حلول حجرية.. في عصر الكلمة !!

نبيل عودة قرأها 1,251
  

حلول حجرية.. في عصر الكلمة !!

نبيل عودة

ميكافيلي مؤلف كتاب "الأمير" عرف أوجاع السياسة الحديثة لأنه كان مستشاراً لأمراء عصر "الرينسانس" وكثيرا ما أشار عليهم بعدم الأخذ بالاعتبار للقيم المقبولة.. واتخاذ خطوات، حتى لو اعتبرت في المفاهيم السائدة، سيئة، وذلك.. في حالات الضرورة. وهو لم يعترف بأية صلاحية عليا فوق الدولة، وهكذا كانت نصيحته للأمراء والتي اشتهرت  ب "الميكافيلية". اذ اعترف بوضوح انه حسب مقاييسه فان قيمة الموقف تقاس ليس بمضمونها المقبول على الناس، انما بقدرتها على مساعدة الأمير بان ينجو سياسياً ( الأمير قد نستبدله بالكاتب أو الشاعر أو الناقد، او ألزعيم السياسي، أو كل من يتبوأ، أو يطمع بتبوء.. مكانة أعلى من الآخرين). وانه أفضل للأمير ان يخافوه من أن يحترموه.. ولكن عليه ان يمتنع من أن يكون مكروها.. لأن ذلك قد يهدد قوته، والأفضل حسب ميكافيلي، هو ان يمتلك القوة بلا رحمة، وبنفس الوقت أن يظهر نزيها.

بالطبع لا أعرف نظاماً اليوم يتمسك بالميكافيلية بصيغتها الكلاسيكية، رغم وجود الكثير من الميكافيليين بين المثقفين بالأساس. وتبرز ميكافيليتهم المشوهة، في حوارهم وهم يظنون انهم يملكون ناصية القوة فيه، وان مُحاورَهم سيرتعب خوفاً من قدراتهم، رغم انها مبتذلة على الأغلب...  ولو أعدنا طروحاتهم  الى جذورها لوجدنا وراءها عقلاً خاوياً وتفكيراً مراهقاً وادعاء بما ليس فيهم من فهم وثقافة ومعرفة، وانهم مجرد صور باهتة على خارطة الثقافة العربية والفكر العربي والانساني كله.

وهذا يذكرني بحكاية مطابقة.. 

اشتكت السيدة نيكول للقضاء على رجل حقرها بعد ان استصعب حوارها.. بوصفه لها أنها دجاجة تافهة.. وأدين الرجل في المحكمة.. واضطر لدفع تعويضات بسبب إهانته لها.

وبعد المحكمة سأل الرجل القاضي: "هل يعني حكمك يا سيدي اني الآن لا أقدر ان اسمي السيدة نيكول بالدجاجة التافهة؟" القاضي أجاب: "هذا صحيح تماماً". وسأل الرجل  القاضي مرة أخرى: "وهل هذا يعني أيضا اني لا أستطيع ان أقول للدجاجة التافهة انها السيدة نيكول؟" أجاب القاضي: "لا، انت تستطيع ان تسمي الدجاجة بالسيدة نيكول.. لا توجد جريمة في ذلك". ونظر الرجل  الى عيني السيدة نيكول وقال لها: "اتمنى لك يوماً سعيداً يا سيدة نيكول".

هذه القصة تعبر عن مفاهيم الفلسفة الإجتماعية والسياسية الميكافيلية.. ما لا أستطيع قوله أو فعله، هناك طريقة أخرى لقوله أو فعله دون أن أعرض نفسي للمساءلة..

لا أتوقع من البعض ان يفهم هذه الفلسفة.. فاسطوانتهم تدور على نفس السطر منذ فترة طويلة..

ولكني أستطيع ان أضيف..

ان السياسة ليست خبط عشواء.. وليست استعمالاً لصياغات التقليل من شخصية المحاور الآخر.. هذا سيف ذو حدين.. وقد يكون حده الثاني أكثر ايلاماً.. وأكثر قدرة على القطع.. ولكن الغباء مثل الهاوية، يقود صاحبه الى الانحدار نحو قعرها بلا توقف..

ان قيمة الفلسفة للمثقفين، انها تعطيهم مساحة واسعة من المعرفة ومن فهم المصداقية وشرعية التعددية في الآراء وكيفية تقسيم الأدوار الثقافية، وعدم فقدان الجوهري في الطرح. وعبث النظرة الدونية للآخرين.

 الانسان القديم كان يستعمل حجراً كبيراً يطيح به على رأس الذي يخالفه لينهي الخلاف.. تطور المجتمعات قاد الى استبدال الحجر بالصاروخ.. اي ان الحضارة جلبت وحشية علمية في القضاء على الأخرين بالجملة وليس واحداً واحداً.. وقد حان الوقت لاستبدال الصاروخ أيضا بالعقل والفكر والكلمة.. وما طرح ويطرح من نقاشات حول مواضوعي، يتميز جزء كبير منه  باستعمال الحجر.. ولكنه لم يعد ينفع.. وهذه العقلية هي التي تخدم أعداء شعبنا.. تخدم إعلامهم، وتخدم ماكنتهم التدميرية، وتخدم تغطيتهم على جرائمهم بمواقف لا يربطها رابط بالعقل السياسي أو المنطق البسيط. وتخدم تهافتنا الثقافي... وتفرغ الثقافة من أهم ميزاتها.. ويبدو بعض المثقفين مثل الطاووس الفارد جناحية، لاشيء عندهم الا الشكل الجميل، ولكن الصوت مزعج ولا يتلاءم مع جمال الشكل.

كان من عادتي ان لا أدخل بالحوار حول ما أكتب.. ولكن متطلبات المنتديات فتحت أمامي أبواباً، لم أتوقعها.. لا أعني الحوار.. انما كشفت لي هاوية عميقة، لم أتوقعها بهذا العمق، بين المثقفين العرب أنفسهم.. بعضهم في قمة الفكر الانساني، وآخرون في حضيضه.. ويكاد لا يوجد وسط..

لا أتهم كل من خالفني بالسلبية، بل اتهم المهرجين ومستعملي عبارات التشهير والكراهية العمياء غير المبررة، بأنهم لا شيء.. أصفاراً، عقولهم بعصر الحلول الحجرية.. ويتثاقفون في عصر الكلمة!! 

وربما من الأفضل ان أكف عن نقاشهم... فما فائدة الرد على تافه لا يعبر الا عن عقده الذاتية؟

 اليس كذلك أيتها السيدة نيكول..؟!

كاتب، ناقد واعلامي – الناصرة  - nabiloudeh@gmail.com