انتقل إلى المحتوى
شاهد وشهيد
عطية مسّوح
لا أدري كيف فارقَ "محمود أمين العالِم" الحياة.

لكنني أحدس بأن جراح غزة كانت جراحه وآلام أطفالها كانت آلامه، وأن صور الوحشية الصهيونية التي ملأت العيون والأسماع حطت فوق أعوامه السبعة والثمانين، وزادت أعباءها وساهمت في دفعه إلى خارج دائرة الرؤية والسمع والألم.
يرحل محمود أمين العالم بعد أن كابدَ فصلاً من مأساة العرب الطويلة ذات الفصول والمشاهد. يرحل هذا الرجل المقاوم تاركاً وراءه تاريخاً طويلاً مشرّفاً، وإرثاً فكرياً تنويرياً ثميناً، وحلماً لم يتحقق بعد، لكنه سيظل ماثلاً أمام عيون المناضلين وأصحاب النزوع التحرري الإنساني، وسيظل شعبنا متمسكاً به ساعياً إليه، يتقدم نحوه يوماً بعد يوم.
كانت حياة العالم حياة فعل دؤوب، يقوم على عنصري المبادرة والمقاومة، والعودة إلى سجل تلك الحياة الحافلة تؤكد أنه بدأ فاعلاً ومقاوماً، وانتهى كذلك، ولم ينفق جزءاً من حياته دون نشاط مثمر مكرس لقضايا الشعب والوطن.
من يعرف محمود أمين العالم ويلمُّ بنشاطه يدرك أن وطنيته الصادقة وإيمانه القومي العميق ونزعته الإنسانية النبيلة، جعلته مندمجاً بنضال أمته العادل، واضعاً فكره المتوقد وقلمه المواظب المبدع في خدمة الوعي والصمود والتنوير، منحازاً إلى ضفة العدالة والتحرر.
درس العالم الفلسفة في جامعة القاهرة وكان اسمها جامعة فؤاد الأول. وتابع تخصصه فحاز على درجة الماجستير بناء على أطروحته العلمية التي حملت عنوان (فلسفة المصادفة في الفيزياء الحديثة)، وعيّن مدرساً مساعداً في قسم الفلسفة، وتابع دراسته للحصول على درجة الدكتوراه في الفلسفة، وبدأ بوضع بحثه في موضوع: الضرورة في العلوم الإنسانية. غير أن السياسة تدّخلت في مسيرة هذا المفكر العلمية، فقررت الحكومة فصله مع عدد من اليساريين من الجامعة مدرّساً وطالب دكتوراه، ليبدأ رحلته مع الصحافة.
لم تكن رحلة "العالم" مع الصحافة أقلّ تعقيداً من رحلته مع التدريس، فبرغم تمسّك رؤساء تحرير الصحف والمجلات بقلمه المتميز وفكره العميق، كانت تجري مضايقته هنا وهناك، وبدفع من المسؤولين الحكوميين والأمنيين، فلم يستقر في جريدة أو مؤسسة صحفية فترة طويلة، إلى أن اعتقل في يوم رأس السنة من عام 1959 في إطار الحملة التي شنّتها أجهزة الأمن على الشيوعيين في إقليمي الجمهورية العربية المتحدة.
كان "العالم" قد انتمى إلى التيار الفكري الماركسي منذ شبابه المبكر، وأسهم في نشاطات الشيوعيين المصريين، وحين انطلق في مسيرة التدريس الجامعي، والعمل الصحفي، كان أنموذجاً لتطابق الانتماء الفكري والسياسي والنشاط العملي، وظل على ذلك حتى نهاية حياته.
المقاومة عند "العالم" كلٌّ متكاملٌ متحدٌ. إنها مقاومة العدو الخارجي، المتمثل بالإمبريالية والصهيونية. ولمفكّرنا الكبير باعٌ طويل في هذا المجال، وهو من أبرز مقاومي التطبيع مع إسرائيل، ومن أكثرهم دقة في طرح الصراع العربي الصهيوني بوصفه قضية قومية مركزية. لكن محمود أمين العالم لم يقصر المقاومة على هذا الجانب، بل أعطاها بعدها الحقيقي الأوسع والأشمل، إنها مقاومة التخلف والهشاشة والتشتت، مقاومة كل ما ينخر الجسد العربي من علل وآفات جعلته عاجزاً عن مواكبة العصر والاندفاع في طريق التقدم والنهوض.
من هذا المنطلق جاء النهج التنويري الذي نهجه محمود أمين العالم، وجوهره الربط بين النضال التحرري القومي المقاوم للعدوان والتطاول الإمبريالي الصهيوني، والنضال الاجتماعي والثقافي والفكري المقاوِم للتخلف والرجعية والظلامية.
هكذا تكاملت المقاومة في فكر العالِم وأمثاله من المفكرين القوميين واليساريين، وترابط جانباها، فاتجه نشاطهم باتجاه هدف مزدوج، هدف واحد ذي وجهين: مقاومة العدو الإسرائيلي والإمبريالي ومكافحة أفكار التخاذل والتطبيع والتفريط بالكرامة الوطنية والقومية من جهة، والسعي إلى بث العقلانية في أوصال المجتمع العربي، ونشر أفكار العلمانية وتعزيز السلوك الحضاري وتأمين القاعدة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية للنمو والتقدم من جهة أخرى. ولعل إدراك أهمية الترابط بين هذين الجانبين مسألة بسيطة لا تحتاج إلى جدل وبراهين، فالمقاومة الحقيقية الراسخة والدائمة لا تقوم إلا على هذه القاعدة، والبنية الضعيفة الهشّة هي أكثر قابلية للاختراق وعرضة لتطاولات الأعداء من البنية القوية.
أما الجانب الثالث من جوانب المقاومة في حياة محمود أمين العالم، فهو مقاومته لكل أشكال الظلم في المجتمع. وحين اختار طريق الماركسية والشيوعية، كان مدفوعاً بهاجس الخلاص من الظلم الاقتصادي والاجتماعي الواقع على غالبية أبناء الشعب، وبحلم العدالة والاشتراكية، الذي سعى إليه من خلال نشاطه السياسي والفكري. هذا السعي بحد ذاته مقاومة عالية المستوى، مقاومة للظلم بأعتى صوره، وصمود في وجه الظالمين المتنفذين. هذه المقاومة جعلت العالم، كغيره من المناضلين، عرضة للسجن والملاحقة والتشرد، فقد أمضى الرجل في سجون مصر خمس سنوات ونصف من 1959 إلى 1964، كما اضطر إلى مغادرة وطنه في عهد السادات لأسباب سياسية أيضاً، نحو عشر سنوات، عمل خلالها أستاذاً في الجامعات الأوربية.
هكذا تتابعت حلقات المقاومة وتكاملت في سيرة هذا المفكر العربي، أما نتاجه الفكري فقد كان ثميناً ومتعدد الوجوه، يجمع بين جوانبه منهج واحد، هو المنهج النقدي، الجدلي التاريخي. وله كتب تزيد على العشرين، إضافة إلى أكثر من عشرين عدداً من الكتاب غير الدوري المعروف باسم (قضايا فكرية) وهو كتاب كان يحدد محاوره ويجمع أبحاثه ويعدّه ويقدّم له، وتتناول تلك الأعداد موضوعات حساسة وملحة، كالعلمانية والعقلانية وغيرهما.
ومعروف عن العالِم إضافة إلى كونه مفكراً، أنه من رواد النقد الأدبي الحديث ومن الباحثين في نظرية الأدب، وله في ذلك كله مؤلفات معروفة مثل: في الثقافة المصرية، الثقافة والثورة، تأملات في عالم نجيب محفوظ، توفيق الحكيم مفكراً وإنساناً.
غاب هذا المفكر والكاتب الكبير، هذا المقاوم الصلب الصامد. ولعل حياته التي كرسها لخدمة التنوير والتقدم، وما حفلت به من صور المعاناة والمقاومة والصمود، وإرثه الثقافي الثمين، جعلت منه شاهداً على عصره، على زمن عربي شديد التعقيد، عامر بالمآسي، بل جعلت منه شاهداً وشهيداً فقد قدم كل ما لديه من أجل الأمة والوطن.