات الفراغ، أو في الزمن الضائع.. كاتب هاو، وذلك لأنني أداوم ثماني ساعات في دائرة حكومية (سادكوب- محروقات)، وأنام سبع ساعات، والمتبقي أوزعه بين مشاكل البيت ومتطلباته، والقراءة الورقية، وعبر الإنترنيت.. ولا يبقى للكتابة سوى القليل... لهذا خلال ما يزيد على عقدين من علاقتي بالكتابة أو ما يقرب من ربع قرن لم يصدر لي أكثر من خمس مجموعات قصصية، وتمثيلية تلفزيونية واحدة.. إضافة، طبعاً، إلى مئات المواد الصحفية من زوايا وتحقيقات ومراجعات لبعض الكتب.
ثمة من يقول إن هذا العدد قليل، لكني بيني وبين نفسي أقول إنه يكفي ويزيد ... أصلاً لو لم أنشغل بالمرض في هذه المرحلة كنت أفكر بالانتقال إلى كتابة الرواية كخيار آخر للتعبير عن نفسي.
لدي نقطة أخرى أرجو أن تقبلها ولا تحذفها من الحوار بدعوى أنها تحرج تواضعك.
خطيب: أعتقد أننا أصبحنا في عمر لا يُحرجنا فيه قول الحقائق، ولا الذم ولاالمديح. تفضل.
تاج: أحب أن يعرف القراء أن من دوافعي للكتابة القصصية تعرفي على خطيب بدلة في أواسط الثمانينيات. كان خطيب يومذاك قد كتب بعض القصص ونشر بعض الزوايا الصحفية الساخرة، على ما أعتقد، وكنت أنا في بداية مناوشتي للكتابة... شجعني خطيب كثيراً، وانطلقنا معاً. وكان كل منا يقرأ للآخر أولاً بأول ومن ذاك اليوم لم نفترق.
أحب أن أنبّه أيضاً إلى أن خطيب بدلة لعب دوراً كبيراً في تأسيس الحركة الأدبية الراهنة في محافظة إدلب، ورعايتها في العقود الثلاثة الأخيرة، من خلال تشجيعه لأصحاب المواهب الجديدة على الكتابة، ومساعدته إياهم في نشر أعمالهم.
خطيب: أنت ابن قرية ليست متقدمة حضارياً كباقي القرى، وقد كتبتَ عن القريةعدداً كبيراً من قصصك الأولى، حتى ظن بعض المتابعين أنك ستحصل على لقب من قبيل (كاتب القرية)، ما الذي جذبك- أدبياً- إلى أجواء القرية وعلاقاتها؟
تاج: أعتقد أن صياغة مطلع السؤال يجب أن تكون على النحو التالي: (أنت ابن قرية متخلفة أكثر من غيرها من القرى، وقد كتبت عن القرية)... إلى آخر السؤال... لأن وجود قرى متقدمة حضارياً عندنا يحيل إلى مدن تعيش على سطح القمر، وإلى بلدان تضاهي السويد، وأمم تضاهي الجرمان.
ثمة، بالطبع، فروق بين ريف منطقة ما وريف منطقة أخرى، وبين قرية وقرية أخرى، من الناحية الاجتماعية فحسب، لأنه من النواحي الأخرى لم تعد هناك فروق تذكر، خصوصاً في العقود الأخيرة، فكل القرى تتصل بالمدن بطرق معبدة، ووسائل النقل أكثر من الذباب والبق في فصل الصيف... فوق كل البيوت تنتصب الصحون اللاقطة، وفي جيوب الجميع أجهزة الخلوي، والكل يرسل بناته إلى المدارس... الفرق اجتماعي فحسب.. في الأكل واللبس والشرب والعلاقات الاجتماعية.
(كاتب القرية) لقب جميل، ولو كان هناك مسابقة للحصول عليه لتقدمت إليها متحمساً... البيئة عندي مكون رئيسي من مكونات القصة، وهي التي تمنح النكهة الطيبة للقصة... رَحِمان لا يمكن للإنسان أن ينساهما حتى يدثره التراب: رحم أمه، ورحم الأرض التي خطا عليها أول خطواته... لهذا نرى أن معظم الكتاب لا يكفُّون عن تناول موضوعات يستقدمونها من الأماكن التي ولدوا فيها وعاشوا فيها حينما كانوا أطفالاً وفتياناً يافعين، قبل أن تستقطبهم المدن للدراسة والعمل... كم من الزمن عاش حسيب كيالي في إدلب؟ بضع سنوات لا تتجاوز ست عشرة.. وعلى الرغم من ذلك لا تخلو قصة كتبها من إدلب وأهل إدلب ونكهة إدلب.
فوق هذا كله أنا أدرى بأمور القرية من المدينة على الرغم من سكناي المدن منذ ثلاثة عقود وأعرَفُ بأحوال ناسها.. لهذا أجد نفسي في النص المتعلق بالقرية. هكذا كان الأمر في مجموعاتي القصصية الثلاث الأولى: (الشتيمة الأخيرة)، و(مسائل تافهة)، و(حارة شرقية وحارة غربية).. أما في مجموعتيَّ الأخيرتين: (سباق بالمقلوب) و(الخائب) فتحضر المدينة مع القرية، وهذا طبيعي ضمن تحولات التجربة بعد الإقامة مدةً طويلة في المدينة.
خطيب: كل واحد منا كان يحمل في بداياته عدداً كبيراً من العقد النفسية، (أبرزهاعقدة القروي أو الريفي)، أخذنا مع الأيام نتخلص منها، هل تعتقد أن ما كنت تحمله منهذه العقد النفسية ساهم إيجابياً أو سلبياً في تعميق خطك القصصي؟
تاج: ربما كانت عقدة الخجل هي الأخطر لدي.
إن لدى الريفي الذي هجر قريته لإتمام تعليمه، ثم استقر في المدينة للعمل، وهماً يتعلق بالاندماج في الأوساط المدينية بعد التخلي عن نشأته الريفية.. وحينما يفشل في الاندماج يعود إلى قواعده سالماً، بالجلابية والشنبات بعد أن خاض تجربة ثبت له أنها لا تختلف عن حكاية الكائن الذي حاول أن يتعلم الطيران ففشل بعد أن كان قد نسي المشي.
كنا نعتقد في البداية ـ نحن أبناء الريف ـ أن المدينة هي مجرد ارتداء للبنطلون والقميص بدل الجلابية، والبيجاما بدل السروال، واستبدال (الآف) بحرف القاف، واستبدال الملعقة والشوكة والسكين بـ(الخاشوقة).. وحلاقة الشارب... إلخ... وهكذا فإن واحدنا إذا جلس إلى الطعام لا يشبع، وإذا دخل في نقاش لا يستطيع أن يعبر عن نفسه.. دواليك، حتى يكتشف أن القضية أعمق من هذه المسائل.. ووقتئذ يكون قد أمضى جزءاً مهماً من حياته دون معنى... المسألة برأيي لها علاقة بالتكوين النفسي منذ الصغر... بالقالب الذي خرج منه الإنسان.. ولعل عودتي إلى الريف في أكثر قصصي تعبر عن عمق انتمائي إليه أكثر من انتمائي إلى المدينة على الرغم من إقامتي فيها طيلة هذه السنين.
خطيب: نحن جميعاً، في المحصلة، من الأدباء المتحررين الذين يناصرون قضيةالإنسان بشكل عام، وقضية المرأة بشكل خاص. ولكن ألا يحدث أحياناً أن واحدنا فيالواقع يتصرف بعكس مبادئه وقناعاته نتيجة ظروف معينة؟ هل يوجد لديك مثل هذاالتناقض، وما تفسيره إن وجد؟
تاج: لن أزعم أنه لا يوجد لدي مثل هذا التناقض على الإطلاق... ربما ينعدم وجود تناقض كهذا لدي، أو ينحسر إلى الحدود الدنيا، نتيجة إيماني بفكر يدعو إلى حرية الإنسان وإطلاقه ليطير بجناحين ويحلق بعيداً عن كل ما يعيق حركته نحو الأجمل والأكمل... ربما بقايا من رماد قد سكنت في داخل كل منا نتيجة نشأته والبيئة التي يعيش فيها وتجلت في العقل الباطن.. أعتقد أني عبرت عن ذلك في العديد من القصص.. مثلاً في تناقض علاقة الأب بين ابنه وابنته في قصة (كلام الليل).. وتناقض الرجل في علاقته بالمرأة في قصة (الخائب).
خطيب: أنت- برأيي- أنموذج فريد بين الكتاب، فأنت صريح جداً، وجريء جداً، ومتحمس جداً لأفكارك، بمعنى أنك تخلق لنفسك المتاعب أحياناً، هل كان لهذا النوع من الشخصيةالتي تمتلكها دور إيجابي أو سلبي في مسارك الإبداعي؟
تاج: إذا كانت مثل هذه الصفات عندي، بجد، فأعتقد أنها تعود إلى البيئة التي عشت فيها... خرجت من قرية لا يعرف أهلها شيئاً عن الإتكيت أو الدبلوماسية، أو كما يقولون في الكلام الدارج (اللَحْمَسة)! في ضيعتنا، مثلاً، كان لنا قريب فقد إحدى عينيه وكان الناس ينادونه بلقبه، بحضوره، بعد أن نسوا اسمه تماماً: جاء الأعور وراح الأعور.. وهكذا يكون المثل المعروف الذي يدل على الصراحة منطبقاً على أهل ضيعتنا وعليّ أيضاً.
في ذلك الوسط الذي نشأت فيه وعشته في القرية، إذا تحدث أحد من الناس بشيء غير واقعي فسيجد من يقول له بكل وضوح: أي حاج تكذب ياه.. أو حاج تخرط... في المدن التي تنقلت بينها للدراسة والعمل بعد حصولي على الشهادة الإعدادية من مدرسة الضيعة (كفرسجنة) وهي: خان شيخون وحماة وحمص فإدلب التي أعيش فيها منذ عام 1990 كانوا يصفونني بالـ(ضيعجي) والـ(جلف) حين أعبرّ عن رأيي بصراحة... ومثل هذا الأمر سبب ويسبب لي المزيد من وجع الرأس ويجعلني أعيش في غربة عن محيطي، ويجعلني شخصاً غير مرغوب فيه لدى الكثير من المواقع من الجنسين.
في أواخر العشرينيات من عمري كنت أرافق صَبيّة بالذهاب لحضور نشاطات ثقافية وفنية، وكنا نجلس أيضاً في أماكن عامة، حتى إنها زارتني في الشقة التي كنت أعيش فيها وحيداً. وكنت أمضي الوقت معها بالحديث في السياسة والثقافة وسوى ذلك.. وذات مرة كانت في زيارتي، فقالت لي وأنا أودعها عند الباب: (خاطرك عمو تاج)! وتركتني إلى غير رجعة.
خطيب: يبدو لي أن الحق معها.
تاج: طبعاً. ولكن هذا أنا. وبما أن هذه (سيرة وانفتحت) سأروي لك حادثة أخرى. في أواخر عام 1988، أي في بداية علاقتي بالكتابة إذ لم يكن قد نشر لي سوى بضع قصص، وفي سهرة جمعتنا بالراحل ممدوح عدوان، في بيت صديق في حمص، بعد انصرافنا من تأبين المسرحي الرحل فواز الساجر في أربعينه. أراد المرحوم ممدوح أن يعرف رأينا بالقصيدة التي ألقاها في التأبين. أنا قلت رأيي، كالعادة، بصراحة، ومن دون لحمسة، فقال لي (وكان سفيهاً يرحمه الله): زوجتي أبدت رأياً مثل رأيك فقلت لها تلحسي!
وكيلا أسبب لنفسي المزيد من الأذى، فقد كففت عن إبداء الرأي في أي شيء في السنوات الأخيرة، خصوصاً إذا كان سلبياً، أو بتُّ أبديه بحدود ضيقة جداً.
خطيب: برأيك هل (الديبلوماسية) ليست ضرورية في مثل هذه المواقف؟
تاج: الديبلوماسية لا تعني (الكذب)، ولكنها على ما يبدو مشتقة منه. أعتقد أنه لا يصح في الأديب المثل القائل: (أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه). من المعيب أن يكذب الأديب... أن يكون فاسداً... أن يداهن أو يتملق أو ينبطح لأحد... أديب من هذا النوع لا أعرف مدى الصدق حتى على الصعيد الفني الذي سيمتاز به نصُّه... بهذا الخصوص، وفي رده على أحد رسائلي، كتب إلي المرحوم حسيب كيالي ما معناه أن الكاتب الفلاني الذي تزعمون أنه كاتب كبير لا يستحق القراءة، لأنه نصاب استدان مني مبلغاً وفركها من الإمارات وهذا وجه الضيف.
خطيب: على ذكر حسيب كيالي. أنت قلت في تصريح قديم لك: نحن خرجنا من عباءة حسيب كيالي. أنت بالذات هل كنت متأثراً بحسيب كيالي حقيقةً؟ ماذا عنيت بهذهالعبارة؟
تاج: نعم، قلت هذا في لقاء أجراه معي الكاتب الصديق نجيب كيالي ونشره أولاً في جريدة (البعث) ولاحقاً في جريدة (الخليج) بعد حصول مجموعتي القصصية الثانية (مسائل تافهة) على الجائزة الأولى بمسابقة الدكتورة سعاد دورة عام 1992، وصدورها عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في ذلك الحين، وعن مكتبة الأسرة في مصر ودار الينابيع في دمشق لاحقاً. ولم أكن أقصد به الإساءة إلى أحد من كتاب إدلب بالذات، وأنا واحد منهم، حتى يستنفر عليّ البعض على أساس أنه نسيجُ وحدِه، على الرغم من اعتقادي الجازم بعدم وجود كاتب في العالم يمكن وصفه بالـ(نسيجُ وحدِه).. فكل كاتب يتأثر ويؤثر في الآخرين، حتى الأنبياء تأثروا وأثروا بعضهم في بعضٍ.
خطيب: لا أذكر أن أحداً استنفر، أو زعل، فعبارتك كانت صائبة، ومعظمنا لا ننكرتأثرنا بهذا الكاتب الكبير.
تاج: هو كبير جداً بالطبع. ولكن دعني أوضح الفكرة أكثر. إن القول المتعلق بالخروج من العباءة هو بالأصل لدستويفسكي الروسي العظيم الذي قال: (كلنا خرجنا من معطف غوغول). والمعطف عنوان لمجرد قصة قصيرة لغوغول. ودستويفسكي عندما قال مثل هذا الكلام لم يكن أقل قيمة إبداعية من غوغول، بل قد يكون أكبر منه بكثير، أو هو بالتأكيد من أكبر الروائيين عبر التاريخ. ورغم ذلك كانت قصة المعطف بداية الطريق لأدب عظيم لاحق... حسيب كيالي فتح لنا الباب باستخدامه للسخرية فيما كتب، معتمداً على لغة جديدة، مفرداتُها قائمة على تفصيح العامية، وموضوعاتها قصص الناس البسطاء، وقد أطلق الناقد الصديق الدكتور نضال الصالح على هذا الشكل الكتابي: (السرد الكيالي). معظم كتاب إدلب قريبون من هذا السرد... وبالنسبة إليّ يعدّ حسيب كيالي من أكثر الكتاب الذين تأثرت بهم.
خطيب: ثمة تحول فكري كبير شمل معظم الكتاب. فمع أننا لم نكن واقعيين اشتراكيين بالمعنى الحرفي للكلمة، فقد كنا متحمسين للمبادئ الاشتراكية، وعبرنا عن ذلك فيقصصنا الأولى. الآن تغيرت الظروف، وصار همنا الأساسي الدفاع عن حرية الإنسان وعن الديمقراطية، وأنت أبرز هؤلاء المتحولين فكرياً في هذا الاتجاه.. ما رأيك بهذاالكلام؟
تاج: لم أفكر في يوم من الأيام بالمدرسة النقدية التي يمكن أن أصنف تحتها، ربما كان هناك مدرسة واقعية ينتمي إليها معظم الكتاب في العالم، أو لنقل واقعاً ننتمي إليه... وطبعاً سيتجلى هذا الواقع في معظم كتاباتنا.. أما ما قيل عن واقعية واشتراكية فأعتقد أن فيه شيئاً من التعسف.
على كل حال.. نشأت هذه التسميات في ظل وجود معسكرين متصارعين في العالم: الاشتراكي والرأسمالي، وكان الذين أسطروا هذه المدارس، وأطلقوا الأسماء عليها، من السياسيين والعاملين في المجال الأيديولوجي، لا من العاملين في مجال الأدب والنقد.. فكان جدانوف والجدانوفية في الاتحاد السوفييتي.. ومكارثي والمكارثية في الولايات المتحدة الأمريكية... مثل هذه التسميات لم تمنع من ولادة أدب عظيم في الشرق على أيدي أدباء كبار محسوبين على النظام الاشتراكي مثل غوركي وشولوخوف وإيتماتوف وحمزاتوف وسواهم.. أو تحت اسم المنشقين مثل أبلوموف وباسترناك وسولجنتسين وسواهم. كنا متحمسين للاشتراكية، ومازلنا.. وكنا متحمسين للدفاع عن حرية الإنسان والديمقراطية ومازلنا... أنا شخصياً منذ أن تعرفت على الفكر الاشتراكي أدرت ظهري لستالين، ولمنظومة القمع التي أنشاها. وكنت أقرب إلى معارضيه الذين كانوا أكثر ثقافة منه مثل بوخارين وتروتسكي وكامنييف وزينوفييف وسواهم من الذين صفَّاهم ستالين بتهم ملفقة... صفَّاهم لكي تخلو له الساحة من جهة، ولكونه يغار منهم كمثقفين ولشعوره بالدونية تجاههم.
أنا كنت وما أزال أرى أن العامل الحاسم بانهيار الاتحاد السوفييتي والدول الأخرى التي أنشاها في أوربا الشرقية هو غياب الديمقراطية وليس (السي آي إي) والموساد وغورباتشوف كما يعتقد البعض.
خطيب: إنك لم تكتف بهذا التحول فقد كتبت قصصاً تهكمت فيها على المرحلة السابقة، وتحدثت عن جماعة من لاعبي الطرنيب في القرية الافتراضية التي أسميتها (المركونة) أصبحوا يذهبون إلى (فراطة) الاتحاد السوفييتي المرحوم ويشترون شهادات الدكتوراه. هل كنتم تجترحون بعض النقد للمنظومة الاشتراكية قبل انفراطها؟ أم أن عيوبها لم تكن مكشوفة لكم؟
تاج: قلت -ممازحاً- لأحد الأطباء الذين يشرفون على علاجي، وهو متخرج من إحدى جامعات الاتحاد السوفييتي: ليس لديك مشكلة سوى أن شهادتك من بلد شرقي..! ولكن في الحقيقة، ومع الاعتراف بالمراحل المتقدمة التي وصلت إليها دول ما سمي بالمنظومة الاشتراكية، والسوية العالية التي وصلت إليها جامعاتها، لا يضيرنا أن نقول إنها كانت تقبل- على سبيل المساعدة- ما ترسله إليها دولُ العالم الثالث من طلاب، خصوصاً من الأحزاب اليسارية. وجزء كبير من هؤلاء من أصحاب العلامات المتدنية، وبالنتيجة كان هناك خريجون من ذوي الكفاءات المتدنية.. مثل المظليين عندنا في فترة من الفترات. وإذا كانت ظاهرة كهذه في حدود ضيقة في الماضي فقد تفاقمت في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق بعد انهياره، وفتحت هذه الدول أبواب جامعاتها لكل من هبَّ ودبّ من الكسالى. حتى إن العديد من معارفنا حصل على شهادات كهذه (وأنت تعرف بعضهم بالاسم)، وقد عبرتُ عن هذه الظاهرة بقصة بعنوان: (رسالة إلى المرحوم) اقصد الاتحاد السوفييتي.
خطيب: أنت كاتب ساخر، معظم النقاد الذين يتحدثون عن الأدب الساخر يضعونك في الصف الأول من صفوف الأدباء الساخرين في سورية. هذه الصفة كيف حصلت عليها وأنتالرجل ذو الملامح الصارمة حتى إن من يراك يعتقد أنك واقع في مشكلة تواً؟
تاج: لم أكن في يوم من الأيام مع تصنيف الكاتب... والنص الساخر هو نص جاد في نهاية الأمر... ثمة قول لبرنارد شو الساخر أبداً مفاده أن كل أدب عظيم هو أدب ساخر... وثمة رأي نقدي يقول إن دستويفسكي من أكبر الساخرين في التاريخ... وهكذا نصل إلى القول بأن هناك أدباً وهناك (لا أدب)... إذا كان المقصود هو الضحك أو البسمة التي تستحضرها قراءة النص، وهي مفيدة طبعاً أكثر من الدمعة التي تستحضرها قراءة بعض النصوص، فإن النكتة تؤدي الغرض أكثر من القصة... إذا كانت قصصي تزرع البهجة في نفس القارئ، والبسمة على وجهه، فإن هذا يحضر في نصي عفو الخاطر، تستدعيه مسائل تتعلق بالفن القصصي وليس بقصدية إضحاك القارئ.. وأنا بصراحة أتعاطف مع النص الذي يزرع البسمة على وجه القارئ بدلاً من العبوس... أما بالنسبة لعبوسي فهذه المسألة تتعلق بالقالب الذي خرجت منه... وبالمصمم الذي كان له الرأي أن أكون هكذا... هذا مع أني أحب الفرح والحياة وأضحك للنكتة الجديدة.
تاج: هذه لا تعدُّ ولا تحصى وإليك بعضها:
· في أوائل التسعينيات من القرن الماضي شاركت في مسابقة وحصلت على المركز الأول.. كانت أحداث قصتي تدور في يوم من أيام عام 1957، وموضوعها الرئيس صراع الفلاحين في ضيعتنا مع الإقطاع.. بعد قراءة القصص الفائزة دعانا راعي المسابقة نحن الفائزين ولجنة التحكيم إلى مكتبه لشرب فنجان قهوة قبل الذهاب إلى المطعم لتناول طعام العشاء... في مكتبه استدار إلي وسألني:
- ليش ما قَوَّمت ثورة آذار في نهاية القصة؟!
غمزني رئيس اللجنة -الدكتور مسعود بوبو يرحمه الله- وأجاب المسؤول عني بقوله:
- بين عام 1957 وعام 1963 زمن طويل لا تحتمله القصة القصيرة يا سيادة.. لكن تاج إذا كتب رواية في المستقبل عن تلك الفترة فانه سيقوّم ثورة آذار بالتأكيد..!
· عام 83 أو 84 أعلنوا في الصحف أن مظفر النواب سيقيم نشاطاً على مسرح اتحاد العمال بدمشق، وكنت أيامئذ في الجيش، وكنا مستنفرين... ذهبت إلى قائد الكتيبة وطلبت إذناً بالمبيت لحضور النشاط. فقال لي: أنت خريج نفط وليست لك علاقة بالأدب.
ولم يسمح لي بالمبيت. وبعد أن عدت إلى الخيمة تذكرت أمراً ما فرجعت إليه وقلت له:
- لكن يا سيدي ثمة شعراء في سورية والسعودية والإمارات يشغلون منصب وزراء نفط منهم عيسى درويش وأحمد زكي يماني ومانع سعيد العتيبة. فسمح لي عندئذ بالنزول.
· في أواسط التسعينيات وقبل الذهاب إلى مركز (أبو رمانة) الثقافي لإحياء نشاط أقيم لنا مع أحد الشعراء، ذهبنا إلى الصحف التي كنا ننشر فيها في النهار لتسليمها بعض النصوص لنشرها، الشاعر استفسر عن قصيدة له لم تنشر في إحدى الصفحات الثقافية، وكان المسؤول عن هذه الصفحة شاعراً، فأجابه بأن في القصيدة مشاكل إذا تلافيتها أنشرها لك.. وشرح هذه المشاكل بالتفصيل.
بعد خروجنا بدأ الشاعر يسب على الشاعر الآخر ويتهمه بسوء الفهم والغباء لأن مثل هذه المشاكل موجودة في قصائد شعراء كبار. ولكن.. في المساء، وعند قراءة هذه القصيدة في المركز الثقافي اكتشفنا أن الشاعر صحح قصيدته وفق الملاحظات التي خرج بها من الصحيفة.
· قبل مدة ليست بعيدة كان المطلوب مني أن أقدم ثلاثة شعراء في إحدى الأمسيات ضمن نشاط فرع إدلب لاتحاد الكتاب، أنا الذي لم أفعل ذلك في حياتي. لكن غياب رئيس فرع اتحاد الكتاب وأمين السر أجبرني على القيام بمثل هذه المهمة العويصة بصفتي العضو الثالث في المكتب الفرعي.. وبما أن كل واحد من الشعراء الثلاثة يعدُّ نفسه أمير شعراء عصره، وبالتالي أن يكون دوره الأخير ليختم الأمسية... همستُ بأذن أحد الثلاثة وكان يجلس بجانبي قبل بداية الأمسية:
- كيف تحب أن أقدمكم؟
فأجاب: أنا لا يقرأ بعدي إذا كنت في أمسية غير محمود درويش.
كان محمود درويش على قيد الحياة، فصعدت إلى المنصة وطلبت منهم الصعود إلى المنصة والجلوس إلى جانب بعضهم على أن يبدأ القراءة الأصغر بالسن فالأكبر منه ثم الكبير.
على كل حال فقد تلقى ذلك الشاعر خدمة العمر، بعد أن توفي محمود درويش. بصراحة: خلص منه!