جان داية.. لكم جبرانكم ولي جبراني.. مع خمسين نصاً مجهولا
جان داية.. لكم جبرانكم ولي جبراني.. مع خمسين نصاً مجهولا
بيروت / رويترز *
كتاب الباحث اللبناني جان داية الذي جاء في 415 صفحة متوسطة القطع حمل في صفحاته نتائج جهود كبيرة وشكّل إضافات مهمة الى ما يعرف عن جبران خليل جبران وتصحيحاً لبعض ما اعتبر في السابق معلومات أكيدة ويلقي الكتاب ضوءاً كاشفاً على شخصية الرجل وفكره السياسي أيضاً.
وقد حمل كتاب جان داية الجديد عنواناً مركباً و"ناطقاً" في الوقت نفسه هو "لكم جبرانكم ولي جبراني.. مع خمسين نصّاً مجهولا لجبران".
والقسم الأول من العنوان مستعار من قول جبران الشهير في مقالة له في مجلة "الهلال" وتصويره للبنان الذي أحب هو "لكم لبنانكم ولي لبناني.." وهذا القسم من العنوان يوحي كما هو واضح بان هناك نواحي تتعلق بجبران خليل جبران الكاتب والشاعر والرسام التشكيلي وأحد أكبر رواد التجديد في الأدب العربي الحديث تختلف عما جرى التداول به في كثير من الأبحاث الأدبية.
والقسم الثاني من العنوان واضح تماماً في انه يقدم للقارى نصوصاً "مجهولة" لجبران ويصحح مفاهيم نتجت عن تقصير او أخطاء في البحث والتدقيق او عما هو أسوأ اي عما أسماه جان داية سعياً الى تغيير صورة جبران من حيث بعض مفاهيمه القومية والوطنية والاجتماعية.
وقد صدر كتاب داية الأخير عن "منشورات مجلة قبّ الياس". وقب الياس هي بلدة في منطقة سهل البقاع في شرق لبنان صدرت فيها المجلة الأدبية والاجتماعية المذكورة.
يختصر جان داية كثيراً من مواد كتابه الكبير في المقدمة التي كتبها له.
في المقدمة يلخص الباحث النقاط التي اختلف فيها مع من أشار اليهم بضمير المخاطب في صيغة الجمع بعد ان فصّل نقاط الخلاف في متن الكتاب فيقول موضحاً منهجه وبعض ما ميّز كتابه "وأخيرا يقتصر جبرانكم في كتبكم على الفصول الدراسية دون الوثائق الجبرانية المجهولة والمنشورة للمرة الأولى. واذا نشرتم بعض الكتابات الجبرانية في كتبكم فليس قبل ان تعيدوا صياغة بعض العبارات او تحذفوا البعض الآخر إضافة الى إجراء تغيير او بالأحرى تزوير في المصطلحات المتداولة في قاموس السياسة وعلم الاجتماع.
"اما جبراني في هذا الكتاب فهو شريك في تأليفه بمعنى وجود خمسين نصاً مجهولاً له كاملة ومذيلة باسم المصدر المنقولة عنه مع ذكر تاريخ العدد اذا كان جريدة او مجلة".
وافق داية بعض من سبقه من الباحثين على ان كاملة رحمة والدة جبران تزوجت ثلاث مرات لا مرتين اثنتين وان جبران ولد نتيجة زواجها الثالث من خليل جبران.
وقد حملت كاملة رحمة عائلتها وبينها ابنها جبران وسافرت الى بوسطن في الولايات المتحدة سنة 1895. اما جبران فقد عاد الى لبنان ليدرس العربية وكان في الرابعة عشرة من عمره.
في تلخيص داية النقاط التي اختلف فيها "جبرانه" عن جبران سائر الباحثين قال: "جبرانكم انتسب الى معهد "الحكمة" البيروتي في العام 1897 وبقي فيه سنين وكان متمرداً على نظامه الداخلي وتشدّد رهبانه.. وجبراني أصبح طالبا في المعهد... عام 1898 واستمر فيه ثلاث سنين..
واذا كان جبرانكم الطالب قد تفوق.. في اللغة العربية التي أصرّ على تعلمها دون باقي المواد فجبراني على ضوء سجل المعهد المفقود (لكن عند داية نسخة منه) متفوق في معظم مواد البرنامج التعليمي الذي التزم بها أسوة بسائر طلاب صفه".
ونفى ان يكون جبران كما زعموا "قد أغرق جريدة "الهدى" النيويوركية لصاحبها نعوم مكرزل بسيل من مقالاته.." وأكد انه لم ينشر في تلك الجريدة سوى رثائه لسليمان البستاني.
وأضاف ان جبران لم يدشن كما زعم الباحثون الآخرون سلسلة مقالاته في جريدة "المهاجر" بمقال عنوانه "رؤيا" صدر في 17 مايو ايار 1907 وقال مصححاً "جبراني افتتح السلسلة بمقال غير معنون صدر في "المهاجر" تحت العنوان الدائم "دمعة وابتسامة" بتاريخ 29 نيسان ابريل 1905 وقد سبق مقال "رؤيا" الصادر في 17 مايو ايار 1905".
ومن النقاط المختلفة قوله "جبرانكم عاد الى بيروت في العام 1904 بعد ان غادرها في نهاية العام الدراسي (1901) لمرافقة عائلة أمريكية كدليل سياحي اثاري... وجبراني لم يعد الى بيروت لانه كان فيها بدليل تاريخ رسالته الى والده وهو 1901 وليس 1904 .
وقال ان جبران عندهم اشترك في تأسيس "الرابطة القلمية" في نيويوك في العام 1920 مع بعض أدباء المهجر الامريكي الشمالي في طليعتهم ميخائيل نعيمة ولم يشترك في التأسيس أمين الريحاني لانه كما قال نعيمة كان على خلاف حاد مع جبران "وجبراني أسّس الرابطة القلمية في نيويورك سنة 1916 بمشاركة أمين الريحاني والآخرين المعروفين أمثال نسيب عريضة وندرة حداد والياس عطا الله ولكن نعيمة لم يكن من المؤسسين وهو انتسب اليها عندما استأنفت نشاطها في ربيع 1920 .
وقال "جبرانكم حزين مقطب الجبين ومتطرف في رصانته ولا يضحك للرغيف السخن... وجبراني شرّيب كأس فكه وساخر بالكتابي والشفهي".
أضاف ان جبران كما صوروه كان بعيداً عن الخطابة وكان دائماً يكتب خطبه "وجبراني خطيب وصلت هوايته في الخطابة الى مشارف الاحتراف، اشترك في معظم الحفلات الخطابية السياسية منها والاجتماعية"..
وتحدث الكاتب في مجال آخر عن دور جبران الوطني ونشاطه في وأد فتنة مذهبية في نيويورك بين المسيحيين "السوريين" كما كان اللبنانيون والشوام عامة يعرفون في ذلك الزمن.
وقد كتب مقالات تحت عنوان "ما الصحيح .." مستعيراً ذلك من ابي العلاء المعري في كلامه عن "الضجة" التي قال انها قامت في اللاذقية.
وقد قال جبران ان الدين في رايه هو "منتهى ما تبلغه فكرة المرء من السمو مسلماً كان او مسيحياً.
وكرر أقواله وأفكاره في أعوام تلت وبشكل خاص في مقاله "من شاعر مسيحي الى المسلمين". وأورد داية مثلاً ما أسماه حواراً تصادمياً مع الأديب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي الذي أغضبه بعض ما جاء في قصة جبران "وردة الهاني".
ومن موضوعات الكتاب ما ورد في الفصل العاشر بعنوان هو "مديرة صهيونية لأكاديمية جبران" في نيويورك حيث قال داية انه كان رائعاً تأسيسُ مدرسة باسم جبران هناك لكن من المروع ان تعين "دانييل سالزبيرج" مديرة لها ليس فقط لانها غير عربية ولا تفقه حرفاً واحداً من لغة الضاد بل لانها صهيونية متحمسة.." وقد ذكر ان النفوذ الصهيوني أبعد عن هذا المركز سيدة امريكية من أصل يمني.
وانتقل داية الى رأي جبران في الصهيونيين الذين كان يومها يستعمل مرادفا لهما هو اليهود. ويورد مثلاً هو رسالةٌ من جبران الى صديقته ماري هاسكل انتقد فيها "ممارسة اليهود لمقولة شعب الله المختار".
وكتب ما وصفه داية بانه استشراف لنفوذ اللوبي الصهيوني وحذّر من مصيرٍ قد يتعرّض له اليهود. قال: "كل ثاني شخص ترينه في شوارع نيويورك هو يهودي... رأيت اليوم نحو ألفين منهم يسيرون في الشارع الخامس... ربما يأتي يوم يزحف فيه سكان الجهة الشرقية الى الشارع الخامس تماماً كما زحف أهل باريس الى فرساي. ان اليهودي ملك في نيويورك والشارع الخامس هو قصره. وبوسع التاريخ إعادة نفسه..".
* من جورج جحا