صيد الحمام الأبيض
بسام الطعان
هرباً من حسرة تأكلني، وحرمان يصادقني، وهذيان يراودني، ومن شقاء كبلتني به الحياة، أخذتني المسافات إلى الشوارع التي ترتدي الحياة بكل صخبها ومباهجها، كنت أنظر من حولي بعينين جائعتين، أنظر إلى هذه وأحملها في حضني، ألاعبها وتلاعبني، والى تلك وآخذها إلى مخدعي، أنام على صدرها وأحلم ولا أستفيق إلا بعد أن تكاد سيارة مسرعة تدهسني، أو سائقاً يصيح بي ويشتمني، أو رجلاً يطلب مني السير على الرصيف وليس في وسط الشارع، وحين أنتبه إلى نفسي، أتنقل من مكان إلى مكان، أتأمل ما يعرض في الواجهات البلّورية اللامعة، وأمام كل واجهة أختار ثياباً غالية الثمن، أرتديها وأنا أقف على الرصيف، أنظر إلى نفسي بفرح غامر وأتباهى، لكن الحسرة تنبهني، والحرمان يحملني ويأخذني إلى دروب كلها حسرات وحسرات.
مررت أمام مطعم كبير تفوح منه روائح شهية، تحسست جيوبي فابتسمت الحسرة وضحك الحرمان، تابعت سيري بانكسار حتى وصلت إلى سوق "الحميدية" فانكشفت أمامي مهارة الصانع السوري.
كنت أسير في نهر المخلوقات البشرية ولا أتفرج إلا على الجنس اللطيف، ولم يكن لي هم وأهم سوى أن ألمس بكتفي ويدي الأجساد الناعمة الطرية.
ـ أنت يا هذا، ألا ترى أمامك؟
تابعت طريقي ولم ألتفت نحو مصدر الصوت، لأنه كان صوتاً خشناً وأنا لا أحن إلا إلى النعومة والطراوة.
ـ يا سلام سلّم. صحت من الفرح حين مرت بالقرب مني حمامة بيضاء، كانت الأجمل في نظري، وفي خاطري، رأيتها بعيوني أقصد عينيّ، وعين قلبي المشتاق إلى دفء الجسد والفراش العتيد، رأيت فيها باقات القرنفل، وسنابل القمح، وجفنات الحبق، وعناقيد العنب، وكل الخصب، ولأنني ظمآن وهي أرض حبلى بالينابيع، بدأت أحبها بكل ما فيّ من حب، وتيقنت بعدها أن فتيات بلدي ما هنّ إلا العسل والعسل والعسل وعسل العسل. هل يوجد شيء اسمه عسل العسل؟ بدوت أمامها مثل ضرير رأى نوراً متوهجاً، ولم أنتظر طويلاً، صنعت من رفيف أشواقي أغنية وتقدمت مثل رسالة عشق تطيرها الريح، فأنا عاشق والعاشق لا يلام، وهي تبوح بجسد يشعل الرغبات.
أحمق من لا يلتقط جوهرة يراها في الطريق. اقتربت منها كما لو أن صوتاً دعاني من الأعماق، سرت إلى جانبها وهي لا تشعر بي، تأملت نقاء وجهها الشبيه بثلج فوق قمم، فأخذتني رعشة وأحسست بأنه لم يعد بيني وبينها شرخ، لا في التاريخ ولا في الجغرافية، لا في الزمان ولا في المكان، وفي واحدة من أجمل وألذ لحظات العمر، لا أدري ما الذي أصابني، احتضنتها وسط الدهشة والغرابة، فأطلقت صيحة وحاولت الابتعاد عني ولكن كيف، وما أجملها إذ ذاك حين توزعت خصلات شعرها الأسود على كتفيَّ والتصق صدرها العالي بصدري، وخوفها ودهشتها بفرحي واشتياقي. عاشقاً لا يعرف اليأس أو الخوف كنت، وحين شممت رائحة الياسمين الشامي تحت إبطيها، رميتها على الأرض وسط السوق مثل بطة برية، عبرت أوردة الجسد وريداً بعد وريد، ونهلت من اللذة ولم أشبع، كل هذا حصل في لحظات، نعم هذا الذي حصل وأنا لا آتي بشيء من عندي، وانفتحت الأفواه، سال اللعاب، ارتفعت الأصوات بين حانق ومحتج وحاقد، ركض الكل باتجاهنا، تشكلت حلقات بشرية من حولنا، رجال ونساء، باعة وزوار، والحمامات الأخرى لم تستطع النظر إلينا ونحن نتعاشق ونتعارك، طارت كل واحدة باتجاه ألا حمامتي لم تستطع الطيران، وأنا لم أكن في سوق الحميدية ولا في الدنيا كلها، والحمامة تصرخ وتحاول إبعادي عنها بكل الوسائل المتاحة، وابتدأ الظلم الذي لم أتوقعه، راحت الأرجل والأيدي ومحتويات الأفواه تسقط عليَّ مثل سياط الجلادين، صار الكل يضرب، يشتم، يهدد، وأنا أضرب ضرباً من نوع خاص ولا أبالي، ولا أتوجع، بل أعشق الحمام وأذوب في الدفء الخلاب.