التعبيرات اللغوية في ظل الأحداث العالمية

د. ماجد يحيى أبوماضي قرأها 551
 

التعبيرات اللغوية في ظل الأحداث العالمية

بقلم: د. ماجد يحيى أبو ماضي

إنه لمن الغريب والعجيب أن نسمع منذ أكثر من ثماني سنوات لغة واحدة موحّدة في جميع لغات العالم من أقصاه إلى أقصاه، فقد فرضت الأحداث العالمية نفسها على اللغة في كل البلاد وعلى جميع العباد. فخطاب الإعلام تغير وخطاب اللغة تبدل. وقد بدأ التغير بالاستخدام اللغوي منذ انطلاقة انتفاضة الأقصى إذ بدأت اللغة الإعلامية بالتحول في دول العالم التي تدعو إلى إعطاء كل ذي حق حقه وتقف مع القضايا العادلة للشعوب. وأصبحت تعبر عن الأحداث اليومية للانتفاضة الباسلة والغطرسة الإسرائيلية في استخدام أعتى أنواع الأسلحة، وكل أدوات الترسانة العسكرية التي تمتلكها ضد هذا الشعب الذي ثار من أجل تحقيق حلمه، ككل شعوب الأرض الخاضعة للاحتلال، في إقامة دولته المستقلة والتمتع بحريته. وأصبحنا نسمع كلمات مختلفة عن المألوف وتراكيب تناسب ما يحدث ومصطلحات تواكب الحدث، فدخلت عبارات وتراكيب جديدة لم تكن تدخل في قاموس حياتنا اليومية مثل (خبر عاجل ـ عملية استشهادية ـ اندلاع الانتفاضة ـ التصفية الجسدية ـ تجريف الأراضي)، إن جميع هذه العبارات لم نكن لنسمعها لولا قيام هذه الهبة الجماهيرية ضد عدو لا يريد إعادة الحق ولا يريد إقامة السلام العادل والشامل في المنطقة. ومع تصاعد وتيرة الانتفاضة قامت الشعوب بمسيرات عمت أنحاء الأرض حمل أصحابها لافتات وشعارات موضوعها واحد، إذ توحدت أيضاً في مطالبها ولغتها، وإن كانت مختلفة في حروفها. فقد كانت تدعو إلى نصرة الانتفاضة وإعادة الحقوق إلى أصحابها وإيقاف عملية القتل والاعتقال والتدمير والتجريف، فكانت اللغة وسيلة تعبير صريحة عن مشاعر متأججة ومتحدة تجاه قضية الحق واستعادة الأرض، فكان للغة دور في إظهار مشاعر التعبير الواحدة لشعوب مختلفة.

وجاءت فيما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول في نيويورك وواشنطن لتكرس توحيد اللغات بلغة واحدة تعبر عن الحدث الذي هز العالم وغير كثيراً من المعادلات على صعيد الدول والمناطق الإقليمية. وأطلقت مصطلحات جديدة، فظهرت مدلولات ومفاهيم لغوية فرضتها هذه الأحداث وكرستها من خلال ضخامة الحدث ومدى تأثيره في الآخر. فتكرس مفهوم (العولمة ـ الغزو الثقافي ـ سقوط الأقنعة ـ هجرة العقول..)، وظهرت مدلولات لغوية لتعبيرات ذات مغزى تناسب المرحلة التي نعيش فيها. وقد وجدت هذه المدلولات اللغوية في جميع لغات العالم التي أخذت ترددها وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، فظهرت تعبيرات (التغطية الصحفية ـ أعطى الضوء الأخضرـ المطبخ السياسي).

ثم نصل إلى مهاجمة أفغانستان، إذ برزت أيضاً تراكيب ومفردات تناسب الحرب الجديدة وتعبر عنها، فبرزت تعبيرات (القضاء على الإرهاب ـ القصف اليومي ـ التعتيم الإعلامي)، إلى أن نصل إلى ما حدث من تهديدات بضرب بلد عربي شقيق هو العراق، إذ استخدمت تعبيرات جديدة أيضاً لوصف الحدث مثل: (محور الشر، أسلحة التدمير الشامل، حشود عسكرية، التنحي عن السلطة). جميع هذه الأحداث أوجدت تعبيرات اصطلاحية معاصرة وبعضها كان عالمياً، كانت تهدف من خلال ذكرها إلى معان أبعد من الظاهر في الشكل، فالهدف منها هو فهم ما وراء الكلمات من أفكار وغايات. وبعضها يريد إيصال إيحاءات يمكن أن تعدّ تهديداً خفياً يلمسه المرء من خلال قراءته لهذا التركيب أو ذاك المدلول.

لكنني أتساءل: ما موقف المعاجم العربية الحديثة من هذه التعبيرات الاصطلاحية المعاصرة؟ وهل استطاعت المؤسسات اللغوية العربية مواكبة هذه المدلولات التي أفرزتها التطورات السياسية والعسكرية وحتى الاقتصادية في المرحلة الراهنة؟ وهل جُمعت هذه المفردات في كراسات لتهيئتها وإخراجها في معجم لغوي خاص بالتعبيرات المعاصرة؟ وهل كرس اهتمام وجهد بمثل هذه الألفاظ والتراكيب المعاصرة التي تشيع في لغة الصحافة والإعلام العربي بشكل خاص؟ ولتوضيح القضية اللغوية والفكرية لمثل هذه المفاهيم لا بد من إلقاء الضوء على معانيها وتعريفها لنستطيع تصنيفها وتبويبها وتنسيقها وكيفية إدراجها في كراس لغوي يجمع مثل هذه المصطلحات، فالتركيب اللغوي هو تسلسل بعض الكلمات المترابطة قواعدياً وتعطي معنىً مفيداً يريد صاحبه إيصال فكرة محددة إلى الآخرين مثل (اختراق حاجز الصوت، ضربة عسكرية محتملة).

أما التعبير الاصطلاحي: فهو أسلوب لا يتغير من التعبيرات، يفهم من خلال اقتران بعض الكلمات، ليؤدي معاني تؤخذ من خلال تجاوز هذه الكلمات ويفهم المقصود منها بسهولة ويسر مثل (البنية التحتية، القبضة الحديدية، السور الواقي)، هذا التعبير يندرج في مجال الوصف. وهناك تعبير اصطلاحي يبدأ بفعل ماض أو مضارع مثل: (جر إلى الحلبة، يمشي مع التيار، يلعب على الحبلين)، وهناك تعبيرات اصطلاحية تدخل في مجال المجاز بين كلماته مثل (رفيق السلاح، ركن أساسي، الضغط السياسي). وهناك أخيراً معنى الكناية في التعبير الاصطلاحي فنأخذ المعنى الخلفي للتعبير فيصل المقصود إلى الذهن بسهولة ويسر ويكون أكثر تأثيراً وأشد وقعاً في النفس من الأسلوب التصريحي في التعبير عن المعنى المراد، فنقول: (قلب العروبة النابض، قلعة العروبة، غصن الزيتون). وهنا أؤكد ضرورة تحديد عناصر الجدة أو التغير والتبدل في التعبيرات الاصطلاحية المعاصرة والسعي إلى إضافتها إلى مخزوننا المعجمي، لأن هذا العمل يندرج في إطار مواكبة اللغة للحدث ومناسبتها في التعبير عن تطورات الأحداث وتطويع اللغة في خدمة هذه التطورات، وخاصة أن لغتنا العربية تحوي في داخلها كل قوانين التطور والتعبير عن كل تغير علمي أو ثقافي أو سياسي، لأنها حية قادرة على التجدد وعلى الاستمرارية في جميع الظروف التي تواجهها، وهي بذلك تحمي نفسها من دعوات الهجوم والادعاء بأنها متحجرة جامدة، فهذه التعبيرات المواكبة للأحداث تؤكد عكس ذلك وتمثل رداً قوياً على الدعوات والادعاءات التي تطلق ضدها.

وأخيراً لا بد لي من أمنية لغوية أتمنى أن تتحقق، وتتجلى بتبديل كل المصطلحات التعبيرية السلبية لتحل محلها التعبيرات الإيجابية، وأن تتبدل المفردات والتراكيب المتضمنة لمعاني الحرب والدمار بمدلولات فيها الخير والعدل والمساواة بين شعوب الأرض، وأن تطغى كلمة السلام على جميع الكلمات التي تتضمن التهديد والوعيد والتلويح بالحرب.

وتسود الجمل التي تعبر عن عودة الحق إلى أصحابه، وإنهاء فترة زمنية طويلة من الظلم والاحتلال والتشريد والتدمير. فيكفي المنطقة ما مرّ بها من أحداث وحروب وويلات. فكم من أسر تعاني المر والفقر، وكم من أفراد يقبعون منذ فترات طويلة في سجون الاحتلال الصهيوني، وكم من بيوت تهدمت وأشجار تقطعت وبنات تيتمن وأمهات ثكلن وفجعن، فكفانا الخراب والدمار وإلى السلام العادل والشامل.