هواجس الرحابنة تتغلغل في أحاسيسنا
هواجس الرحابنة تتغلغل في أحاسيسنا
مي باسيل
لن يغدو الأخوان رحباني تراثاً ولكنهما سيقتربان جداً من ذلك، فأغانيهما التي أنشدت المواسم والفصول والحياة القروية والبيئة الزراعية كانت أشبه بـ"نشيد أناشيد" معاصر، وهو الكتاب الذي تأثروا به، كما استدللنا من قراءاتنا، مما جعل معظم أغانيهما نوعاً من إنشاد "حضارة في طريق الزوال". ولكن هل يلغي ذلك ان شعرهما يستطيع تجاوز الزمن، وان تشابيه مثل "حبّيتك وسع الغابات اللي حدودها حدود اللفتات" ستصبح صورة مجازية، لا تستوقف أحداً؟ لا بالطبع، فالرحابنة أرسوا شعرهم ومسرحهم على مبادئ أصيلة، أخلاقية من دون شك، وأرسوا موضوعاتهم على هواجس هي "تيمات" تكررت عندهم في معظم مراحل فنهم، من البداية حتى النضج.
لو تتبعنا أغاني السيدة فيروز، سنلاحظ ان الرحبانيين عاصي ومنصور اختارا حتى من شعر غيرهما ما يوافق الموضوعات التي تهمّهما. هناك الحنين الى الطفولة في ما يشبه النزوع الدائم والتوق الى مرحلة التخفف من المسؤوليات والبعد عن الصراعات، وهو ما يميز معظم الفنانين. اذ يبدو ان الميل الفني هو هرب من المواجهة، مواجهة الحياة بصعابها وقساوتها ومساوئ أهلها، لذا يظل أهل الأدب والفن في استذكار تلك المرحلة الهانئة من اللهو والحماية الأبوية، وفي توق شديد اليها، لم يخف عند الرحابنة منذ المسرحيات الاولى كـ"دواليب الهوى" حتى المراحل اللاحقة في أغان معينة. هذا عدا انهم خصّوا الأطفال بأغان لهم: "تك تك تك يا ام سليمان"، "زوري بيوتنا يا شمس الاطفال"، "طيري يا طيارة" وغيرها.
"التيمة" الثانية عند الرحابنة، ولا تنفصل عن الأولى كما سنلاحظ في الأغاني، هي رفض التقدم في العمر، فمثلث الشباب او الطفولة والحب. والجمال لا يمكن ان ينفصل عندهم. وإن لم يتحدثوا عن الجمال البشري فعن طبيعة جميلة نما فيها الحب المرتبط بالطفولة عادة او باليفاعة، والذي يبدو العمر من دونه خالياً.
غنّوا عناصر الطبيعة كلها ويصعب ان نجد شيئا ًفيها لم يأتوا على ذكره. فكان للقمر أجمل أغانيهم، ولا داعي لنذكّر بـ"نحنا والقمر جيران". وكان لليل نصيبه ايضا، ولكن في بداية أعمالهم كان ليلا بهيما مخيفاً حافلاً بالمفاجآت (الليل والقنديل) كما في أغان لاحقة. وإن تغيرت صورته قليلاً، فصار للسهر وللقاء الحبيب او للجماعة، كاجتماع اهل القرية، فإنه ظل لحظة مرعبة او سواداً يوحي التشاؤم، ولعله رمز الى عدمية الموت، وظل لحظة اختلاء بالنفس تعيد الانسان الى شيء من خشية العودة الى الذات والتفكر في أحوالها.
"ليلية بترجع يا ليل/ وبتسأل عالناس/ وبتسقيهن يا هالليل/ كل واحد من كاس/ غبلك شي ليلة يا ليل/ وانسانا يا ليل".
هذه "التيمات" في شعرهم قد تكون لبست اللبوس المختلف بين حقبة واخرى ولكنها لم تغب كما ذكرنا.
اذا عدنا الى حنينهم الى الطفولة، نجد أغاني مثل "طيري يا طيارة" تصرّح بهذا علنا: "بدّي إرجع بنت صغيرة على سطح الجيران/ وينساني الزمان عا سطح الجيران"، في ما يشبه الرغبة في وقف الزمن. وستعود هذه "الأمنية" في أغنية "يا دارة دوري فينا" حيث نلاحظ مواجهة بين التقدم في العمر والرغبة في مقاومتها، فيقول الشاعر عاصي الرحباني:
"يا دارة دوري فينا/ ضلّي دوري فينا/ تَ ينسوا أساميهن/ وننسى أسامينا/ تعا تـ نتخبّى من درب الاعمار/ واذا هنّي كبروا/ ونحنا بقينا صغار/ وسألونا وين كنتو؟/ وليش ما كبرتو انتو/ منقلّن نسينا/ واللي نادى الناس/ تا يكبروا الناس/ راح ونسي ينادينا"!.
يريد الفنان حتى ان يختبئ من العمر كما يختبئ الطفل مما يخيفه، ليدّعي انه يمكن ان "ينجو من عقابه"، فإحساسه بأن العمر قاتل لا يمكن نكرانه بعد هذا الشعر و"أزمة العمر" فيه واضحة، وحتى في أغنية "يا قمر" يقول الرحابنة له: "أحلى تضلّك قمر صغير لشو تكبر يا قمر؟".
لم نفهم سبب دوران الدار في شعرهم سوى انه نوع من مطابقة كلمة على كلمة، فقد وردت مراراً في أغنية "يا أهل الدار دارت فينا العلية"، وفي "ليل وأوضة منسية وسلّم داير مندار" كما في أغنية "فايق يا هوا"، وسنتحدث عنها في سياق الكلام عن الحب.
الحب الأجمل اذاً هو الحب البريء، الذي نما بين طفلين كبرا وحافظا عليه او فقداه، فهو الذي تثار ذكرياته دائماً في أشعارهم. ولو عددنا الأغاني في هذا الإطار فسنجد الكثير. "فايق عليي"، "سوا ربينا"، "فايق يا هوا"، "فايق ولاّ ناسي" وغيرها، وهناك في أغنية "فايق يا هوا" شبهة ملامسة جسدية بين طفلين عاشقين، لا يلاحظها السامع تواً ولكن إن تتبعنا الكلمات فسنفهم أن الدار دارت بهما من جموح إحساس ما عرفاه.
تقول الأغنية: "فايق لما راحوا/ أهالينا مشوار/ تركونا وراحوا/ قالوا ولاد صغار/ ودارت فينا الدار/ ونحنا ولاد صغار/ والهوا جمّعنا/ وفرّقنا الهوا".
لن يتوقف حديث الحب عند هذا الحد، بل سينتقل الى التعبير عن عذاب الفراق، بغير الشكل الرومنطيقي في مرحلة لاحقة (لولو) فينقل صورة إحساس مضن يختلف عن تلك "اللذة" القديمة التي غدا ألمها ضبابيا. هنا كلام يستنطق الأحاسيس كما في أغنية "من عز النوم". تقول العاشقة:
"كنا تودّعنا وصوتك غاب/ وناداني العمر الخالي/ ولمّا ع حالي سكّرت الباب/ لقيتك بيني وبين حالي/ مشلوحة على بحر النسيان/ فارقني النوم وكل شي كان/ ووجّك ما كان يفارقني...".
شعر كهذا الا يتجاوز الزمن؟ ام ان فكرة عشقهم "حالة الحب" ككل الفنانين ستندثر ولن تفهم الاجيال قولا مثل "ونحنا العاشقين على طول عاشقين وانتوا بليالينا عايشين"؟ الا يحلم الناس بالحب عندما يرون عاشقين امامهم او قصة حب فيعيشونها كأنهم أبطالها؟
الحب هو "زمن" عندهم، والعمر والأحاسيس، كلها عناصر مترابطة. حتى العمر عبّروا عنه بالمسافة في أغنية "عم يلعبوا الولاد" التي تقول:
"يا ولادنا اللي بتركضوا بالعيد/ وكل عيد بتبعدوا لبعيد". اي انهم يكبرون. وتكمل: "يا ما بلياليكن/ نسهر نغطّيكن/ نفزع نوعّيكن/ ولما بتوعوا من إيدينا بتهربوا". فهل أجمل من جعل الاستيقاظ من النوم عبارة عن الإدراك او النضج الذي يجعل الاولاد يرفرفون بأجنحتهم ليطيروا بعيداً عن الأهل؟
"بيقولوا الحب بيقتل الوقت/ وبيقولوا الوقت بيقتل الحب"، فأيهما القاتل وايهما المقتول، وهل هما عاشقان يتواجهان في صراع؟
هل تفنى أشعار كهذه؟
صاغ الرحابنة وطنا اتُهموا بأنهم صاغوه من وهم وجعلوه أسطورة، ولكن لبنان هذا الذي نحبه اليوم ونتمسك به، قام على تلك "الاسطورة". فهل هناك من ينكر ان اللبنانيين لم يُجمعوا على شيء كما أجمعوا على حب الرحابنة وفيروز؟ وهل من دون ان "يحضنوا" ذلك الوطن الصغير ويحبّوه كطفل، كان ليبدو كبيراً في أنظارنا؟ الا تقوم الأمم على الأساطير ايضا؟
عندما اقتبس الرحابنة من "نشيد الأناشيد" أخذوا برقّة لا توحي انهم استمدوا منه، وقد لا نلاحظ ذلك الا مصادفة. هناك مطلع فاجأنا عندما قرأناه في تلك الاشعار، انه مطلع أغنية "انا لحبيبي وحبيبي إلي"، فقد رأينا مقابله "انا لحبيبي واليّ اشتياقه" و"حبيبي لي وانا له" وتتابع الأغنية: "ندهني حبيبي جيت بلا سؤال/ من نومي سرقني من راحة البال/ ندهني حبيبي قللي الشتي راح/ رجعت اليمامة زهّر التفاح". ويقابلها في الكتاب المذكور "صوت حبيبي. هوذا آت طافراً على الجبال.. اجاب حبيبي وقال لي قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي لأن الشتاء قد مضى والمطر مرّ وزال وصوت اليمامة سُمع في أرضنا". وفي أغنية "ليلية بترجع يا ليل" تقول فيروز: "انا مش سودا بس الليل سوّدني بجناحو"، فإذا في النشيد "أنا سوداء وجميلة يا بنات أورشليم... لا تنظرن اليّ لكوني سوداء لأن الشمس قد لوّحتني". وفي معظم مسرحياتهم، البطلة منذورة لأمر ما، تماماً كما في النشيد "غضب عليّ بنو أمي، جعلوني ناطورة الكروم". في مسرحية "فخر الدين" كان الوعد "وعد الصوت" أن تغنّي لوطنها، وفي مسرحية "جسر القمر" كانت الصبية مسحورة، وفي أغنية "ليالي الشمال" يرد: "يا حبيبي أنا عصفورة الساحات/ أهلي ندروني للشمس للطرقات/ لصوتك يندهلي مع المسافات".
ولو ختمنا لقلنا إن الحراس في "نشيد الاناشيد" الذين أوقفوا العاشقة التي تبحث ليلاً عن حبيبها، وُجدوا في أغنية "يا قمارة" حيث تقول: "طْلِعت على السطح/ دلّوا عليّ الناس/ قالوا مدري شو بها/ وخبّروا الحراس".
لا يكتمل الحب عندهم، فهناك فراق يترصده دائماً وهناك عذاب كأن الليل هو "غراب البين" ينعق أو لون "غرابي" يوحي بالشحن. من أغنية "ليلية بترجع يا ليل"، حيث مرّ الخيالة ولم يردّوا على العاشقة ومعهم حبيبها الذي لم يسمع نداءها، الى أغنية من مسرحية: "بترا" تقول: "أنا خوفي من عتم الليل/ والليل حرامي/ يا حبيبي تعا قبل الليل/ ويا عيني لا تنامي". إنه المجهول، أشبه بالموت المعنوي حيناً: "يا حبيبي تنْيتنا غِرب/ ليل ودرب بعيدة/ رح يسرقني عتم الدرب/ هدّيني بإيدي" (على جسر اللوزية)، وأشبه بالخطر حيناً آخر، فهو يحمي السارق كما في أوبريت "الليل والقنديل" ويتيح للبشر انتهاكات عدة منها "اللذيذ" ومنها "الشرير"، وهو ليل القرى القديم، حين لم تكن الكهرباء متوافرة، حين كان الناس يخشون السير في الطرق ويحسبون له ألف حساب، قبل أن يصبح "ليلاً أزرق" يرجونه ألا يغادر (سهرة حب): "يا ليل الأزرق خلّيك اسمعنا/ مش رح نتعوّق بتسرّب معنا"، أو: "شو همّ ليل وطال/ وينقص العمر نهار" (سهار بعد سهار). ولكنها لمحات تومض في ليل مخاتل أشبه بنذير سيّء كان يعود ذكره في مراحل حديثة.
الغربة، هي ما يطغى على أبطالهم. العشاق غرباء والأبطال غرباء، والفنانون غرباؤنا الذين يدخلون بيوتنا فلا نخافهم. غربة عن الدنيا وغربة تلامس الموت، الموت الذي لن يطغى عليهم مهما اشتدت حلكة المستوى الفني المتدني.
في أعمال الرحابنة ما قد يحبه الصغار لو أطلعناهم عليه، بدل تعويدهم الأغاني التافهة. الأمم تقوم على فنانيها وخلاّقيها، لا على الأساطير.
بيت بمنازل كثيرة - جريدة النهار