مصر أغنية وطنية
مصر أغنية وطنية
د. هدى زكريا
لماذا لم نعد نغنى للوطن؟
سؤال صار يتردد بكثرة فى الآونة الأخيرة على لسان الكبار والشباب على السواء. فالكبار أسعدهم الحظ أيامهم بازدهار الأغنية الوطنية فاستمعوا وطربوا وشاركوا بشغف فى ترديد أغنيات عبّرت بصدق وجمال عن نبض الناس من خلال معانٍ عميقة وكلمات بسيطة.
أما الشباب فيتساءلون فى شجن: هل الوطن مرحلة تاريخية يمكن أن تمرّ وتنقضي، ويذكرها العواجيز وهم يتنهدون حسرة على الزمن الجميل، ولماذا يعيش وطن اليوم أياماً جافة باردة لا تنعشها ولا تدفئها، تلك المشاعر التى تدفع المواطن ـ الشاعر ـ المطرب إلى التغني بحب الوطن والذوبان فى جماعيته؟
فالأغنية الوطنية كتلة عاطفية من المشاعر النبيلة، التى يحملها الفرد للجماعة التى ينتمي إليها بدوائرها التى تبدأ من الأقارب والأصدقاء والمجتمع المحلي بالقرية أو الحي وتنتهي بالمجتمع الكبير بكل أبعاده التاريخية فتشمل حاضر الوطن وماضيه وأمانيه للمستقبل، والجغرافية،. فتشمل سهول الوطن وجباله وأنهاره والسماء التى تظلله، بالإضافة إلى البناء الثقافي والقيمي واللغة والدين.
وتتجسّد فى الأغنية الوطنية حالة من الذوبان الفردي والجماعي فى المجتمع، وفيها يتجلي وعي الفرد بأن أمانه واستقراره واكتمال إنسانيته، هى غايات لا تتحقق إلا فى ظل جماعة إنسانية آمنة ومستقرة تتمتع بالديمومة الجمعية، مما يطمئن الفرد ويزيل مخاوفه من نهايته المحتومة كفرد ينتهي بالموت بعد حياة قصيرة، وذلك بالقياس إلى عمر الوطن الدائم الخالد بإذن الله. وبقدر استقلال الوطن وتمتعه بالحرية والسيادة الكاملة على أرضه وثروته الطبيعية بقدر شعور المواطن بالاستقرار والأمان.
وتختلف الأغنية الوطنية باختلاف الدائرة التى ترتكز عليها من حيث الضيْق والاتساع، لذا تبدأ الأغنية الوطنية بالعائلة والدوائر الإنسانية الضيقة المحيطة بالفرد في:
وطني وصباي وأحلامي وطني وهواي وأيامي
ورضا أمي وحنان أبي وصبا ولدي عند اللعب
وتتجه الأغنية إلى دوائر أوسع، حتى تشمل البشر جميعاً مثل:
يا رب بلدي وحبايبي والمجتمع والناس...
ده أصلنا الإنسانية والأب واحد يا عالم
وكلنا دم واحد ألفين سلام لك يا آدم
ويبرز دور الأغنية الوطنية وينتعش في فترات الصعود الاجتماعي والنهضة فيصبح:
مفيش محال والعزم معانا والعلْم بينوّر دنيانا
والفكر بيجسد أحلامنا قدامنا شايفينها وشايفانا
أما في وقت الأزمة الاجتماعية والسياسية فتتحول الأغنية الوطنية إلى صيحة تستصرخ يقظة الوطن والمواطن، ليحتشد الكل في واحد عندما يهتف سيد درويش:
«قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك
خد بنصري، نصري دين واجب عليك»
«شوف جدودك في قبورهم ليل نهـار
من جمـودك كل عظـمة بتستجـار»
«فين آثارك يا للي دنست الآثار دول فاتولك مجد وأنت فت عار»
وقد مثلت الأغنية الوطنية أهم آليات المقاومة في ثورة 1919 وعكست صعود الحركة الوطنية واشتعالها وكذلك سكونها وتداعيها، وما انتابها من قوة وما تعرضت له من ضربات وانتكاسات، وما تمتعت به من دعم شعبي جارف، وقد اتّسمت الأغنية الوطنية بالملامح الآتية:
1 ـ استلهام العبارات النارية لزعماء الحركة الوطنية كالهتاف الشهير لمصطفى كامل الذي تحول إلى نشيد: "بلادي.. بــلادي لك حبّي وفؤادي" والذي صار حالياً هو السلام الجمهوري لمصر.
2 ـ عرفت الأغنية الوطنية كيف تتحايل على القمع والإسكات والحصار من جانب السلطات التي عانت أيام الاحتلال من قدرة النشيد الوطني على استثارة ثورة الشعب، وكان على مبدعيها التحايل لتحرير الأغنية من حصار السلطة، فاستخدموا الرموز الشعبية التي يجهلها المحتل ومنها نداء الباعة الجائلين على بضاعتهم وذلك ليحمل النداء رسائل الحب للزعيم سعد زغلول
يا بلح زغلول... يا حليوة يا بلح... يا بلح زغلول
3 ـ لم تقتصر الأغنية الوطنية على التغني بالزعيم سعد ولكنها اتجهت للتعبير عن هموم البسطاء وآلامهم. فصرخت تحمل شكوى الفلاحة المصرية التي تسوق السلطة ولدها إلى الحرب وتستثني أبناء الأغنياء منها:
يا عزيز عيني وانا بدي أروّح بلدي
بلدي يا بلدي والسلطة خدت ولدي
4 ـ وعندما يضطر المصري للهجرة مضطراً للكفاح من أجل لقمة العيش يترك قلبه مغلقاً بالوطن ويعود إليه لاهثاً عند أقرب فرصة:
«صفر يا وابور اربط عندك نزّلني في البلد دي»
«بلا أمريكا بلا أوروبا مفيش أحسن من بلدي»
«دي المركب إللّي بتجيب أحسن مِنِ اللّي بتودي»
«يا أسطي بشندي»
5 ـ وقد استطاعت الأغنية الوطنية أن تحول قصائد محمود حسن إسماعيل وعلي محمود طه إلى قوة دافعة، من خلال التعبير الصوتي المتميز بالقوة والعذوبة للموسيقار محمد عبدالوهاب، ومن خلال المعادل الموسيقي الذي دفع بالقوة والحميمية في جنبات القصيدة الغنائية باللغة العربية الفصحي فردّد الناس في حماس:
كنت في صمتك مكره.. كنت في حبك مكره
فتكلم وتألم وتعلم كيف تكره
ليهتفوا بأنهم قادرون على تحرير الوطن بالتضحية والفداء:
أنا يا مصر فداك.. أنا.. أنا..
بدمي أحمي حماك
ودمي ملء ثـراك.. أنا.. أنا
ومن الجدير بالذكر أن لحن هذه الأنشودة قد صار المقدمة الموسيقية لنشرة الأخبار في الإذاعة حتى يومنا هذا، وللحديث بقية.