متى سنصبح موضوعيين في كتاباتنا؟! أو متى ستنتفي حساسية الأسماء من كتاباتنا؟!

د. حبيب بولس قرأها 1,209
 

متى سنصبح موضوعيين في كتاباتنا؟!

أو متى ستنتفي حساسية الأسماء من كتاباتنا؟!

بقلم: الدكتور حبيب بولس

سؤال ارتفع حين كنت أقرأ مقالاً استعراضياً يتحدث فيه الكاتب عن صمودنا على أرض الوطن وعن المحاولات الفاشلة التي مارستها السلطة لاقتلاعنا أو عن محاولاتها لتهويدنا بطرق ووسائل متعددة ليس هنا المجال لذكرها. يورد الكاتب في مقاله المذكور ظروف حياتنا مرفقا ذلك بالمقاومة وبالصمود ليصل الى الحركة الأدبية والثقافية بشكل عام والى استمرارها وتطورها رغم كل الظروف الحالكة التي أحاطت بنا في حينه. هذا المقال الاستعراضي كان دافعي للكتابة في موضوع أرى انه من الضروري الكتابة فيه, حيث أنني وجدت بعد القراءة المتأنية للمقال ان الكاتب رغم تمرسه في الكتابة وقع في الخطأ الشائع الذي يقع فيه الكثيرون حين يستعرضون واقع حركتنا الأدبية. هذا الخطأ الذي حاربناه ولا نزال وأعني به قضية التحزّب لبعض الأسماء على حساب الآخرين, أو قضية عدم الكتابة بموضوعية تامة حين نصل أو نضطر الى ذكر الأسماء في كتاباتنا.

وقضية كالمذكورة آنفاً في رأيي قضية أساسية يجب أن تستوقفنا, اذ انها تؤشر على صدق الكاتب أي كاتب أو على عدالة أو نزاهة موقفه من مجمل الحركة الأدبية والثقافية, مع أن أمراً كهذا لا يمنع إبداء الرأي ولا يمسّ بحرية الاستحسان اذ أن لكل فرد ذوقه ومعاييره الخاصة في التقويم. لكن طالما نحن نتحدث عن عملية استعراض وطالما أن هذا الاستعراض لم يقدَّم للقراءة المحلية انما هدفه كان التعريف بأدبنا وبأدبائنا للعالم العربي, من هنا يتحتم على هذا الاستعراض الالتزام بالموضوعية وبالأمانة العلمية وبالحقائق.

بداية أقول: اننا مررنا بعقود أربعة كانت السياسية والانتماءات الحزبية تلعب فيها دوراً كبيراً في تقويم الأدب أو لنقل في تقويم الأدباء. فنحن اذا عدنا الى الوراء قليلاً نجد ان صحفنا كانت تشير إلى أسماء معينة مغفلةً الأسماء الأخرى لا لشيء الا لعدم انسجام هذه الأسماء مع منطلقات تلك الصحف السياسية مع أن لهذه الأسماء المغفلة مساهماتها الفعالة في تطور وترسيخ الحركة الأدبية. وحين أقول صحفنا أعني جميعها وعلى اختلاف منطلقاتها وثوابتها. فكلنا يعي تلك الفترة التي كانت فيه كل صحيفة أو مجلة تحاول أن تستقطب بعض الأسماء دون غيرها كصحيفة "اليوم" ومن بعدها "الأنباء" وكمجلة الفجر ومن بعدها المرصاد من جهة وكصحف الحزب الشيوعي الإسرائيلي "الاتحاد" و"الغد والجديد" من جهة أخرى- مع الفارق بينها وبين ما ذكر من الصحف من حيث الالتزام- وان كنا نجد لتلك الفترة الأسباب والتبرير فان هذا التبرير وهذه الأسباب قد انتفت جميعها مع انتفاء الفوارق السياسية والأدبية وانهيار الثوابت والتحولات التي طرأت. فنحن نعيش اليوم في حقبة يجمعنا فيها الكثير الكثير من التفاهم. اذن مع انتفاء السبب يجب أن ينتفي أيضا هذا التحزّب المقيت والمضرّ في آن معاً.

فهل هذا هو الحاصل؟! ان المقال المذكور يعطينا العكس وهو أمر نأسف له, ويدفع بالتالي للتنبيه والتأشير.

صحيح أن دور هذه الصحف والمجلات الحزبية في حينه كان كبيراً وأعني- الحزب الشيوعي- اذ لولاها لما استطاع أدبنا أن يصمد أمام جميع الوسائل التي حاولت طمسه وتغييبه. وصحيح أيضا أنه لولاها لما برز لدينا عدد من الأسماء الأدبية التي دفعت أدبنا الى أمام وطورته وأخرجته من محليته الى العالمية, ولكن كل هذا يجب ان لا يمنع من الكاتب أي كاتب, حين يتطرق الى ذلك من أن يكون صادقاً في تناوله للأمور خاصّة حين يتطرق لذكر أسماء أدبية معينة.

بل على العكس. فكونه يضع توصيفاً جاداً وصادقاً للظروف التي عشناها والتي كان لها الأثر الكبيرعلى توجيه أدبنا, عليه أيضاً أن يكون موضوعياً في ذكر الأسماء التي كان لها الدور الكبير في تنشيط هذه الحركة وفي إعطائها الصبغة التي نعرفها اليوم وفي الرقي بها الى مصافّ الآداب الأخرى. وحين أقول هذا، طبعاً أنا لا ألغي حق الكاتب ولا أتدخل في ذائقته النقدية الأدبية بل أحاول أن أعيد الأمور الى حقيقتها وأن أرفع ظلماً لحق ببعض أعلامنا كي أنصفها.

نحن نثمّن ما قام به صاحب الاستعراض المذكور من توصيل أدبنا وظروفه القاسية التي نما فيها للآخرين الذين يجهلون ذلك. كما نثمّن له ربطه الصحيح لهذا الأدب بتلك الظروف, ولكن طالما أنه يستعرض وطالما أن هدفه التعريف فهذا يلزمه الصدق والأمانة والموضوعية حين ينتقل أيضا لذكر الأسماء.

لقد مرّت الفترة التي كان فيها أدبنا مقصوراً على أسماء معينة لرغبة حزبية او لدافع انتمائي سياسي. لقد ولّت تلك الفترة التي كان فيها أدباؤنا يُصنًّفون وفق انتماءاتهم, فنحن في عهد جديد, عهد منفتح ديمقراطي يعطي الكاتب أو الأديب الحق في أن يعبّر عن قضاياه كما يشاء طالما أنه يلتزم بالقواعد وبالأصول الأدبية. نحن نعيش في عهد جديد اختلفت فيه المعايير بحيث صارت الفنية والموضوعية هي المعيار لتقويم العمل الأدبي وليس مدى ارتباطه بهذه الفئة أو تلك موضوعاً وكاتباً. كما عانى شعراؤنا من ذلك التصنيف الرباعي المجحف في حينه للشعراء. وكم عانى كتابنا من التجاهل والتعتيم الذي ضرب حول إنتاجهم أيضا. مع أنهم كانوا يستحقون الإطراء والإشهار. ان الظروف التي كانت تحيط بالكاتب أو بالشاعر في تلك الفترة والتي جعلته ينتمي الى هذا الجسم أو ذاك أو التي جعلته يقف محايداً, هي الأخرى قد زالت. فجميعنا اليوم في خندق واحد, نصدر في كتاباتنا وإبداعنا عن نفس الهم وعن نفس القضايا. وطالما أن الانسان هو محور كتاباتنا وابداعنا، إذن علينا ان نتعامل مع العمل المبدع ذاته لا على أساس من هو صاحبه وما هي مواقفه وعلاقاته. أقول هذا الكلام لأنني أعرف تماماً الغبن الذي لحق بعدد كبير من أدبائنا في الفترات السابقة من جراء ذلك الذي نتحدث عنه. فحتى كاتب المقال الاستعراضي المذكور نفسه عانى كثيراً هو الآخر من هذا الأمر. أذكر كيف أنه جاءني معاتباً وغاضباً مرة لأن اسمه سقط أو أسقط من مقال كان بالأساس محاضرة عن القصة المحلية نشرته مجلة الجديد. وقد استغربتُ الأمر لأنني كنت متأكداً من أنني ذكرت اسمه أكثر من مرة لا بل وقفت عنده طويلاً لانه كاتب له فضل على قصتنا. وبعد التحقيق والبحث تبين فعلاً ان اسمه أُسقِط عمداً من المقال وذلك لان سكرتير التحرير لم يكن على علاقة طيبة به لذلك آثر إغفاله حين أعدَّ المادة وحرّرها.

من هنا أقول ان أديبا جرّب الأمر على جلده عليه أن يكون حذراً أكثر من غيره حين يكتب لئلا ينزلق ويقع في نفس الخطأ. عليه الا يبيح لنفسه ما لا يبيحه للآخرين. عليه ان يكون دقيقاً وصادقاً وموضوعياً حين يمرّ بعملية ذكر الأسماء.

واذا عدنا للمقال الاستعراضي المذكور والذي كان سببَ هذه الكتابة نجد كم كان صاحبه مجحفاً في حق الكثيرين, وكم كان بعيداً عن الموضوعية حين بدأ يعدّد أسماء الأدباء الذين كان للصحافة -خاصة صحافة الحزب الشيوعي-, دور كبير في تنمية أدبهم وفي ترسيخه وتطويره, فهو حين يذكر الشعراء يعدّد بعضاً منهم ناسياً أسماء أخرى بارزة نَشرت هي أيضاً في هذه الصحف والمجلات وربما أكثر من تلك التي ذكرها. ويكون الخطأ أكبر حين ينتقل لتعداد أسماء كتاب القصة فهو لا يجد من القصصيين سوى أربعة هو أحدهم طبعاً, ناسياً العديد العديد من كتاب القصة عندنا الذين لهم بصمات كبيرة على تطوير هذا اللون الأدبي وعلى شهرته. والأفظع من هذا وذاك حديثه عن الأقلام النثرية إذ لا يجد هنا سوى ثلاثة أسماء فقط. وان كنا نجِلّ جميع الأسماء التي ذكرها لدورها الأدبي المشهود, لكننا لا نستطيع ان نصمت إزاء الغبن اللاحق بالعديد من الشعراء والقصصيين والناثرين والنقاد والباحثين الذين أغفلهم الكاتب ربما متعمداً. ويستمد هذا الغبن مقولته من كون المقال موجها كما أسلفت للغير. فماذا سيفهم هذا الغير منه؟! سيفهم طبعاً أن هذه الأسماء المذكورة فقط هي صاحبة الفضل في تطور أدبنا وهي فقط التي عايشت الظروف وأثبتت نفسها بينما الباقي لا شيء, ولا يستحق ان يذكر. فشاعر مثلا كـ"فهد أبي خضرة" او كـ"طه محمد علي" او كـ"إدمون شحادة" او "ميشيل حداد" او "فتحي القاسم" او "سليم مخولي" او "علي الصح" وطبعاً القائمة طويلة من أسماء لشعراء أثروا حركتنا الشعرية المحلية.. ألا يستحقون ان يذكروا في هذا المقال؟! أو قصصي مثلاً كـ"رياض بيدس", أو "انطون شماس", أو "ناجي ظاهر", أو "توفيق فياض" أو "سلمان ناطور" أو "محمود عباسي" أو "نجيب سوسان" أو "ممدوح صفدي" او "مصطفى مرار" أو "عصام خوري", أو "عفيف سالم", أو "فاطمة ذياب" أو "عيسى لوباني" أو "نبيل عودة" أو "رياض مصاروة" أو "راضي شحادة" وأيضا هنا القائمة طويلة، ليسوا جميعاً مسجلين في ذاكرة الكاتب ولا يستحقون الذكر في مقاله الاستعراضي, هذا عدا الذين توقفوا عن الكتابة وهم كثيرون ورصيدهم في هذا المجال غني.. أو ناقد ودارس كـ"محمود غنايم" أو "نعيم عرايدي" أو "سليمان جبران" أو "سلمان مصالحة" أو "ابراهيم طه" أو "جبرا نقولا" أو كاتب هذه السطور وغيرهم الكثير من النقاد والباحثين والدارسين وكتاب المقالة النثرية والنقدية. هل هم أيضا لا يتوجب ذكرهم في هذا المقال؟!

هذا عدا الجيل الشاب الذي يلحّ على التواصل ويؤكد عليه شعراً وقصةً ونقداً وبحثا, والذين نشروا وينشرون أدبهم على صفحات صحفنا ومجلاتنا, الحزبية منها وغير الحزبية, كـ"شوقية عروق" و"نداء خوري" و"سامر خير" و"أيمن إاغبارية" و"عايدة نصر الله" و"سهيل كيوان" و"هشام نفاع" و"عفيف شليوط" و"عدنان عباس" و"سليم سلامة" و"رجاء بكرية" و"هيام قبلان" و"رقية زيدان" وغيرهم الكثير والعذر لمن فاتني ذكرهم.

لماذا هذا الغبن إذن؟! ومتى سنصبح موضوعيين؟!

متى سنتخلى عن معاملة الآخرين من منطلق علاقاتنا الشخصية أو السياسية بهم؟! متى سنتخلى عن هذه الحساسية غير المبررة؟!

اما ان الاوان للتحرر من كل ذلك وللالتصاق بالحقيقة وبالأمانة وبالموضوعية؟! امل أن يكون ما لاحظته من كل ذلك من باب الغفلة وليس من باب التعمد, متمنياً للجميع العطاء الدائم والكتابة الصادقة الخالية من الأنانية والحساسيات والحزازات الشخصية والسياسية.

حبيب بولس – ناقد أدبي  ، محاضر في مادة الأدب العربي في الكلية العربية للتربية في حيفا وكلية اورانيم الأكاديمية

drhbolus@yahoo.com