جرائم الشرف.. إلى متى؟

عبد الكريم بدرخان قرأها 589
 

جرائم الشرف.. إلى متى؟

بقلم: عبد الكريم بدرخان

جرائمُ الشرف مصطلحٌ واسعُ الانتشار في الصحافة وبين الناس، وتُعتبرُ هذه الجرائم مادةً غنيّةً ينكبُّ الصحفيون على البحث عنها، لنشرها وفضحِ وقائعها في صفحاتِ الحوادث التي أصبحت تلاقي رواجاً واهتماماً أكثر من الصفحات الثقافيّة أوالأدبيّة وغيرها.

لن أعطي أمثلةً على هذه الجرائم فهي معروفةٌ للجميع، ولن أناقش مفهوم الشرف الذي يختلف حتماً من شخصٍ وآخر، لكنّي سأتكلّم عن النصوص القانونية التي تسمح بوقوع مثل هذه الجرائم التي كثيراً ما يروح ضحيّتها الأبرياء، وسأتكلّم عن الآثار الاجتماعية الناتجة عن إعطاء العُذرِ المُحِلّ لمرتكبي هذه الجرائم.

 وسأعتمد القانون السوري -على سبيل المثال لا الحصر- لأنني أدرى به، مع يقيني التام بأن جميع البلدان الشرقيّة تتحد بهذه المعتقدات الاجتماعية والقوانين.

نقض المصطلح:

أولاً لا يوجد شيء في القانون اسمه (جريمة شرف)، بل يوجد (جريمة قتل- جريمة إيذاء- جريمة سرقة.....)، وفي مكان آخر يوجد ما يعرف بالأعذار المُحِلَّة والأعذار المُخفِّفة للعقوبة، ومن هذه الأعذار المخفِّفة للعقوبة هناك الدافع الشريف (مادة 192 قانون العقوبات)، ومن خلال التزاوج (جريمة + شرف) بين هاتين الكلمتين نشأ عندنا هذا المصطلح الإعلامي أو الشعبي؛ الذي أرفضه كونه يخلط بين الجريمة كفعلٍ شائن وبين الشرف كخُلُقٍ نبيل، فلا يمكن للجريمة أن تكون شريفة؛ كما لا يمكن للشرف أن يدفع للجريمة.

لمحة قانونية:

 نصت المادة 548 من قانون العقوبات السوري الصادر عام 1949 م:

(( 1- يستفيد من العُذر المُحِلّ من فاجأَ زوجَه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود، أو في صلاتٍ جنسيَّة فحشاء مع شخص آخر، فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما دون عمد.

2-             يستفيد مرتكبُ القتل أو الأذى من العذر المُخفِّف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالةٍ مُريبةٍ مع شخص آخر)).

وهذه المادة مأخوذة من المادة (324 ف2) من القانون الفرنسي، مع الفرق أن القانون الفرنسي لم يمنح في الحالة الأولى العُذرَ المُحِلَّ بل منحَ العذر المخفِّف فقط وفي حالةٍ واحدة هي زنا الزوجة، وبشرط وقوعه في دار الزوجيّة.

أما السبب الذي دفع المشرّع السوري إلى  هذا التعديل فهو ربّما رغبته في المحافظة على (مادة 188) من القانون العثماني والتي كانت مطبّقة في بلاد الشام: ((رؤية الزوجة أو إحدى المحارم مع شخصٍ على فراشٍ غيرِ مشروع)).

إذا تأمّلنا الفقرة (1) من المادة (548) من قانون العقوبات السوري؛ سنجد أنّها تخالف واحداً من أهمّ المبادئ الذي تبنّته التشريعاتُ الوضعيّةُ الحديثة وهو مبدأ الحقِّ العامّ القائل بحقِّ الدولة وحدها في معاقبة فاعل الجريمة، علماً بأنّ المجني عليها لا تكون مرتكبةً أيّ جريمة قانونية إلا في حالة واحدة هي عندما تكون متزوّجة أي جريمة الزنا (مادة 475)، أما المرأة البالغة العاقلة غير المتزوّجة فلا يوجد في القانون ما يُجرِّم فعلها إطلاقاً، فكيف يمكن للقانون نفسه أنّ يُحِلَّ قتلها؟

وإذا تأمّلنا الفقرة (2) من المادة (548) سـنجدها تخالف واحداً من أهمّ المبادئ القانونية أيضاً، وهو المبدأ القائل: (كلُ شكّ يفسَّرُ لمصلحة المُتَّهم)، وهنا الشكُّ أو الريبةُ يفسَّر لمصلحة الجاني ضد مصلحة المتَّهمة، التي كثيراً ما أثبتَ الطبُّ الشرعيُّ براءتها بعد فوات الأوان.

وهذا العذرُ المُحِلُّ أو المُخفِّفُ ممنوحٌ فقط للرجل ضد المرأة، أما المرأةُ فلا تملكُ شيئاً من ذلك، وإن كان القانون الفرنسي قد أعطى االعذرَ المخفِّف للزوج على زوجته، فذلك مراعاةً لسورة الغضب الشديدة التي ستفقده السيطرة على تصرفاته بنسبةٍ كبيرةٍ وقتَ مفاجأته زوجتَه، وهذا الغضبُ مهما بلغَ فإنه لن يعدم الوعيَ أو الإرادةَ كُلياً، فلذا لا أجدُ العذرَ المُحِلَّ مناسباً للحالة النفسيّة للمجرم.

الآثار الاجتماعية:

إن استمرار تطبيق هذه النصوص لعشرات السنين، سيكرّسُ في المجتمع فكرة (حراسة المرأة)، وفكرة (حراسة المرأة) تظهرُ المرأة بإحدى هاتين الصورتين: فهي إما أفعى خبيثة تنتظر أقلّ فرصةٍ لتلدغ من الظهر، أو هي قطّة عمياء تنقاد بسهولةٍ وكيفما اتّفق.

فعندما نعطي الرجلَ الحقَّ في قتلها، نعطيه تبعاً لذلك سلطةَ مراقبتها وحراستها وتقييدها، إضافةً لمحقِ حريّتها ومسخ شخصيتها وإتباعها بشخصيّته، وهي استمرار لعادة الجاهليّين بوأد البنات اتقاءً للعار، وهكذا تتكرّس عبوديّةُ المرأة للرجل والتي تخرقها دائماً رغم حراسته، وهذه العبودية موجودةٌ فعلاً - فيما يتعلّق بهذه الأمور- وعند الشريحة العظمى من المجتمع.

إن فشلَ الرجل في حراسته للمرأة هو الدافعُ النفسي والاجتماعي لقتلها، والرجل يفشل دائماً في ذلك فيظنّ أنّ جريمةَ القتل ستمحو العار أو الخطأ الأخلاقي/ الاجتماعي الذي وقع، لكن الحقيقة غير ذلك فهو يردُّ على خطيئةٍ أخلاقية/ اجتماعية بجريمةِ قتل، وهذه الجريمة ستشكّل خطأً اجتماعياً.. وخَلَلاً أخلاقياً.. وقلقاً إنسانياً أكبر، وهذه الجريمة الأكبر ليست حلاً للجريمة الأصغر بل هي مجرّدُ غطاءٍ اجتماعيٍّ لها؛ وهي أقبح منها أخلاقياً وإنسانياً.

 أعتقد أن مفهوم الحراسة وسلطة المراقبة يجب ألا يكونا موجودين أساساً، (باستثناء ولاية الأب على أولاده القُصَّر)، وهذه المفاهيم يكتسبها الشخصُ من بيئته وتربيته وهنا يبرز دور التربية والتعليم بتوعية الناشئة وإطلاق تفكيرهم من قفص الموروث.

هل نحلم بالتغيير؟

إنّ الأفكار الحقوقيّة كبُنى فوقيّة ليست سوى انعكاسٍ للبُنى التحتيّة من علاقات اقتصادية واجتماعية (مجتمع ثيوقراطي- أو طبقي – أو استغلالي...)، وهذه المادة القانونية ليست سوى انعكاسٍ لما يريده الناس، ولما تمثّلهُ قيمُهم ومعتقداتُهم، فإذا افترضنا وجودَ رغبةٍ عند المُشرِّع في تغيير هذه المادة؛ فالسؤال الأول: ما هي ردّة الفعل المتوقّعة من الناس؟

في هذه الحالة سنصل للإجابة المريرة: (الكثرةُ تغلبُ الثقافة)، وإن كنا نعتقد – متوهّمين - أنّ الآداب العامة: (هي عاداتُ الأشخاص الشُرفاء – خاصةً في ما يتعلّق بالأمور الجنسيّة – في زمانٍ معيّن ومكان معيّن) فسندرك حينها أننا مخطئين، لأنها عاداتُ الأكثريّة الغوغاء لا الأقليّة الشرفاء.

والسؤال الثاني: إذا تغيّر القانون.. هل ستتغيّر أفكار الناس ومعتقداتهم؟!!

المراجع:

1-  د. السرّاج، عبّود، قانون العقوبات – القسم العام، 2001، منشورات جامعة دمشق.

2-  د. الحكيم، جاك يوسف، شرح قانون العقوبات – القسم الخاص – الجرائم الواقعة على الأشخاص والأموال، 2003، منشورات جامعة دمشق.