"الباروك" يغنى لأول مرة في سورية

معين حمد العماطوري قرأها 512
 

"الباروك" يغنى لأول مرة في سورية

بقلم: معين حمدالعماطوري

أقامت الأمانة السورية للتنمية حفلاً غنائياً لموسيقا (الباروك)، وقد أدى هذا النوع الصعب في عالم الغناء كلٌّ من المغنين السوريين: لبانة القنطار، ورشا رزق، وبيير خوري، وسعيد خوري.

وقد تألقت في سماء الغناء الفنانة العالمية الأوبرالية لبانة القنطار، إذ استطاعت أن تنقل الحاضرين إلى عالم (الباروك) بعصره وزمانه، وهو ما تميز به الحفل الغنائي من تقديم نوع (الباروك)، إذ لأول مرة يقدم هذا النوع الغنائي في سورية. فقد عرف غناء (الباروك) واشتهر في عصر ذهبي لوجوده مبتدئاً انطلاقه من بداية القرن السادس عشر، واستمر في انتشاره واحتلاله لثقافة الكثيرين من المبدعين الموسيقيين الذي كتبوا فيه وفكرهم أمثال: (باخ، وهاندل، وهايدن)، إذ قدموا أروع الأعمال الموسيقية الآلية والغنائية. لأن (الباروك) هو من أصعب أنواع الغناء، وهو يحتاج إلى تقنية ومهارة خاصة في إصدار الصوت وتحليات (كولاراتورا). ومن الصعب أداؤه ما لم يمتلك المغني المقدرة والقدرة في نوع الأسلوب المذكور (الباروك)، لأنه يختلف بأسلوبه عن الغناء الأوبرالي التقليدي الذي كتب بعد زمنه.

وبينت القنطار قائلة: (الباروك) يحمل خصوصية بطبيعته من ناحيتين: الأولى منها ينحصر في صوت المؤدي بتميزه بإصدار الصوت، والقدرة على النفس الطويل، مع تقانة تكنيكية خاصة بالصوت، والثانية بمهارة وتقانة العزف على الآلة لإخراج الجملة الموسيقية بأبعادها الحسية ومكتملة الشروط الفنية المناسبة لطبيعة (الباروك) وخصوصيته، وما يميزه من باقي أنواع الغناء أنه الركيزة الأساسية التي ينطلق منها المغنى الأوبرالي الذي يطمح إلى العالمية من خلال إتقانه الغناء بالتعبير والتوصيف الموسيقي، لأن موسيقا (الباروك قد ولدت في أرحام الكنيسة، وبالتالي فإن المفهوم الإنساني والروحي الديني يطغى على مكوناته ومقطوعاته وذلك بقصد التقرب والدخول إلى عالم الملك الملكوت الرباني في روحانية ذات قدسية إلهية، وبالتالي ما نعينه بطريقة أداء المغني له هو التمتع بالقدرة التعبيرية والتكنيك والفهم لهذا العصر الذي ولد ونشأ فيه، مع القدرة على نقل المتلقي إلى زمن ذاك العصر وفكره وثقافته بالموسيقا بمهارة عزف عازفيها ومقدرة صوت مغنيها، وطبيعة القدرة الحسية الإبداعية لعصر الباروك الزماني والمكاني.

وأضافت لبانة القنطار قائلة: (منذ القرن السابع عشر أخذ الفن الموسيقي بمختلف أشكاله الموسيقية يسلك طريقاً واضحاً من الازدهار والتطور باعتماد الفنان الموسيقي على الأفكار والخلق والمبدع الفني، وفي العصر (الزخرفي) الأوربي، برزت حركات موسيقية جديرة بالاهتمام، من خلال التطور التدريجي لصناعة الآلات الموسيقية. ولا يمكننا إغفال مسيرة النظريات والقواعد والشكل والبناء الموسيقي، لأنها كانت أساساً في تطور الموسيقا (الباروكية) في بداية أوج عظمتها. وكلمة باروك (Barock) - أي (الزخرفة) نعنيها ويرددها المثقفون دائماً على أنها تترجم بلا شك: زخرفة الفن بأشكاله وأنواعه المتعددة، إذ ما ينطبق على زخرفة الفن والموسيقا ينطبق على البناء والعمران، وكل ما يمت إلى معالم ذلك العصر لتجسيد حضارة معاملها الزخرف المسمى (الباروك)، ومن أشهر عباقرة ذاك العصر (هاندل وباخ) اللذان عُرفا بعد وفاتهما أنهما عبقريا الموسيقا (الباروكية) العظمى، ومن الخصائص الهامة لموسيقا الباروك الانسجام بين العازفين وبين المغني. ودراسة تفصيلية لأسلوب الأداء بالنسبة للعازف والمغني، ولولا مشاركتها الخارجية ودخولها مسابقات عالمية والتدرب على استخدام النفس الطويل لحاجة موسيقا الباروك، لم تستطع أن تجيد وأن تكون السورية الأولى التي تقدم موسيقا (الباروك).

المغنية الأوبرالية رشا رزق التي أضافت قائلة: (عُرف هاندل بأنه مؤلف الأوبرا العظيم، وفي الوقت الذي برزت فيه الموسيقا بعد 1700 م بخط واضح نمّ عن التطور، لم تكن كسابقتها بالأسلوب، بل تطورت ودعيت بالموسيقا الأوربية من خلال التقنية الحديثة ورصف لغة الكلام وفي تركيب الجمل الموسيقية، يمتاز الأسلوب العام للعصر (الباروكي) بتجسيده التراتيل والغناء والرقص والمحاورة. ومن ثم يمكن القول بالتنوع الخصب في كونشرتو (الغروسيو البوليوفوني) منطلقاً من مضمون النغمة. وبتعبير آخر موسيقا هادئة رتيبة تتتالى فيها الألحان بصورتها المألوفة ذات زخم من القدسية والعذاب مليئة بالجلال والعظمة. وخير من كتب في هذا الأسلوب كونشرتو غروسيو على شكل بوليفوني: جورج فيليب تلمن (1681-1767)، بوصفه أحسن مؤلف موسيقي لعصره وللعصور التي تلت ذلك العصر.

كما بينت المغنية رشا رزق: (ومن أساطين الموسيقا الباروكية جورج فريدريك هاندل الذي عمل على التجربة الأولى في العزف على الأورغن في الكنيسة، لأن هاندل تميز بمجموعة من الميزات أهمها أن تعامله مع أي فن يتوقف بالدرجة الأولى على قناعته، فهو يمتلك قوة البناء الموسيقي الدرامي متبنياً فكرة الأوبرا الغنائية. أما باخ هذا الموسيقي الكبير فقد استطاع أن يجمع في فنه خلاصة المفكرين الموسيقيين. وتجلت تلك الجودة العظيمة في ألحان (الكنتاتا)، التي بلغت 208 كنتاتات تضمنت الأناشيد الدينية، وهي تقوم على أساس متين من الألحان يبين فيها إحساسه العميق، مبرزاً في تحولات ذات نغمات القدسية بالأعمال الموسيقية التي منها باسيون (يوحنا)، باسيون (متى)، باسيون (مرقص). وباسيون معناها في معجم اللغة الألمانية: قصة تاريخية مشحونة بالعواطف المقدسة الجليلة للسيد المسيح، بطريقة قداس يقرأ ويغنّى. وقد ظهر هذا الأسلوب المقدس الفني في القرن الثالث عشر. ومن أعماله كذلك (أوراتوريو عيد الميلاد)، وأوراتوريو (عيد الفصح المبارك)، وأوراتوريو (صعود السيد المسيح إلى السماء)، ومعنى (أوراتوريو): المدائح الدينية المبتهلة لمدح السيد المسيح.

أما الكنتاتا فهي قطعة غنائية أو غناء جماعي (تضم بعض التراتيل من الإنجيل)، وهناك افتتاحيات موسيقية من (الباروك).

ومغني هذا النوع عليه أن يتقن أداء العصور التي تلت الباروك والتي سبقته. ولهذا عندما قدمت المغنية الأوبرالية العالمية لبانة القنطار في هولندا ثلاثين قطعة موسيقية من بينها قطعتان إحداهما لهاندل (داتستبستا) والثانية لباخ (آية من قداس متى)، وأجادت أداءه باقتدار، رأت اللجنة المحكمة القدرة الصوتية والثقافة لنقل إلى زمان عصر الباروك وغيره من العصور الموسيقية التي تلت والتي سبقت، وكان ذلك أحد الأسباب التي ساعدتها على النجاح والحصول على الجائزة الخامسة على العالم، ولأول مرة مغنية (سورية) تصل إلى إتقان العصور الموسيقية القديمة، التي تعود إلى قرون عديدة. ولهذا فقد أعادت إقامة الحفلة الغنائية (للباروك) ولأول مرة في سورية، وعلى يدي مغنية عالمية سورية لتجسد كما ذكرت سابقاً بقولها: (حقاً إن وطني سورية هو منبع الحضارات الإنسانية والفنية للعالم).