حرارةُ الأعياد عن قُرْب... وبُرودةُ المعايدات عن بُعْد - ن ع ح - الحلقة 768

هنري زغيب قرأها 1,083
  

حرارةُ الأعياد عن قُرْب... وبُرودةُ المعايدات عن بُعْد

الحلقة768: (الأحد 04 كانون الثاني 2009)

هنري زغيب

في غمرة الأعياد التي نعيشُها وهذا الطوفان من أَساليب المعايدات، نتذكّر حرارة المعايدات في الماضي بإزاء برودة المعايدات اليوم.

في الماضي كان العيد مناخاً دافئاً من الزيارات والتهاني الشخصية والتقاليد الشعبية والعادات البيتية، فيجتمعُ الناس في بيوتهم ويلتئمُ شَمل العائلة، أو في ساحات بلداتهم يتبادلون المعايدات، فتكون للعيد حرارته البشرية ولمسته الإنسانية.

كلُّ هذا غاب اليوم بعدما زالت عن العيد حرارتُه البشرية ولَمْسَتُهُ الإنسانية، وباتت الْمعايداتُ ميكانيكيةً باردةً جامدة جافة معظمُها عن بُعد، بكلّ ما في البُعد من انتفاءِ كلِّ دفءٍ وحرارةٍ وإنسان. فالمعايداتُ اليوم باتت توكَل الى شركاتٍ ترسِل العبارةَ نفسها الى مئاتِ الهواتف الخلوية، أو تسجيلاتٍ صوتيةً على الهاتف الخلوي أو هاتف المنْزل، أو رسائلَ إلكترونيةً بالإنترنت (ثابتةً أو متحركة)، أو بطاقاتٍ تقليديةً بالبريد، أو بطاقاتٍ عائدةً لِجمعياتٍ أو مؤسساتٍ أو شركاتٍ تِجارية تُسَوّق لبضاعتها أو لاسْمها (بالصور والعبارات المتشابهة)، أو معايداتٍ صوتيةً على أثير الإذاعات أو كتابيةً تدور في أسفل شاشة الفضائيات، أو صحونَ شوكولا أو باقاتِ زهر أو زجاجاتِ نبيذٍ يسلّمُها على الباب موظَّفٌ أو أجير، أو اتصالاً هاتفياً "رفعَ عتَب" يتمنّى العيد بالعبارات نفسها ليُجيبَه الآخر بعبارات الجواب نفسها من دون حرارة ولا نبضة خاصة.

هذه الصورةُ النمطية ("الستيريوتيپية") غيرُ الشخصية للمعايدات (على ما فيها من حُسْن نيّة في الاتصال بالآخر) تَزيد من إغراق شعبنا في سهولةِ مُجتمعٍ استهلاكيٍّ "يُـتَـجْـرِنُ" كلَّ شيء، ويُسَطّح كلَّ بادرة، حتى العواطفَ والْمعايدات، وتَجعلُنا نَحِنُّ الى أيامِ كنا ننتظرُ العيد كي نَقصدَ ونزور، في اتصالٍ حارٍّ مباشَرٍ يُعيدُ ربطَ الأواصر ويُمتّنُ جوهرَ العلاقات.

وما دمنا سائرين في هذا المجتمع الاستهلاكي، فَـبُرودةُ الاتصال ستَزيد، وحرارةُ الإنسان للإنسان ستظَلّ تتناقَصُ حتى يُصبحَ العيدُ في النهاية نَسْياً مَنسياً لا تُذَكِّرُ به إلا الإعلاناتُ التجارية عن مَحالّ الألبسة والهدايا و"الْمولات"، وعن الفنادق والمقاهي والمطاعم التي تقدِّم أحدث الأغاني مع صحون البطاطا والدجاج المشوي و..."أفخر أنواع السَّلَطات".

odyssee@cyberia.net.lb

يصدر هذا المقال في موقع "جماليا" بالتزامن مع بثه صباح يوم الأحد 04/1/2009

في إذاعة "صوت لبنان" - برنامج "نقطة على الحرف"