الرئيس السنيورة رثى الفنان الراحل منصور الرحباني: للحرية والمجد..
الرئيس السنيورة رثى الفنان الراحل منصور الرحباني:
للحرية والمجد..
لمناسبة وفاة الفنان الكبير منصور الرحباني كتب رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة كلمة رثاء في الفنان الراحل، في ما يلي نصها:
منصور الرحباني: للحرية والمجد..
عندما التقيت بمنصور الرحباني آخر مرة في جبيل، صرفني عن السؤال عن أحوالِهِ بالشِعر والنثر، وبالحديث عن أعماله المنجزة والأُخرى التي قيد التفكير والإنجاز.
وهكذا فقد خُضْنا في حديثٍ طويلٍ عن الرحابنة وعن علاقات مشروعهم الفني الكبير بلبنان صورة وعروبة وماضياً مُتصِلاً بحاضر، ومستشرفاً لمستقبلٍ متجددٍ بالإبداع والإنجاز وتشكيل الحياة الزاهرة والحرة والرائعة لنفسِه وللبنان ولفلسطين والعرب أجمعين.
لقد دأبت هذه الأُسْرةُ اللبنانيةُ الكبيرةُ والعزيزةُ ومنذ أكثر من ستين عاماً على بناء عمارةٍ شامخةٍ من الفن الراقي شعراً ونثراً ومسرحاً، غير مُكْتفيةٍ بمرافقة المشروع الوطني والقومي والإنساني، بل ومشارِكة في صُنْع الصورة والواقع والانتماء والآفاق الرحْبة. فربطتْ بها وبمشروعِها وبإنجازاتِها أسماع اللبنانيين وعقولهم وأحلامهم ورادتْ مجالاتٍ ومدياتٍ لا يجرؤُ عليها غير كبار الفنانين، وصُناع عوالم الحرية والتقدم والإبداع. وفي أقسى ظروف المحن التي مرتْ على لبنان والعرب منذ اغتِصاب فلسطين، كان الصوتُ الرحْباني الساطعُ يخترقُ الأسى واليأس، ويصوغُ من قلْب المُعاناة الأُمنية والأمل، وينْشُدُ ويُنْشِدُ أُغنية الانتصار للحياة والحرية والإنسان.
لقد كان الرحبانيون بسبب موهبتهم العالية، وحدْسِهم، وعُمْقِ انتمائهم، واستيعابهم العميق لتاريخ العرب وتوجهاتهم الكبرى رؤيوِيين أيضاً في ربط التراث الموسيقي بمُنتجات الحداثة الفنية دونما غرقٍ في التقليد أو التغريب. وكانوا رؤيويين في أمانتهم للانتماء اللبناني والعربي، وعملهم الدائم على التطور والتطوير. وكانوا رؤيويين في حُلُمِهِم النهضوي اللبناني والعربي.
سنظل نذكُرُ لعاصي ومنصور وفيروز في الفن أنهم صنعوا مع العرب الكبار التجديد الغنائي والشِعْري، وصنعوا هذه الكلاسيكية الجديدة والعريقة في الوقت ذاته.
وسنظل نذكُرُ لعاصي ومنصور وفيروز إسهامهمُ الهائل في صنع صورةِ لبنان عن نفسِه، وصورة لبنان لدى العرب والعالم.
وسنظل نذكر للرحابنةِ تصديهُم بالفن المُلتزم لقضية فلسطين والتضحيات العربية فيها، وأبعادها الفنية والانسانية الكبيرة.
وسنظل نذكُرُ للرحابنة التزامهُم بقضية القدس، وغناءهُم الشجي من أجل صونها وإنقاذها.
وسنظل نذكُرُ لمنصور مع عاصي وبعده، أنه تابع المسيرة، وما خضع لضغوط السن والأزمات، وظل عميق الإيمان بنفسه وفنه وبلبنان واللبنانيين وأدهشنا كما أدهش العرب بقدرته على التجدد والتجديد، وعلى رعاية مواريث المدرسة الرحبانية وتطويرها وعلى رعاية جيل الرحابنة الشباب.
جاءت وفاة منصور الرحباني مؤلمة لأُسرته الكريمة، ولسائر اللبنانيين والعرب، وكل الذين عرفوا فنه وشخصه وأحبوهُ وقدروا له كفاحهُ منفرِداً وبالاشتراك مع الرحابنة من أجل الفن الزاهر، والتطوير الباهر، والإبداع.
رحِم الله منصور الرحباني الفنان الكبير، والإنسان الكبير. ولأُسرته الكريمة، ولسائر اللبنانيين، خالصُ العزاء بهذا الفقيد الكبير. وليبق الرحابنةُ والفيروزيون ولأجيالٍ وأجيال شجرة أرزٍ باسقة في الدوحة اللبنانية والعربية، ورمزاً وعنوانا للفن الراقي، والجمال الشفاف، والآفاق الشعرية والغنائية الشاسعة والواعدة.
عن موقع 14 آذار