رحل الطيب صالح.. نخلة الرواية وفتى النيل الأزرق
رحل الطيب صالح.. نخلة الرواية وفتى النيل الأزرق
خليل البيطار
كأن الموت لم يكتف بمحمود درويش ومحمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس فضمّ إلى مائدته الروائي المبدع والأديب الرحالة ابن النيل الأزرق وفتى أم درمان المشاكس الطيب صالح.
ولد الطيب في قرية كرمكول التابعة لمركز مروى في المديرية الشمالية بالسودان عام 1929، درس في كلية العلوم بالخرطوم ثم حصل على شهادة البكالوريوس، ثم تخصص في الشؤون الدولية ببريطانيا، وعمل في هيئة الإذاعة البريطانية ثم عاد إلى السودان وعمل في الإذاعة، وانتقل إلى قطر وعمل في وزارة الإعلام قبل أن يعين مديراً إقليمياً في منظمة اليونسكو بباريس ومسؤولاً عن منطقة الخليج بين عامي 1984 ـ 1989.
عُرف الطيب صالح بأعماله الروائية والقصصية ذات النكهة الواقعية، وبشغفه بجبال كردفان وأعالي النيل ومناطق النوبة، وكأنه حمل تراب الوطن على كتفيه في ترحاله الدائم بين عواصم الجنوب والشمال، كما كتب عموداً صحفياً أسبوعياً في دورية اسمها (المجلة) تصدر في لندن.
حظيت رواياته باهتمام القراء والنقاد، وصنفت روايته الشهيرة (موسم الهجرة إلى الشمال) التي طبعت مراراً وترجمت إلى العديد من اللغات الحية واحدة من أفضل مئة رواية في القرن العشرين، ونالت عدداً من الجوائز، وقد ساهم الناقد الراحل رجاء النقاش بتعريف القارئ العربي بها عند صدورها في بيروت عام 1966 لتغدو واحدة من نخلات الرواية العربية المعاصرة.
وأبرز أعمال الطيب صالح: عرس الزين، موسم الهجرة إلى الشمال، مريود، نخلة على الجدول، دومة ود حامد، ضو البيت (بندرشاه).
استخدم الطيب أسلوباً آسراً ينقل القارئ إلى أجواء الريف السوداني بفلاحيه ونخيله وترعه وأطفاله ونسائه الفاتنات، ويرسم الشخصيات دون تزويق أو تصنيع، ويرسل عباراته في تتابع أنيق يحاكي جريان مياه الجدول ويوظف ذكريات الطفولة وخبرات الحياة الغنية في السرد دون تطويل أو وصاية على الشخصية أو القارئ.
يرتكز أدب الطيب صالح على مفهوم الموت، وسبر أعماق الواقع الذي لا ينفك يوقع بضحاياه، كما أنه يحسن توظيف ثقافته الأوربية وتقنيات الرواية في الغرب، مقدماً لنا إطلالة على عالمين ثريين، عابراً بنا مواضع التصادم وبوابات التفاعل، مازجاً خبرته الفلسفية والنفسية والاجتماعية ببراعة في أسلوبه.
أثارت رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) نقاشات واسعة بين النقاد والباحثين، وأقيمت ندوات كثيرة حول الرواية وصاحبها، ومصطفى سعيد الشخصية الرئيسة فيها هو نموذج مثقف العالم النامي الذي تصدمه الحضارة الغربية، ويكتشف عنف الشمال المتقدم، فيحاول الانتقام على طريقة شهريار، إذ يصرع عشيقاته بعد أن يدخلهن إلى أجواء شرقية ساحرة في مغتربه الضبابي البارد. وقد منعت السلطات السودانية الرواية لواقعيتها المدهشة.
وقد كتبت مقالات كثيرة حول أدب الطيب صالح، وعقدت ندوات في بيروت تناولت أعماله ولغته وأبعاد عالمه الروائي ومحطات رحلته الأدبية، جمعت أبحاثها في كتاب صدر عام 1976 بعنوان (الطيب صالح عبقري الرواية العربية) كما رشحته مجموعة من المؤسسات والجمعيات الثقافية السودانية مؤخراً لنيل جائزة نوبل للآداب، وشهد تشييع جثمانه في أم درمان أكثر من 1500 شخص يتقدمهم الرئيس السوداني عمر البشير والصادق المهدي رئيس حزب الأمة المعارض ومحمد عثمان الميرغني الرئيس السوداني السابق.
رحل الطيب صالح مثلما عاش بسيطاً وصافياً، وعاد إلى تراب أم درمان مصغياً إلى خرير المياه، تاركاً لنا أن نتأمل في حكاياته البسيطة وثنايا عباراته ما يحيط بنا من حصارات، وما يحولنا بغمضة عين إلى ضحايا نتيجة غفلتنا وبؤسنا الثقافي، وثقل الرتابة المخيمة.