هل نملك حركة نقدية متواصلة؟

الدكتور حبيب بولس قرأها 958
  

هل نملك حركة نقديةمتواصلة؟

بقلم: الدكتور حبيب بولس

هل نملك حركة نقدية متواصلة؟! سؤال يلحُّ علي منذ زمن بعيد، لذلك ارتأيت أن أثيره هنا علّنا سوية نجد الإجابة عنه.

يستمد هذا السؤال شرعيته من كوننا نرى اليوم غزارة في الإنتاج الأدبي محلياً وقلة في النقد الذي يتابع هذا الإنتاج ويفسره ويقومه بالمعنيين، حتى اختلط الغثُّ بالثمين وصار يتعذر علينا معرفة هل أدبنا في تطور ام في تراجع ام انه يراوح مكانه؟!

بداية أقول: ان المتتبع لحركتنا الأدبية يلاحظ وبيسر ان نقدنا يعلو ويهبط بمعنى انه في مد وجزر، اي انه موسمي، يكثر حيناً ويقلُّ حيناً آخر، حتى تكاد تمر شهور عديدة دون ان نقرأ عملاً نقدياً. وحين أقول عملاً نقدياً أعني بذلك عملاً نقدياً جاداً لا تلك المقالات السطحية التي تحاول استقراء بعض ما ينشر بغية التقرب من الكاتب او التربيت على كتفه مجاملة. وكون حركتنا النقدية موسمية يجعلنا نقول بطبيعة الحال انها ايضا مزاجية او انتقائية. بمعنى ان الناقد يقرب هذا العمل دون الآخر وفقاً لمزاجه، وهذا مشروع اذ ان الانتقائية في النقد شيء ضروري. فالناقد مهما تفرغ للكتابة النقدية لن يكون بإمكانه ان يتابع كل ما ينشر من جهة، ومن جهة اخرى للناقد مزاجه الخاص كما للمبدع، حيث يدفعه هذا المزاج للكتابة عن عمل ما، ويرده او يمنعه عن عمل آخر.

السؤال الذي يطرح بعد هذا الحديث، لماذا لا نملك حركة نقدية متواصلة؟ هل القضية تتعلق بعدم وجود نقّاد لدينا؟ ام ان لها أسباب أخرى؟!

في الواقع نحن نملك عدداً من النقاد، صحيح ان هذا العدد قليل لغاية الآن، ولكنه يستطيع ان يسد الفراغ، اذا واصل هؤلاء النقاد كتاباتهم. اذن المشكلة لا تكمن في عدم وجود نقاد بل في أسباب أخرى.

السبب الأول في رأيي يكمن في طبيعة العمل النقدي ومتطلباته، وذلك لأن النقد في أدق معانيه، كما يقول "د. محمد مندور"، هو فن دراسة الأساليب وتمييزها، والمقصود دراسة منحى الكاتب العام وطريقته في التاليف والتعبير والتفكير والإحساس على حدٍّ سواء. وبناء عليه يصبح أساس النقد الأدبي التجربة الشخصية، لذلك فكل نقد أدبي لا بد له ان يبدأ بالتاثر، وذلك لاننا لا نستغني عن الذوق الشخصي والتجربة المباشرة لادراك حقيقة ما. ولكن الذوق وسيلة الإدراك ليس وسيلة للمعرفة وذلك لانه ملك شخصي، بينما المعرفة ملك شائع. والملكة التي يستحيل بها الذوق معرفة هي ملكة التفكير- اذ به ندعم الذوق وننقله من خاص الى عام. وللتفكير عدة مصادر.

مع هذا الكلام تصبح عملية النقد عملية صعبة وذلك لانها تتطلب جهداً كبيراً ومعرفة ودراسة وثقافة واسعة، فحتى يستطيع الناقد ان يقدم عملاً نقدياً جاداً، عليه ان يتسلّح قبل ذلك بجملة من الأمور، أهمها كما يشير كل من "د. أحمد كمال زكي ود. محمد النويهي ود. محمد غنيمي هلال":

1.    ان يفهم نظرية الأدب من حيث طبيعته الخاصة وعلاقته العامة بالحياة.

2.    ان يحيط بالتيارات الفكرية والنواحي الفنية التي أسفرت عن تطبيق النظرية الأدبية- سواء منها مايخص الأجناس الأدبية او الصياغة او غاية الأدب بوصفه نشاطاً يسهم في إزجاء الحلول لمشكلة الإنسان.

3.    ان يفهم ويدرس علم الجمال والأدب العالمي والمقارن، وكذلك ان يفهم أصول المذاهب الأدبية كي يكون حكمه نافذاً وصحيحاً.

4.    ان يستعين أسباب الثقافة التي تمكنه من تفسير العمل الأدبي وتقديمه للقارىء ليفهمه، وهذه الثافة تتوزع بين التاريخ والفلسفة والاجتماع والاقتصاد وعلم النفس.

5.    ان يكون موضوعياً. بمعنى اذا مال الى مذهب فكري أو سياسي او طائفي، فلا بد ان يصدر حكمه عن حياد كامل.

هذه هي الأساسيات التي يجب على الناقد الاهتمام بها ودراستها ومعرفتها معرفة حققية دقيقة كي يستطيع أن يكون ناجحا وجادا، وهي كما تشي ليست سهلة المنال، بل أنها أساسيات صعبة تتطلب العمل الجاد والتضحية والتعب وأعمال الفكر. لذلك قِلّةٌّ هم النقاد الذين يصمدون أمامها، وذلك يكون الى كونهم عاملين في حقول أخرى وليسوا متفرغين للنقد، وما النقد عندهم سوى هواية، بمعنى أنه ليس احترافاً. من هنا نجد أن الإنتاج الأدبي يكثر والنقد يقلّ، لأن عدد النقاد لم يزدد، بينما ازداد عدد المبدعين، ومن هنا ايضا نجد الركود في الحركة النقدية والموسمية فيها، لان الناقد كي يكتب مقالته النقدية يحتاج الى وقت كبير، الى فراغ، كي يستطيع ان يركز ذهنه بغية الإلمام بالعمل المنقود من جميع جوانبه وروابطه وعلائقه.

سببٌ آخر في رأيي له علاقة في ركود حركتنا النقدية وموسميتها هو القضية الشخصية، وأعني بذلك العلاقة الاجتماعية الشخصية التي تربط النقاد بالأدباء، فنحن رغم كل شيء نعيش في مجتمع صغير، حيث الواحد منا يعرف الآخرين معرفة قوية. هذه العلاقات في أحايين كثيرة تشكل عائقاً أمام العمل النقدي الصريح، بحيث انها تقرر كثيراً في النظرة الى العمل الأدبي، وهكذا تبتعد الموضوعية عن نقدنا. واذا أضفنا الى ذلك العلاقات الانتمائية الأخرى كالحزبية مثلاً، نجد ان المشكلة تتعقد أكثر. وكل ذلك يمسّ بمستوى النقد والإبداع في آن معاً. وكي يتجنب الناقد مثل هذه الإشكاليات نراه يبتعد عن النقد او نراه يساير المبدع دون ان يصارح وذلك حرصًا على العلاقة بينهما.

والقضية الأخيرة، بل الأهم والتي تؤثر ايضاً على حركتنا النقدية، هي قضية المبدعين أنفسهم. للموضوعية اقول: يصيب المبدعون في حقيقة قلة النقد، ولكنهم يبتعدون عن الحقيقة حين يتهمون النقاد بتجاهل أعمالهم، او بتفضيل عمل على آخر، على المبدع ان يعرف ان نقادنا ليسوا متفرغين، كما ان لهم حق الانتقائية، لكن هذه الانتقائية لا تعني ان يسقط المبدع فشله او عدم جذب القراء الى أدبه على الناقد. فالمبدع الحق هو الذي يطور إبداعه ولا يركن الى ناقد ما كي يشهره.  المبدع الحق يعرف ان طريق الإبداع شائكة شاقة في ان، وعليه ان يتحلّى بالصبر وان يثابر كما عليه ان يعرف ايضاً انه مهما كان الناقد كبيراً وذا شهرة فلن يجعل من أدبه سائغاً طالما ان هذا الأدب يفتقر الى المقومات الأساسية. عليه ان يدرك انه لن ينال الشهرة والنجاح اذا حاول اختصار الطريق او الالتفاف عليه او اذا قفز عن جرن التعميد بالتجارب.

وللأسف اقول ان مبدعينا اليوم يحاولون الوصول الى اعلى السلّم دفعة واحدة. دون ان يتسلقوه درجة درجة. فكما ان متطلبات العمل النقدي صعبة كذلك هو الإبداع، فعلى المبدع ان يقرأ ويجرّب كي يطور نفسه تدريجياً. ولكن اين هذا الأمر من معظم مبدعينا؟! اذا فحصنا الأمر بجدية نجد ان الناقد اذا تطرق الى عمل إبداعي معين لأديب معين وبكل جدية لا يجد ما يقوله عن عمله الثاني وذلك لانه يخلو من كل جديد او تجديد فيهمله ويبتعد عنه خشية التكرار. واذا أضفنا الحساسية المفرطة التي يتمتع بها مبدعونا تزداد المشكلة تعقيداً. فمن المعروف للجميع ان أدباءنا في غالبيتهم لا يتقبلون النقد الجريء والصريح، والجاد، بل يؤْثرون عليه المديح والاستحسان. نراهم يفضلون المسايرة والمداهنة على نقد يشير الى العيوب ويؤشر على النواقص. هذه الحساسية المفرطة تضر بالحركة الأدبية وتجعلها تراوح مكانها. اذ كيف لهذا الأديب ان يعرف أخطاءه وان يردمها في المستقبل، طالما انه لا يقبل الإشارة اليها. إضافة الى ما ذكر يشهد الكثير على ان عدداً كبيراً من مبدعينا حين يقرأ نقداً سلبياً لإنتاجه يغتاظ ويلعن ويشتم الناقد ويتهمه بالسخف والضحالة والسطحية وعدم الفهم. في حين اذا تمعنا في هذا النقد نجد انه لا يجانب الحقيقة.

فكم من مرة شكا فيها ناقد من معاملة أديب ما، كان قد انتقد عمله، لدرجة ان هذا الأديب قطع علاقته معه بالمرة. حدثني أحد نقادنا أن صديقاً حميماً له من الكتاب المعروفين، كان قد أصدر مجموعة قصصية ورجاه الكتابة عنها، وقد حاول هذا الناقد المسكين التنصل بالكثير من الحيل، ولكن دون جدوى حتى اضطر اخيراً للكتابة تجنباً للإلحاح وكان قد أشار في مقالته للإيجابيات والسلبيات، ولكن هذا الأديب بعد أن قرأ المقالة اتخذ موقفاً عدائياً تشهيرياً ضد الناقد.

انها حقيقة تشهد على كم نحن بحاجة الى تطوير أنفسنا، وتقبّل التوجيه والنقد.

كم نحن بحاجة الى الابتعاد عن النرجسية. فكلنا يخطىء ولا يمكن لعمل أدبي مهما كان مبدعه عظيماً ان يصل الى الكمال. انها قضية مقلقة تجعل الناقد وحرصاً على علاقته بالآخرين وعلى نفسه أحياناً الابتعاد عن هذا الهمّ- النقد وهكذا نخسر الكثبر.

ان صعوبة العمل النقدي والعلاقات الشخصية وعدم تقبّل أدبائنا للنقد عوامل في رأيي أساسية أدت وما زالت الى ركود حركتنا النقدية كما أدت ولا تزال الى جعلها موسمية، ومن السذاجة القول: كي تصبح لدينا حركة نقدية متواصلة جادة علينا الابتعاد عن كل ذلك.

أخيراً، آمل ان يكون هذا الركود الذي نشهده اليوم ركوداً آنياً من قبيل استراحة المحارب، حيث يتيح للنقاد والأدباء على حد سواء النظر والتفكير من جديد في مجمل حركتنا الأدبية وفي مستواها ومستقبلها، بغية الانطلاق بسرعة وبزخم.

وهمسة أخيرة في أذن نقّادنا: عليكم ان تعرفوا ان ما تقومون به من اهم بكثير من هذه العلاقة او تلك، اذ انكم بعملكم النقدي تؤرخون لمرحلة هامة من مراحل أدبنا. لذلك عليكم ان تتجاوزوا الحساسيات، عليكم ان تقولوا كلمتكم بشجاعة وبصراحة وبجرأة، ولكن بموضوعية، فهذا هو الشيء الوحيد الذي يبقى للتاريخ، أما الأشياء الأخرى فتذهب هباءً.

حبيب بولس– ناقد أدبي، محاضر في مادة الأدب العربي في الكلية العربية للتربية في حيفا وكلية اورانيم الأكاديمية  - drhbolus@yahoo.com