العصافيرُ ستدخلُ الجنة

فاطمة ناعوت قرأها 1,147
 العصافيرُ ستدخلُ الجنة

فاطمة ناعوت

Fatima%20Naout-2.JPG 

حين مجموعةٌ من الأصدقاء يذهبون إلى مطعم ليلتفّوا حول وجبة من البطاطس المقلية، هل تخطرُ ببالهم الرحلةُ الطويلة التي قطعتها حبّةُ البطاطس، أو حبّة القمح التي ستغدو رغيفاً، منذ بذرْها في التربة حتى تصلَ إليهم في صحن أنيق يحملُ توقيع المحل؟ أيُّ يدٍ حفرتِ التربةَ؟ أيُّ يدٍ دسّتِ الجذرَ أو البذرة؟ أيُّ يدٍ روتِ الأرضَ، وراقبتِ انشقاقها، وانبثاقَ برعمٍ، سيشتدُّ عودُه بعد يوم حتى تستوي عليه الثمرةُ باسقةً شهية تَسُرُّ الناظرين. يومٌ آخر وتتوهجُ بنضجها لتنتظرَ اليدَ القاسية التي ستنزعُها من رَحِمها. لكنها، ثمرةَ البطاطس، شأنها شأنَ الأنبياء والمناضلين الذين يبذلون أرواحَهم من أجل آخرين، ستقدم عمرَها القصيرَ راضيةً مرْضية. ثم تستسلمُ في أكفانها الخيش إلى شاحنةٍ ستنقلها إلى مذبحتها الجديدة. يدٌّ تخلعُ عنها الكفنَ، وأخرى تنزعُ القشرةَ، وأخرى تُقطّع الجسدَ الغَضَّ العاري شرائحَ، ويدٌ أخيرة تزجُّ بها في المحرقة. ثم أيادٍ كثيرةٌ، أيادي الأصدقاء سالفي الذكر، تدسُّ الشوكةَ، وتلتهم.

قليلون من يتأملون رحلةَ العذابِ الطويلةَ تلك، وبَذْل النفس. لكن فناناً هولندياً راقياً مفرطَ الحسِّ اسمه "فان جوخ"، لا شك أحدُ هؤلاء القِلّة. وإلا ما تفسير عشرات اللوحات الفاتنة التي حملت عناوينَ مثل: القرويُّ يحفرُ الأرض. زوجةُ القرويّ تدسُّ جذورَ البطاطس. القروية تحرقُ الأعشابَ الضارة. وفي أخرى تحرثُ الأرض. القرويُّ يصنعُ سلّة. الفلاحون يحصدون القمح. زوجةُ القروي تحزّم عيدان القمح. القرويّةُ تقطّع القشَّ. الحاصدُ بالمنجل (طالع الصفحة الأخيرة من الجريدة)، وفي الأخير: آكلو البطاطس. وحتى لم ينسَ حياتهما الفقيرةَ في بيتهما الريفيّ البسيط؛ فنجد لوحاتٍ عدّةً مثل: زوجة القروي ترتقُ الجواربَ، تغزلُ قبعّةً من القش، تحيكُ الملابسَ أو تغسلها على النهر، تكنسُ الدار، تهدهد طفلها، تقشّر البطاطس، تتناول وجبتها، تتدفأ أمام النار، تجلس حزينةً على باب كوخها تفكر. واللوحة الفاتنة "الخطوة الأولى"، التي تمسكُ فيها بيدي صغيرها تعلّمُه المشيَ، وأبوه يقف في البعيد فاتحاً له ذراعيه.

كلُّ هذه الفتنة وأكثر رسمها جوخ حين رحل إلى الجنوب الفرنسي ليستقرَ في مدينة "آرل" الساحرة. خلّدَها بريشته، كما لم تخلدها كتبُ التاريخ الساذجة. رسم لياليها تضيئها النجوم، وفجرَها تباغته شمسٌ خجول. غسقَها يودّع الشمسَ. رسم أنهارَها وجسورَها وأعشاشَ طيورها. حدائقَها الساحرة بمروجِها ومراعيها. قمحَها وزهورَها وعشبَها وصفصافاتها وكستناءاتها الحمراء وصنوبراتها وسنديانها التي تكاد تصرخُ طرباً، وترقصُ رافلةً في ألوانها الزاعقة الكثيفة، القاتمة جدا حينا، والمشرقة جدا حينا. ألوانٌ استحضرها جوخ بضرباتِ فرشاته الواثقة، الثقيلة الرهيفة، في آن. ألوانٌ جلبها، لا عبر عينيه اللتين تريان، بل عبر إحساسه الداخلي الذي لا يصوّر أو يصف، بل يشعرُ بالشيء، ثم يعيد خلقه.
ما الذي جعلني أقلّبُ في مكتبتي لأستخرجَ كتالوجَ حبيبي القديم فان جوخ الذي يكسوه الغبار؟ مشاركتي في معرض "الكتّاب يرسمون لصالح ضحايا الدويقة" في جاليري مجلة بورتريه. كنتُ نسيتُ أن في الفرشاةِ واللون متعةً وملاذاً، لا يقلًُّ حُنوًّا وأماناً عن الموسيقى، التي أهربُ إليها كلما قستِ الحياة!

ابحثوا يا أصدقائي عن لوحاتِ هذا العظيم وتأملوها مليًّا. فمن يشاهدُ لوحاته سيدخل الجنّة. لأنكَ بعد تأملها والإبحار فيها سوف تَشِفُّ مثل ملاكٍ، وتطيرُ مثل عصفور. والعصافيرُ، حتماً، ستدخل الجنة.