فانتازيا من ألبوم الذاكرة - 1966
فانتازيا من ألبوم الذاكرة - 1966
إلى ابن ضيعتي
اللي ما التقيتو بحياتي بسّ بشوفو
وأنا مغمّض عيوني كل يوم.. إياد قحوش
مفيد مسّوح
- قوم قوم ياجدّي هات لي صندوق هالعدِّة وتعا قعود جنبي.
- بدّك تصلّحو؟
- بدوّ تصليح وشدّ من فترة لفترة.. الهوا ياجدّي والشمس وميّة الشّتي بيأثرو ع الخشب بعكس ما بيعملو بالشجر. الشجرة الغارسة شروشها بالأرض بتحب ميّة الشّتي وبتنبسط بالهوا وهوّي عم يلاعب وراقا وزهرا وبتكيّف ع طلوع الشمس لما غصونها العالية بتبوس وراقها أول خيطان ضو الصبح.
لما منقطع الشجرة ومنعمل من خشبها عرقة وبدّ وصمد وسلّم ودرابزين وبوّابة بيبقى اللي عملناه خشب.. ضعيف.. وبيصيرو الميّ والهوا والشمس ياكلو منو ويفتفتوه.. والخشب اللي كان حامي حالو لحالو هو وشجرة صار بدو مين يحميه..
قمت ع الخمّونة العتيقة وفتحت صندوق الخشب الكبير.. تقيل بابو بسّ كنت قبضاي متل ما بيوصفني جدي اللي ما كان يحب اللي جسمهن ضعيف أو بنْيتهن هزيلة.
بصعوبة رفعت صندوق العدّة المليان بالمسامير والبراغي والمفكات وفيه الدّشلة والكماشة والبانسة والقطاعة وجاكوشين واحد زغير وواحد كبير وفارة زغيرة ومنشار زغير وفيه كمان علبة غري وقطع جلد ومقص أسود ومبرد وورق برداخ وقطع معدنية منوعة من بقايا مواد تالفة.
طحّيت أنا وعم إرفع الصندوق.. كان عمري بْهِديك الصيفية 14 سنة، بسّ عْمِلت جهدي إتوازن وقوم بالمهمة من خوفي ما بيّن قدّ الحِمل، وعملت محطات استراحة وحدة ع حرف الصندوق ووحدة ع كرسي القشّ الزغيرة عند الباب ووحدة فوق الجرن القاعد تحت المشمشة أنا وعم إنقلو من إيد لأيد. وصلت ع المصطبة قدام باب الدار الملزّقة بالطريق. جدي كان يحب يعمل أشغالو ع المصطبة منشان ما تروح عليه تحيات المارقين ع بيوت الحارة التحتانية أو الطالعين ع الساحة أو الرايحين مشوار بعيد أو الجايين من شي سَفرة.
مع إنو المصطبة ما كانت كبيرة بسّ يالطيف شو قعدو عليها ناس وشو سمعو حجار حيطان البيت الحاضنها من ميلتين أحاديث ونقاشات من إيام العصملّي والدرك الفرنساوية حتى إيام عبد الناصر. وبقيِتْ لوقتها ولبعدين أكبر مخزن للحكايات والأحداث والأحاديث.
فتح جدي صندوق العدّة اللي كان عاملو بإيدو وبدي يطلّع من قلبو العدّة والمسامير. جبتلّو كرسيين زغار حطّيتهن قدّامو وبعّدتهن عن بعض شي تلات متار وساعدتو يلقـّح عليهن السلّم اللي كانت ستّي جابتلو ياه عن حيط الخمّونة قبل ما تروح هيّي وأمّي العصر ع الكنيسة.
جدّي كان مُقعد. عاش حياة كاملة ما نقصو شي، بدون رجلين. فقد رجليه بحادث تحت عربات الترين بأمريكا وكان عمرو 12 سنة. ركّبولو رجلين خشب وخيّروه فاختار الرجعة ع ضيعتو واشتغل كندرجي. وعاش حياة كلا شغل وفرح ورضى وشرب واستقبالات ولعب بالورق وكتابة قصايد شعر زغيرة. ولأنو كان بدون إجرين تركزت قوّتو بإيديه. قدّامي طعج بأصابعو الفرنك الأصفر وتنى الطرفين ع بعضن.. وكان صاحب شخصية.. ما ردّ ع نخلة اللي تحداه يْرجّعو متل ما كان. جدي كان ممكن يمسك السلّم بإيدو من طرفه ويخلّيه أفقي ع استقامة وحدة لوقت ما بيقدر غيرو عليه.
وجدّي كان المشجّع الأكبر لولادو ت يختارو طريقهن بالفكر والسياسة والعمل. وكانت لأصغرن مطانيوس مكانة خاصّة عندو.. وكانت إلهن أحلام ما قدرو يوصلولها أبداً وتعرّضو بسبب كبرها لمتاعب ولحالات إحباط.
بلّش جدّي يصلّح السلّم من القسم الوسطاني. كنت قاعد قدّامو وعمراقبو.. وكنت بتمنّى يشغّلني معو بدقّ شي مسمار أو بالحفّ والتنعيم. جدّي عرف إني عم إتطلّع عليه صار يشتغل ع مهلو وبلّش يحكي وأنا إسمع:
- هالسلّم ياجدي إلو ذكريات طيبة بهالبيت.. بيختلف عن السلالم العادية. هادا سلّم عمّك مطانيوس.
بيّن ع عيوني اللي تطلّع فيهن جدي بحنان أنو بدي أعرف شو قصدو.. قمت عن الكرسي وقعدت ع الدرجة جنبو.. وراح يحكي هوّي وعم يشتغل.
- السلّم هادا قديم.. خشباتو من هون.. من حبنمرة.. من صفصافة قطْعوها من الوادي ت يفتحو ممرق فوق النهر. جابولي ياهن من شي عشرين سنة وعملت هالسلّم اللي كانو يطلعو عليه ت يروحو ع بيت بو طنسي خالك. ومرّات ت يحوّشو تين وعنب من الغصون العالية. تمّت ريحة الخشب بهالسلّم أكتر من خمس سنين.
- وليش إسمو سلّم مطانيوس؟
- من تمن سنين كان عمك مطانيوس متل ما بتعرف مدير مدرسة الضيعة. وهوّي من أوائل الشيوعيين بالضيعة. ولما صارت الوحدة بين سوريا ومصر صارت أجهزة الأمن تلاحق الشيوعيين وتحطّهن بالحبس. هرب عمّك وتخفّى وصارو يدوّرو عليه وما يلاقوه.
- إيه!!
- كان هالسلّم أهم شي يساعدو ع الهرب لما تبين الدورية الهاجمة بشراسة ع الضيعة. كانو يفوتو ع بيت المختار ويجيبوه ع البيت ومرّات يجو بلا مختار ويقلبو البيت فوقاني تحتاني وما يلاقو مطانيوس. وعمّك كان هون.. بالضيعة.. وكان عم يتابع شغلو بالحزب.. وبقي ع هالحالة فترة مليحة لبين ما دبّرولو طريق ع لبنان. وبقي ببيروت وما شفناه ت صار الانفصال من خمس سنين. هالسلّم كان يذكرني فيه قدّ ما طلع عليه وهوّي عم يهرب.
- كيف ولوين؟
- شويّ قبل ما يروح ع بيروت. بسّ بعدين استخدمو كتير. هلّق عمك ياعين جدك طليق ورجع ع التعليم بحمص. بسّ من تلات سنين رجعو يلاحقوه.. مرّات كل يوم ومرّات بالليل.. يمكن كانت توصلهن إخباريات أنو هوّي بالضيعة من شي واحد نفسو واطية. وكان عمّك هون.. ينام معنا ويغيب بالنهار مامنعرف وين.. بالليل يطبّ علينا.. ينزل ع السلّم ويشيلو ع جنب. وإذا خـِبـِر إنو في دوريّة ينطّ بدقيقة يلبس ويحمل خنجرو ووراقو ويطلع ع هالسلّم وبنطّة يصير ببيت أتّون، وبعدا ما نعرف لا وين ولا كيف. ما نشوفو إلا طبّ علينا بشي ليلة، يتعشى ويتحمم وينام ويختفي قبل طلوع الضوّ.
كان بيت أتّون – أم حنا بلزِق بيتنا بسّ كان بيت عتيق ومهجور، تركوه وانتقلو ع بيتهن الجديد وجابو ع البيت العتيق كام بقرة وفدّان. كانت أم حنا تجي الصبح تاخد البقرات والمسا ترجّعهن بعد ما تحيّد ع عين مريم تسقيهن وتجبلنا بطريقا جرّة مي باردة.
ما كنت بعرف شكل هالبيت من جوا. ما في شي يشجّع ع الفوتة عليه.. ريحة الزبل اللي فيه معبايّ الحارة. بعد حديث جدي صرت متشوّق فوت عليه.. صرت حسّ أنو فيه شي بيخصّنا. كان الحيط بين دارنا ودار أم حنا واللي ارتكى السلّم عليه ت ينقذ عمي مطانيوس معمول من صفوف من حجار سودا مغطاية بطين وتبن. وكانت غصون المشمشة الفوقانية بْإيام الربيع والصيف بتغطِّي الحيط والسلّم.
- كتير بقي ع هالحالة؟
- أقل من سنتين بشويّ.. صارت معو قصص بتتسجلّ.
- حكيلي ياجدّي. أنا بحب عمي مطانيوس.
تابع جدي تصليح السلّم بشكل متقطّع.. مرّة يترك ت يلفّ سيجارة عربي من العلبة ويشعّلها وينفخ نفس طويل ت توصل الدخنة ع البلكون ومرّة يترك ت يشرب طاسة ميّ من بريق الفخار المحطوط بقلب جورة بْحجر ع زاوية المصطبة عند إيدو اليسار.. كان عم يتفقد الدّرجات وحدة وحدة.. ولكل وحدة كان يلاقي شي يعملو.. تبديل مسامير، غري ورفع وتنزيل، ربط بصفيحة متل الشريط ودق كام مسمار فوقها، تنعيم بالمبرد أو بالورق.. وبس يخلص من درجة يشدّ عليا كأنو عم يعمل بروفا للطلعة أو النزلة ع هالدرجة.
كفوف جدي وهوي عم يصلح السلّم كانت كإنها ماسكة شغلة عزيزة كتير عليه. ومن عيونو كان مبين إنو معجب بشغلو.
- أهل الضيعة ياعيون جدّك كانو يحبونا ويحبو عمك مطانيوس. كتار منهن كانو مفتكرينو رجع ع لبنان. الشباب اللي كانو بالتنظيم كانو يعرفو انّو بيروح وبيجي بسّ ما حدا منهن بيحكي. مرّة لمْحِتو ستّك شفيقة وخافت.. ولما سألت بصوت واطي وشافتنا مترددين بالحكي صارت تبكي وتقول: خايفين عليه مني؟؟ شو إنتو بتحبوه أكتر منّي؟!.
أتّون ولا مرة شافتو مع انّو بيتها المهجور كان الممر الوحيد للهرب. ما صدف مرّة كان موعد خروجو مع موعد وصولا الصبح أو المسا. عدّة مرّات بالليل أو بالنهار كانت توصَلنا أخبار انّو في دورية عند المختار أو بيّنت من الشّريفة.. كان يلحّق يلبس ويطلع ع السلم وينط ع هالزريبة ونحنا نشيل السلّم بسرعة ونحطّو بالخمّونة. وما نعرف إذا عمّك بقي بالزريبة ولا هرب ع الوادي أو الحرش ومن هنيك ع صافيتا أو العيون أو شي ضيعة ب هالوادي.
كانت الدورية تجي من أكتر من مخفر. الضيعة ما فيها مخفر ولا درك.. مرّات كانو يجو من تلكلخ، عندن مهمة كبيرة ما عم يقدرو ينجحو فيها. وكان الضغط على المختار جبرا الأنيس كبير كتير بسّ جبرا كان جدع. صحيح هوّي وولادو قوميين بسّ كنا نحنا وهنّي طيْبات. كان جبرا موصّي حدا من الناس القريبين عليه لما بيشوف الدورية وصْلِت أو قرّبت يروح بسرعة ع الساحة تيخبّرنا.
مرّة إجت الدورية ع غفلة بالنهار وما كان جبرا ببيتو.. لبين ما خبّروه كانت الدورية وصلت ع الساحة هون جنب البيت كنت أنا بعيد شوي عن البيت، استعجل جبرا ولاقاهُن بالساحة وفاتو بسرعة ع البيت. كانت ستّك مدري شو عم تطبخ وحاطّا السلّم ع طرف سقيفة المطبخ لما سمعت صوت المختار اللي علاّ صوتو عن قصد: بو الياس.. وينك يابو الياس.. جاييك ضيوف مهمين.. أم الياس...
حسّت ستّك وبسرعة عيّطت لعمّك من أوضتو ودفشتو ع السلّم ت يتخبّا بالسقيفة. كانو الدرك تنين وقفو مع المختار جبرا بالدار. سأل المختار: شو أم الياس وين مطانيوس؟ شو ما إجا من بيروت؟
ضربت عيون الدركي ع السلم اللي ما لحقت ستّك تشيلو عن طرف السقيفة فاستخدم ذكاه وقدّر انّو مطانيوس بالسّقيفة. خافت ستّك كتير ونكزتو لجبرا اللي فهم ع الطّاير وبسرعة مسك الدركي اللي همّ ت يطلع ع السلّم وشدّو لتحت: "ولك يارجّال وين طالع؟؟!! شو مفكّرو فارة تلاقيه بالسقيفة!! ما نك شايف ما أزغرا؟؟".
نزل الدركي.. شربو ميّ وانقلعو.. وعيون ستّك عم تتشقلب بين الباقي من الخوف وفرحة نجاة عمّك والامتنان لجبرا الأنيس.
نزل عمك ع السلّم.. سبّ دينو ورجع باسو.
بتعرف لو ما السلّم والمختار شو كان رح يصير؟؟
- شو يا جدي؟
- كان عمّك اعتقل وانحبس بالمزّة وتعذّب متل غيرو ويمكن أكتر.. وبيجوز كان صار فيه متل ما صار لأنطون سعادة من خمستعشر سنة أو لفرج الله الحلو من سبع سنين.. اللي بيلاحقو الناس من شان آراؤن ما عندهن رحمة.. بيتعاملو معهن كأنهن مجرمين.
قرّب جدي يخلّص تصليح السلّم اللي صرت شوفو كأنّو قطعة مقدّسة وقول لحالي: "يا ترى بيعرف هالسلّم شو عمل؟ وقدّيش هوّي عزيز علينا!!".
ولمّ الضوّ.. وأنا بين الزعلان والمبسوط.. مابدّي جدّي يخلّص حكي. سألتو:
- بشوفكن ياجدّي بتستعملو هدا السلّم مع انّو عندكن سلّم تاني جديد.. ليش ما تخلّو هادا يرتاح وتستعملو السلّم اللي جابو بيّي من حمص؟
- له ياجدي.. له. السلّم ما بيتعب، بيختير بسّ ما بيتقاعد. منصلّحو مرّة وعشرة وميّة، وبيضل يحسّ انّو هوّي رفيقنا. هادا إذا كان سلّم عادي.. فكيف إذا كان إلو فضل من هالنوع.
مرّة زحط عمّك عن درجة انكسرت تحت إجرو وكان رح يوقع ع الأرض. سبّ دينو ورماه وقلّي: "جيبولي شي سلّم جديد بدل هالتّاخخ العايف دينو". ما ردّيت عليه. أنا بدّلت الدرجة وهوّي نسي الموضوع.
السلّم البيختير وهوّي بالأرض اللي كان خشبو بالإيام شجرة فيها بيتمّ مبسوط انّو رمادو رح يختلط بالتراب اللي ربي خشبو فيه لما كان شجرة. السلم اللي خشبو من برّا ما بيحسّ لأنو الغربة ع مَرّ الزمن بتقتل الإحساس فيه.. بيعرف هوّي وعم ينتقل من بلد لبلد ومن مينا ع مينا ع مخزن ع متجر ع بيت انّو صار بعيد بعيد عن تراب اللي ربي فيه خشبو. الفرق كبير ياعيون جدّك بين خشب هالأرض البيضلّو عم يوقف ع تراب شجرتو وخشب الغابات الملفوف بوراق التجارة.
خلّص جدّي تصليح السلّم.. وانتلا البيت عالم.. وتغيّر الحديث.. وبقلب العجقة كنت شارد وعم فكّر.
ضلّيت فكّر كتير.. تغيرت الأحوال، ماعاد عمّي احتاج السلّم.. تصالح مع الحكومة.
ومرقت الإيام والسنين.. مات جدي وهاجر عمي ع البرازيل. وعتق كل شي.. حتى السلم الجديد عتق.. عتقو البواب وهرهرو حيطان البيت المهجور وتخّت المشمشة والتينة والدالِة اللي بقيو للعصافير ينقودوهُن بالصيفية.
وماتت ستّي ومات عمي مطانيوس وماتو ختياريّة الحارة والضيعة وراحت معهن ريحة سلّم مطانيوس وسلالم البيوت العتيقة والحكايات الحلوة والمرّة.
وما بقي من ذكريات الطفولة إلا إشيا بسيطة.. بتضيع تفاصيلها شويّ شويّ.. وبتصير متل بقايا المنامات.. وبتختلط بقايا الصور.. ما عاد نعرف انْ كان أصلها واقع ولاّ أحلام.
بسّ اللي ما بيروح من بالي قدّيش كان جدي وستّي ورفقاتن والقرايبين والجيران يقدّسو التراب اللي الكل راجعين عليه وبتذكرهن كل ما بشوف سلّم عتيق أو بوابة خشب عتيقة وما بحسن شوفن إلا قطعة من التراب. كان جدي يقول: أكره شغلة ع سلّم الخشب تركّز إجريه ع الباطون.. ممكن يزعل ويزحط ويوقّعك. كنت إسمع كمان واحد ختيار يقول: دْعسو ع الأرض بحنيّة.. لأنو فيها بقايا عضام أهلكن وجدودكن ولأنو كل الخير من ترابها ولأنكن "من التراب وإليه ترجعون".
كتبتُ هذه الأقصوصة في صيف عام 1970 مع مجموعة قصص أخرى تحية لروح جدي بعد رحيله في ذاك العام وأعدتُ صياغتها في شباط 2009 لأقدمها هديّة للشاعر الدكتور إياد قحوش.. ترنيمة لغربته.