عالم أمين الريحاني في روسيا

  

عالم أمين الريحاني في روسيا

المستشرقة الروسية ماريا نيكولاييفا

إنها ندوةٌ نادرة (*)، أحمل لكم إليها تحيات من أبناء بلادي روسيا، علمائها ومستشرقيها ومترجميها والطلبة وجماهير شعبها الْمُحِبةِ الجمالَ وروحَ العدل وفكرةَ وحدة الحضارات الإنسانية جمعاء.

أشكر مركز التراث اللبناني في هذه الجامعة على تنظيمه هذا اللقاءَ الذي أتاح لنا أن نلقي حولنا النظر الى عالمنا الحديث وما فيه من أفكار ومبادئ تُوحّد بيننا جميعاً، وتَجعل دُنيانا ألطف وأجمل، وتبرّر وجود الإنسان على وجه الأرض، وفي طليعتها الفنّ، ومنه الشّعر والموسيقى أو (كما يقول العرب) "موسيقى الشّعر".

ولكن، هل يسمع هذه الموسيقى أبناءُ الألفية الثالثة الواقعة أمام أزمات حضارية حادة؟ ألا نراها تلتفت صوب الشرق باحثةً عن قيم فكرية وأخلاقية محفوظة لديه ومُحرَّمة في ديارها؟ إن الشرق ما زال يُغْني شجرة الحضارة الإنسانية بعلمائه وفلاسفته، بأدبائه وفنانيه. فالشرق كان، ولا يزال، حيّاً في تقاليد الحكمة الروحية والتأمّل الفلسفي العميق، حاجزاً دون تأثير المحاولات الدائمة للقضاء على كل خير وعدل وجمال، وهي مُحاولاتٌ عبثية متتابعة لإقامة السيطرة العالمية وإبادة الفكرة الإلهية من نفوس البشر.

أمام هذه التهديدات حرص عباقرة الشرق على وفائهم لِحقائق خالدة تتطابق والحياة بوصفها حركة دائمة لطلوع الشمس المتنقلة من اللاوجود (والعدم) إلى الحياة، وتشرق حتى تنير، وتغرب كي تعطي الناس هدوء الروح وراحة النفس من انتظار الشروق الجديد.

هكذا نرى لبنان بتاريخه العريق ومُثُلِه الروحية وفنانيه العباقرة، منطقة جَمال وأبدية فريدة من نوعها، نعرف عنها نَحن الروس من أحلامنا القديمة عن قهر الشر في هذه الدنيا وعن انتصار الخير والعدل الأعلى. فمبدعو لبنان وروسيا تشرّبوا تقاليد الجمال ومُثلاً أخلاقية مشتركة عبر آلاف السنين. وهذا المنبع المشترك هو الذي يجعلنا نعجب ونتعاطف روحياً مع جمال العمارة والزخرفة العربية وحركات الرقص الشرق الرقيق وتشكيلات الخطوط العربية وصوت الموسيقى وأبيات شعرائه.

ضمن هذا الإطار يمكننا النظر إلى إبداع ابن لبنان الكبير ومعلّم الإنسانية أمين الريحاني الذي عبّر عن حقائق لبنان والعالم كله في مؤلّفاته الأدبية.

هذا العبقريُّ الذي قال عن نفسه: "أنا الشرق"، اختصر في اسمه الشرق حين كتب عنه بالعبقرية نفسها التي يعبّر بِها عن روحه من آيات القرآن والإنجيل وبشارات الكتاب المقدس.

هذا هو الشرق. وهذا هو عالم الريحاني. ولكن ما هي صورة هذا العالم اليوم؟ تكاد تكون بعيدة عن الحقيقة في معظم الأحوال. وبات من النادر أن نسمع اليوم صوت شاعر يلقي قصيدته، أو نصغي الى موسيقيّ يعزف الكمان، أو نتمتّع  بزغاريد بلبل يغني لرياح الربيع. لم نعد نرى اليوم إلاّ العزاء وكوابيس القهر، إلا البكاء والجرائم!

"أنا الشرق... عندي فلسفات، عندي أديان، فمن يبيعني بِهما الطيران"؟

كلام عبقري لا نزال نرتعش من حقيقته اليوم، في مطلع القرن الحادي والعشرين.

أول مقطوعة عربية حفظناها خلال دراسة اللغة العربية في جامعة موسكو الدولية (لومونوزوف) كانت من أمين الريحاني: "أنا المسافر من بيروت إلى الشام، أَمُرُّ في طريقي بهذه القرى المنتشرة على جانبي الطريق من الجبال". وواصلنا بعدها، طلاباً، قراءة تلك التُحف من الأدب العربي بفضل أساتذتنا الجامعيين. أما القراء الروس فعرفوه من كتابات المستشرقين والمترجمين.

أول ذكْر للريحاني في روسيا ظهر في مطلع القرن الماضي مع المستشرق إيغناتيج كراتكوفسكي الذي كانت له مراسلات مع أدباء من لبنان، وكتب عن لقاءاته معهم في كتابه "مع المخطوطات العربية" (صدر في ليننغراد أيام الحرب العالمية الأُولى). وجاء ذكْر الريحاني الرائد كذلك في كتاب آغافانجيل كريمسكي "تاريخ الأدب العربي الحديث" (موسكو، خمسينات القرن الماضي). بعد تلك الأبحاث صدرت أول ترجمة الى الروسية لرواية الريحاني "خارج الحريم"، وضعتْها الباحثة (من لينيننغراد) آنا دولينينا سنة 1988.

أما عالم فلسفة الريحاني العميق، فظهر في مركز الدراسات التابع لمعهد الاستشراق لدى أكاديمية العلوم في الاتحاد السوفيتي مع الباحث زَلْمان ليفين في كتابه "فيلسوف من الفريكة" (1965)، وأعطى القارئ الروسي صورة الريحاني فيلسوف الطبيعة البارز والمدافع عن العدالة الاجتماعية.

أنا عربي شرقي ثوري

من خلال تلك الأبحاث عرف القارئ الروسي أمين الريحاني ثورياً، أيام كانت مفاهيم "الثورة" مستحَبَّةً في بلادنا، فتابعْنا ثورة الريحاني في ما أجازه من إصلاحات جذرية في الأسلوب (النص، السّرد الأدبي،...)، وفي إسهامه بإدخال الأشكال الشعرية الجديدة (كالذي نسمّيه "الشعر المنثور")، وفي سائر العملية الأدبية التي انتشرت في عالم عربي متجدِّدٍ متحَرِّرٍ من قيود التقاليد الماضية الروحية والاجتماعية والفكرية.

في كتاب زَلْمان ليفين، وسواه من المستشرقين، وجدنا الريحاني فيلسوفاً ومثقفاً يبحث عن إمكانات التفاهم بين التقاليد والأفكار والأديان المختلفة في القرن العشرين. ووجدنا نقده الإيديولوجيا الفرديةَ التي طلع بها الفيلسوف الألماني نيتشه، بينما الريحاني سعى إلى مبادئ أخلاقية جديدة تقوم على "حُسن التفاهم بين الشعوب والمجتمعات والتقاليد الثقافية والسياسية".

وتعلّمنا من الريحاني فنّ إيجاد التوازن بين القومية والأُمَمية، بين الشرق المتركز من داخله والغرب العملي الحديث. كما تعلّمنا من الريحاني احترام الآخر: "أنا عربي لا يكره الأتراك، والشرق لا يكره الغرب، وثوريٌّ مهتم بالكعبة مثلما هو يهتم بالدستور". ولعل الريحاني كان أول مثقف قدّم للعالم فكرة "وحدة المجتمع اللبناني" أيام لم يكن هناك دولة اسمها لبنان: "نحن ثلاثة ملايين، منها مليون في الخارج. فماذا يَحلُّ بنا لو نكون منقسمين إلى عشرات الطوائف الدينية"؟

وعرَفنا الريحاني، نحن في روسيا، مواطناً للعالم كلّه، من حديثه الى صحافي في "المجلة المصرية" (1938)، وفيه جاء: "أنا ساميّ وآريّ، سريانيّ وفارسيّ، يونانيّ وعربيّ، أنظر الى تاريخ وطني وثقافته الغربية والشرقية في آن واحد من جميع المجالات الشعرية والفلسفية والعلمية والعملية والاجتماعية".

تلك كانت، عندنا، صورة شخصية أمين الريحاني- فيلسوف الفريكة- المؤسس الروحي للمدرسة الأدبية الأولى في العالم العربي الحديث، والمفكّر الباحث عن وحدة الإنسانية.

في أواخر القرن الماضي تعرّفنا الى وجه الريحاني الجديد- وجه الشاعر، بفضل أحد أحسن المترجمين الروس فلاديمير فولوساتوف. وقام مستعربون روس بترجمة أعمال كثيرة من الأدب اللبناني: "كُهان الهيكل" لِجورج حنا، "طواحين بيروت" لتوفيق يوسف عواد، أعمال ميخائيل نعيمه، وسواهم. وكانت ترجمة النثر سائدة، أما الشعر فلزِمَها متمكّن قدير مثل فلاديمير فولوساتوف حتى ينقل المناخ الجديد الى الثقافة الروسية (وهو ترجم أيضاً من شعر المتنبي وكتابات جبران). وفضله أنه نقل من العربية مباشرةً بدون وسيط وبدون أن يسرد شكلاً جديداً للنص يُبْعِدُهُ عن طبيعته الأصلية. من هنا أن النص الروسي جاء نصَّ شاعر لا نصَّ مترجم، لذا له الفضل الأكبر في إدخال شعر الريحاني الى الأدب الروسي والثقافة الروسية.

ثم صدرت ترجمات أخرى لشعر الريحاني في روسيا الحديثة (2007 في منشورات جامعة الصداقة المعروفة باسم "باتريس لومومبا") أصدرها المترجم على حسابه الخاص (في 500 نسخة)، وجاءت خصوصية الكتاب في نشره النصوص باللغتين الروسية والعربية معاً، ثم صدرت تلك النصوص، في اللغتين كذلك، ضمن الكتاب المعتمَد في جامعة موسكو للّغات (موريس توروس).

في كتاب "صدى جبل لبنان" الصادر في موسكو بالعربية والروسية معاً، جاء أن نصوص الأدب في لبنان، بفضل كتّابِها الذين وجّهوا كتاباتهم للإنسانية جمعاء، أضافت ألواناً جديدة في فضاء الكينونة الإنسانية وبحثها الدائم عن حقائق الأبدية والتمتع بلذّة المعرفة والجمال.

غير أن فرادة الريحاني عندنا في روسيا لا تقتصر على مؤلفاته في الروسية وحسب، بل تمتد الى استلهام الريحاني في الفنّ والموسيقى الحديثة، منها إعجاب المؤلّف الموسيقي المعاصر فيكتور أوليانيش (من أكاديمية "غْنيسّين") بأبيات الشعر المنثور لأمين الريحاني كما قرأها في ترجمة فولوسّاتوف، فوضع متتالية "فانتازيا" من وحي ذاك الجمال الشعري.

وخلال تشرين الثاني 2006 (في متحف سْكْرِيابين) وحزيران 2007 (في محترف النحاتة لاريسا غولومبكينا) كانت أمسيتان موسيقيتان لقراءات من مقطوعة الريحاني "بلبل ورياح" (بالروسية والعربية) على أنغام "فانتازيا" مع الكمان والهارب والناي ومع البيانو الذي أدت مقطوعاته العازفة الشابة يوليا دراغِندا (حفيدة المترجم فولوساتوف).

ونأمل أن تتعمَّم هذه الظاهرة، حتى تدخُلَ الفنون جميعاً في إطار عالم الريحاني الشعري والروحي والإنساني لا في روسيا وحسب بل في كل العالم. 

____________________________________________________

*) المداخلة التي ألقتْها المستشرقة الروسية ماريا نيكولاييفا بدعوة من "مركز التراث اللبناني" في الجامعة اللبنانية الأميركية - بيروت (الاثنين 2/2/2009) ضمن سلسلة مُحاضراتٍ ينظّمها المركز عن أمين الريحاني في أول اثنين من كل شهر.